مثقفون في وداع المترجم بشير السباعي: فقدنا إنسانا نبيلا وشاعرا ومترجما كبيرا

21-4-2019 | 23:12

بشير السباعي

 

مصطفى طاهر

خيمت حالة من الحزن على الأوساط الثقافية في مصر، بعد رحيل الشاعر والمترجم "بشير السباعي"، الذى توفي عصر اليوم الأحد، عن عمر ناهز 75 عاما.


ولد بشير السباعي في 15 يناير 1944م بالشرقية، وهو شاعر وناقد ومترجم مصري، نقل عن الروسية والإنجليزية والفرنسية نحو سبعين عملا إبداعيًّا وفكريًّا.

حصل على درجة الليسانس من كلية الآداب - جامعة القاهرة - قسم الدراسات الفلسفية والنفسية (1966)، وحصل على جائزة أفضل الملمين بالروسية وآدابها من المركز الثقافي السوفيتي بالقاهرة (1971)، كما توج بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب 1996، عن أفضل ترجمة عربية عام 1995، حصل على جائزة مؤسسة البحر المتوسط للكِتاب (2007)، وحصل على جائزة رفاعة الطهطاوي من المركز القومي للترجمة (2010).

"بوابة الأهرام" التقت وحاورت نخبة من المثقفين المصريين الذين تحدثوا في وداع المترجم الكبير، والمثقف الرفيع الذى أثرى المكتبة العربية بترجمة عشرات الكتب بالغة الأهمية.

د.إيمان يحيى، قال لـ "بوابة الأهرام": كنت أتقابل مع الراحل بشير السباعي على فترات متباعدة في المناسبات الثقافية وسرادقات العزاء، في أول مقابلة فاجأني بتعلمه الروسية في القاهرة في المركز الثقافي الروسي. دائما ما كنا نتحدث عن المؤلفات التاريخية الروسية، كان بلا شك أنشط المترجمين المصريين بعد جيل الأستاذ شوقي جلال، اهتماماته التاريخية والثقافية جعلته يحسن اختيار الكتب، ولا أشك أن في جعبته دائما مشاريع للترجمة تخدم المصريين. قليلون من يتمتعون بالثقافة الموسوعية التي امتلكها السباعي، وأقل من يملك روح المثابرة التي كانت لديه. قدم خدمة جليلة للقضية العربية بترجمته لموسوعة فلسطين لهنري لور نس بأجزائها الكبيرة المتعددة، لقد فقدت الثقافة المصرية والعربية أحد مثقفيها العظام.

الناقد د.محمد سليم شوشة، قال إنه في جلساته مع السباعي على مقهى زهرة البستان، كان قادرا بأسئلة بسيطة على طرح الأفكار الجديدة وتحريك المفاهيم الراكدة التي لم يكن واعيا لها، وأضاف "شوشة": كان أحيانا يحدثنا عن المشروعات التي مازالت قيد الإنجاز في الترجمة لديه، ويطرح بعضا من مفاجآتها ولا يقلق من سرقة الأفكار بقدر ما يحبذ انتشار المعرفة ورواجها، كان كذلك واعيا بتفاصيل تاريخية مهمة عن الحضارات الغربية المتجاورة والمتعاقبة زمنيا، وكان عالما مهما بالصهيونية ويتحدث دائما في بعض ألاعيبها، كان عنوانا للإنسانية والنبل والرقي.

الشاعر محمد الكفراوي، قال: من المحزن حقا أن يرحل عنا الشاعر والمترجم والمثقف الكبير بشير السباعي هكذا فجأة، دون أن يودعنا، هو اختار أن يعمل في صمت، أن يعتكف في صومعته ـ بيته الذي هو عبارة عن مكتبة، يقرأ ويترجم ويبدع، يجري حوارات لا تنتهي مع الكتب والأفكار التي تملأ المكان، وكلما دخلت مكتبته البسيطة المعقدة كنت أشعر وكأنني دخلت إلى عوالم متعددة، بين الفن والفكر والفلسفة والأدب، كنت أتجول بأريحية بين صفوف الكتب وهو بروحه المرحة المعهودة يقول لي اختر ما تريد أن تقرأه حقا وسأهديه لك، ليس هذا فقط ، بل كان يرشح لي كتبا لم أسمع عنها من قبل مثل مسرحيات موليير وكتاب الشخصية المحمدية لمعروف الرصافي، وكتب أخرى كثيرة عن السريالية والفلسفة وفي الأدب والفن، كان بالنسبة لي نموذجا للمثقف الموسوعي الملتزم، صاحب الرسالة، الذي لا يتنازل أو يقايض الثقافة بأي شيء، حين سألته مرة عن الترجمة، أخبرني أنه مهتم بصناعة الثقافة الثقيلة، بترجمة الموسوعات والكتب الملحمية، وأنه لا يترجم إلا ما يحبه ويستهويه، وفي الوقت نفسه يعرف أنه سيقدم إضافة للمكتبة العربية، وسيفتح آفاقا جديدة أمام الأجيال الشابة، وهكذا كان بشير السباعي روحا مفعمة بالصخب، كانت ضحكته المجلجلة تشي بنقاء استثنائي، وخياله الثري يحيط بحضوره كأنه طاقة نور، السلام لروحك يا صاحب القلم النقي والوعي المتجاوز.

المترجم أحمد فاروق تحدث لـ"بوابة الأهرام" من العاصمة الألمانية برلين، وقال إن بشير السباعي لم يكن فقط مترجما قديرا، بل كان أيضا شاعرا رائعا وعذبا

وأضاف "فاروق": أذكر ديوانه الجميل"مبدأ الأمل" على غرار عنوان كتاب أرنست بلوخ، وقد أهداه لي ضاحكا وقال: المهم المبدأ، تعرفت إلى بشير بعد تخرجي من الجامعة وبالتزامن مع صدور كتابنا المشترك"خيوط على دوائر"، وتصادف أن جمعنا مكان عمل واحد لفترة قصيرة، كنا بعده نذهب للجلوس في مقهى "الحرية" ونلتقي بقية الأصدقاء، كان المبهر بالنسبة لي هو الروح الشابة التي يمتع بها هو والصديق أحمد حسان، وتواصلهما الحيوي مع جيلنا وإسهامهما النشط في صدور مجلتي الجراد والكتابة الأخرى ومشروعهما المشترك لنقل أعمال فكرية مهمة إلى العربية مثل الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية لإدواردو جاليانو. لبشير السباعي دور مهم في التعريف بالحركة السوريالية المصرية، وذلك ليس فقط من خلال ترجمة أعمال جويس منصور وجورج حنين وإنما بالكتابة عن الحركة نفسها، أيضا ترجمته لكتاب تودوروف "فتح أمريكا، مسألة الآخر" كانت من أكثر الكتب التي أثرت في. ورغم المسافات ورغم عدم لقائنا منذ سنوات طوال، فإن محبة كبيرة واحتراما شديدا يظلان واقرين في القلب لهذا الإنسان الجميل. وداعا يا بشير العزيز، واحتراما شديدا.

الناقد الكبير د.محمد بدوي، أحد رفاق عمر السباعي، قال لـ"بوابة الأهرام" إن بشير السباعي نموذج معقد اجتمعت فيه أهم ما في الثقافة العربية الحديثة من مزايا، شاعر رقيق رومانسي ثوري وفي الوقت نفسه دقيق في لغته، كأنه صانع معاجم، مناضل يحلم بعالم واحد تسوده العدالة، وسمير لا تمل حديثه كأنه خلق ليحدث. من يعرفه تنتقل إليه عدوي القلق الخلاق، مناضل صلب لكنه بالغ الرهافة حين يتعامل مع الناس والحيوان.

الموسيقار محمد صالح، تحدث لـ"بوابة الأهرام" من العاصمة الروسية موسكو، أن تغريدات بشير السباعي كانت ومضات تنويرية من كل العصور والثقافات واللغات، تعكس مسيرة إنسانية ومهنية وثقافية فريدة جعلته يتبوأ مكانته الراسخة في حقل الترجمة والثقافة والأدب. سيظل السباعي حاضرا بيننا من خلال ترجماته التي نقل عبرها أفكارا تثري مشهدنا الثقافي في المنطقة العربية.

رئيس المركز القومي للترجمة، "د.أنور مغيث" نعى رحيل "السباعي"، وقال أن بشير السباعي كان إنسانا نبيلا وصديقا عزيزا ومناضلا جسورا ومثقفا موسوعيا ومترجما قديرا، وأن رحيله يخلف خسارة فادحة وحزنا كبيرا.

اقرأ ايضا: