عاش هنا

20-4-2019 | 20:45

 

يثير مشروع "عاش هنا" الذي يسجل حياة كثيرين من الرواد في حياتنا في مصر، على مداخل منازل عاشوا فيها سنوات، وخرجوا ودخلوا عبر أبوابها يوميًا ولسنوات طويلة، شامخين مستبشرين، اختاروا أن يتركوا بصمات على وجه الوطن، يثير مثل هذا المشروع الكثير من الأفكار المهمة ويؤدي مجموعة من الوظائف الحيوية.


بدأ مشروع "عاش هنا" قبل نحو ثلاث سنوات بواسطة جهاز التنسيق الحضاري، وقاده المهندس محمد أبوسعدة رئيس الجهاز، بالتعاون مع المهندس زياد عبدالتواب رئيس مركز دعم واتخاذ القرار في مجلس الوزراء والمحافظات وخصوصًا محافظة القاهرة والجيزة حتى الآن.

وجهاز التنسيق الحضاري هو فكرة حصرية لوزير الثقافة السابق فاروق حسني؛ في محاولته السيطرة على التشوه السائد في الوجه الثقافي المصري والهجمة الشرسة على الفيلات والعمارات والمباني الأثرية، وإزالة القبح من على وجه الميادين والمناطق الأثرية بطول البلاد وعرضها.

قد تختلف أو تتفق مع فاروق حسني؛ ولكنه حرك المياه الراكدة في وزارة الثقافة، وأقام مؤتمرات ومعارض ومهرجانات، وشكل مجالس وفكر في مشروعات، وأثار نقاشات عميقة في الوسط الثقافي والسياسي في مصر.
ومن ذلك كانت فكرته عن التنسيق الحضاري؛ لدرجة أنه غير مسمى وزارة الثقافة ذات يوم في التسعينيات عندما صدر التشكيل في إحدى الحكومات باسم "وزير الثقافة والتنسيق الحضاري".

ولأن مصر لم تخل يومًا من السخرية والساخرين، فكان من وصفها بتنسيق الزهور، ومدى احتياج مصر إلى هذا التنسيق، فعدنا مرة ثانية إلى مسمى "وزير الثقافة" فقط، أما "التنسيق الحضاري"، فقد نجح الوزير في تحويله إلى جهاز قومي بقرار جمهوري سنة 2001، وتولى الصديق سمير غريب رئاسة الجهاز، وهو على أعتاب الخمسين، مسترشدًا باختصاصات الجهاز، كما جاءت في القرار الجمهوري، وبحسه النقدي الجمالي الذي اكتسبه من عمله في الصحافة، وفي القراءات التشكيلية لأهم الحركات والفنانين في مصر والعالم.

وكان جهاز سمير غريب والذين معه كثيرًا ما وقف أمام هدم عمارات أثرية، وأشعر المواطنين بوجوده بالتعاون مع المحافظين، وأعاد جزءًا من جماليات بعض المباني والميادين العامة، إلا أن مشروع "عاش هنا" أضاف بقوة للجهاز بفضل مجهودات المهندس أبوسعدة؛ لأن المشروع وهو وطني وحضاري؛ لكنه بالأساس يلبي رغبات متأصلة في الشخصية المصرية، الناس في بلادي تحب الترحم على الموتى والتفاخر بالبلديات والعصبيات، كما تتأسى على عجز الحكومات عن تكريم الراحلين من العظماء، ولو كنا في أوروبا أو الدول المتقدمة... إلخ القصيدة المعروفة، لكن هاهو مشروع يحقق كل هذه النواحي النفسية المهمة للشعب، يتحقق.

وعبر الأشهر الماضية تمت عملية نشر لوحات لنحو مائتي اسم لمصريين راحلين خدموا بلادهم، وهو العدد المستهدف من المرحلة الأولى للمشروع، لكن "عاش هنا" يمنح أكثر من ذلك؛ لأنه - في رأي المفكر المعماري الدكتور خالد عزب - يحافظ على المباني ذات الطابع التراثي من أن تهدم، خاصة المباني التي عاش فيها كبار رجال الدولة من أدباء وفنانين، بمعنى إحداث القطيعة النهائية بين هذه المباني المزينة بهذه اللوحة (عاش هنا) وسماسرة العقارات الذين يحملون معاول هدم التاريخ.

فيما خلف هذه اللوحة المتواضعة سجل لكبار الشخصيات التي أثرت في الوعي الجمعي المصري؛ مما يجعل الشباب والكبار الذين يطالعون اللوحات يسعون إلى اكتشاف أو اكتساب معرفة أكثر عن هذه الشخصيات وماذا قدمت.
وهنا أيضا يأتي دور مركز دعم واتخاذ القرار بمجلس الوزراء؛ حيث يقدم عن طريق تطبيق الـ QR لمعرفة المزيد من المعلومات حول الشخصية المشار إليها.

وأتذكر محاولات سابقة لنشر التعريف بالنماذج المصرية المشرفة مثل موسوعة أصدرها الدكتور ممدوح البلتاجي عندما كان رئيسا لهيئة الاستعلامات، وموسوعة أعلام مصر في القرن العشرين التي أصدرها مصطفى نجيب عندما كان رئيسًا لتحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط.

لكن هذه الموسوعة الجديدة نزلت من الكتب والرغبة إلى مداخل بيوت هؤلاء، ومن اللوحات الاسترشادية إلى المعلومات المتوافرة إلكترونيًا لتوافق أساليب الجيل الحالي في البحث.
وهناك لجنة من كبار مثقفينا تختار الشخصيات؛ مكونة من متخصصين في الشعر والتراث والعمارة والأدب والتاريخ والسينما.

اللجنة تأتي بأشخاص في الذاكرة المصرية مثل "نجيب محفوظ" و"عبدالحليم حافظ" و"نجيب الريحاني" و"الدكتور عصمت عبدالمجيد"؛ لكنها أيضًا تفاجئنا أيضًا بالدكتور محمود أمين العالم، وبالاستعداد بلوحتين لزكريا الحجاوي والشيخ محمد حسين الذهبي، على سبيل المثال.

هي استعادة لأشخاص غادرونا إعادة اعتبار لحقب زمانية أهيل عليها التراب، والبنايات التي عاشوا فيها، وستكون معضلة مثلا، لمن هدمت بناياتهم مثل شاعر النيل حافظ إبراهيم، البنايات جزء من الموضعة؛ لأن الأصل هو الحفاظ علي الذاكرة، وتحريك الأجيال نحو التعرف على تاريخ أشخاص أتقنوا عملهم.

أخيرًا فإن الأمر ليس تسلية، إنما خطوة أولى جادة نحو تنفيذ البنود التسعة الواردة في القرار الجمهوري الخاص بإنشاء الجهاز القومي للتنسيق الحضاري؛ ومنها: تحقيق القيم الجمالية للشكل الخارجي للأبنية والفراغات العمرانية، إعادة صياغة الرؤية الجمالية لكافة مناطق الدولة والعمل على إزالة التشوهات الحالية، وضع الضوابط التي تكفل عدم التغيير في الشكل المعماري القائم بمنع الإضافات التي تتم على المباني القائمة، والتي تشوه المنظر العام، وإعادة صياغة الميادين العامة وفقًا لرؤية معمارية وبصرية

هذه أحلام لكنها تحتاج إلى الإرادة وتنفيذ القوانين بكل حسم.

مقالات اخري للكاتب

من أجل سوريا

​عودة سوريا إلى مقعدها في مجلس جامعة الدول العربية لن يعيد الاستقرار والسلام إلى سوريا في نفس اليوم؛ فالاستقرار في هذا البلد العربي المنكوب يحتاج إلى سنوات، ربما ضعف السنوات التي مرت على انهياره الأمني والسياسي والاقتصادي والمجتمعي.

أكتوبر السادس والأربعون

الحرب كانت ومازالت تعبيرًا وطنيًا شديد التلاحم نحو تحقيق الهدف، وتزداد شرعيتها، خصوصا عندما يكون هذا الهدف مدعمًا بالحق ومُؤازرًا بالواجب. لذلك كانت أكثر

مصر تعيد اكتشاف قدراتها

اكتشفت مصر قوتها وقدراتها خلال الأيام الماضية، وعرفنا إلى أي مدى كانت انطلاقتنا في التنمية مطمئنة إلى وعي جمعي بضرورة هذه التنمية، وأن أزماتنا الواضحة

الرقص مع الذئاب

أمضينا مساء الجمعة والساعات الأولى من صباح السبت نتجول ما بين شبكة "الجزيرة" وتوابعها التي تبث من تركيا، من ذئاب الفضائيات، لنتأكد من مزاعم المظاهرات التي تجتاح مدن مصرية.. ثم أنقذتنا الفضائية المصرية "إكسترا نيوز" ببث مباشر من ميدان التحرير يكشف سير الحياة بشكل طبيعي في الميدان.

مصر لا تجمد أحلامها

من الضروري أن يفهم المصريون على اختلاف درجات وعيهم، أن التوقف عن العمل والإنجاز، ليس فقط تجميدًا للحظة الراهنة، وإبقاءً للحال كما هو عليه، ولكن التوقف هو تأخر وتخلف عن الآخرين، وإضاعة للفرص، خصوصًا فرص تحقيق الحلم بالوصول إلى بلد قوي متقدم مرفوع الرأس يتسع للمصريين جميعًا.

أردوغان يعيد استخدام فزاعة اللاجئين السوريين

هدد رئيس تركيا رجب طيب أردوغان أوروبا بفتح أبواب بلاده أمام اللاجئين السوريين نحو مدنهم "في حال لم يقدم الاتحاد الأوروبي المساعدة الضرورية لأنقرة".

مادة إعلانية