الإصلاح الاقتصادي.. المؤشرات وحدها لا تكفي (5)

20-4-2019 | 21:01

 

خلصت المقالات السابقة إلى أن الإصلاح الاقتصادي منفردًا يعكس رؤية قاصرة كانت سائدة في عصر الحداثة، ولكن عصر ما بعد الحداثة يستلزم رؤية بيئية شاملة من خلال عملية تقييم الأثر البيئي لأي خطة أو قرار أو مشروع من خلال عمل فريقي يضم خبراء الاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة والأمن وخلافه؛ لتقييم ودراسة المشكلات والحلول والسلبيات الناتجة عن هذه الحلول، وكيفية الحد منها والبدائل الممكنة.

ويتفق الكثيرون من علماء الاقتصاد على أهمية الرؤية الشاملة للإصلاح والتنمية؛ حيث يشير الاقتصادي الكبير عبدالفتاح الجبالي في مقاله بالأهرام الأسبوع الماضي، أن الفكر الاقتصادي التقليدي قد تحطمت أساسياته وتفتت ملامحه بسبب نظرته الجريئة للمشكلات والقضايا، ما أدى لعجز علم الاقتصاد عن إيجاد حلول وإجابات مناسبة لمشكلات العصر، وهذا هو ملخص رأي عالم الاقتصاد الفرنسي الكبير ميشيل بو.

ونفس الفكر يركز عليه الدكتور إبراهيم العسوي في كتابه بعنوان "تجديد الفكر الاقتصادي"، ويتفق فكر هؤلاء الأساتذة على أن جميع محاولات الإصلاح الاقتصادي أو التنمية التي اعتمدت على المنظور الأحادي في الحقب السابقة أدت لكثير من المشكلات والسلبيات مثل زيادة معدلات الفقر؛ ومن ثم الجريمة، وزيادة معدلات البطالة والفجوة بين الأغنياء والفقراء، وانعدام الأمان الاجتماعي والوظيفي.

باختصار فشلت التنمية تمامًا في تحقيق أهدافها المعلنة والملاحظ على الأرض، أنه حتى أصحاب هذا الفكر الرأسمالي لم يلتزموا به دائمًا؛ حيث تخلت الدول الرأسمالية أثناء أزمة الكساد الاقتصادي في ثلاثينيات القرن الماضي، وتدخلت الدولة لوقف الانهيار الاقتصادي مخالفة لمبدأ حرية السوق، وهو أساس النظام الرأسمالي، وتكرر ذلك مع الأزمة العالمية الأخيرة مع بدايات الألفية الثالثة وأزمة الرهن العقاري، وأعلن وقتها ساركوزي رئيس وزراء فرنسا، نهاية وسقوط الرأسمالية، وأخيرًا جاء ترامب وأعلنها صراحة، أنه ليس هناك حرية للسوق، وفرض ضرائب تعسفية على المنتجات الصينية والأوروبية، لتحقيق عدالة السوق من وجهة نظر أمريكا؛ لمواجهة تعاظم معدلات نمو الاقتصاد الصيني في العقود الأخيرة بمتوسط يصل لنحو 9% سنويًا، مقابل متوسط لا يتعدى 2% في الدول الرأسمالية بقيادة أمريكا.

ويتوقع أن يكون أكبر اقتصاد عالمي خلال سنوات قليلة، وهو اقتصاد تقوده الدولة وتسيطر وتمتلك نحو 65% منه؛ ولذلك ينادي الكثيرون من علماء الاقتصاد بأهمية تطوير الفكر الاقتصادي التقليدي والبعد عن المسلمات القديمة، ويضيف العالم الاقتصادي كروجمان، أن التجارب العالمية أكدت أنه لا غنى عن دور نشيط للدولة في الاقتصاد وتنظيم المسار ومواجهة الآثار الاجتماعية الخطيرة لحرية السوق.

ويضيف د.عبدالفتاح الجبالي، أن هناك مشكلة في نظم تعليم الاقتصاد؛ حيث تربى وتعلم معظم الاقتصاديين في العالم الثالث على الفكر الرأسمالي التقليدي، وأصبحوا أسرى لهذه الأفكار التقليدية، التي ثبت فشلها في الواقع، وهؤلاء عادة هم من يقودون التنمية واقتصاديات العالم الثالث، ويضيف د.جلال أمين في مقاله بالأهرام، بتاريخ 16-4 -2018، أن سبب انتشار وهم نجاح سياسات حرية السوق وعدم تدخل الدولة؛ لا يرجع إلى أرض الواقع الذي يرفض ذلك؛ بل يرجع انتشار هذا الوهم إلى انتشار الشركات متعددة الجنسيات، وسيطرتها على وسائل الإعلام، والترويج لهذه الأفكار مع استعمال أساليب قهرية مع العمال وترويض المستهلكين.

ويضيف الاقتصادي شريف دلاور، أن الاعتماد على مؤشرات اقتصادية معينة مثل متوسط الدخل أو النمو لقياس أداء التنمية قد يؤدي إلى نتائج خاطئة وغير حقيقية، ويضرب مثالا على ذلك بتجربة اليابان في التنمية في الثمانينيات؛ حيث سجل مؤشر النمو الاقتصادي درجة سيئة للغاية، بينما على النقيض انخفضت في هذه الفترة معدلات البطالة والجريمة واستقرت الأسعار وانخفض التضخم وزادت جودة الخدمات التعليمية والصحية وجودة الطعام، وبالتالي ارتفع الرضا المجتمعي والقبول الشعبي لهذه السياسات، وهذا هو هدف أي حكومة؛ وهذا هو البعد الاجتماعي الفريضة الغائبة في كثير من سياسات الإصلاح الاقتصادي.

ويضيف د.محمد أبو الحسن، أن طريق الخصخصة وتهميش دور الدولة يؤدي إلى تركيز الثروة في أيدي قلة من رجال الأعمال يسعون إلى تطبيق سياسات داخلية تؤدي إلى فتح أسواق العالم الثالث لكي تكون تابعة للرأسمالية العالمية والشركات الكبرى للحفاظ على مكاسبهم، وهذا شكل جديد من أشكال الاستعمار الاقتصادي، ويدفع الثمن شعوب وبلدان العالم الثالث كي تظل تابعة للدول الرأسمالية الكبرى.

ويضيف د.فوزي فهمي، أن السياسات الاقتصادية الرأسمالية تعكس حربًا مفتوحة على العالم الثالث لنهب واستغلال ثروات 6 مليار إنسان في العالم الثالث؛ لصالح مليار مواطن في الدول الرأسمالية، وتضيف د.عزة رضوان، أن الرأسمالية العالمية من خلال نفوذها تسيطر على رجال السياسة والحكم وتسخر ذلك لخدمة مصالحهم ومكاسبهم الضخمة، وأخيرًا نتذكر تصريحًا مهمًا لأحد رؤساء البنك المركزي السابقين، حينما قال في حديث تليفزيوني، إنه اضطر لتقديم استقالته لعدم تجاوب البعض في فرض قيود على الاستيراد ورفع قيمة الضرائب والجمارك؛ لأنهم يسعون للحصول على قروض من هيئات دولية لكسب ود هذه الهيئات.

خلاصة كل ما سبق، أن هناك كثيرين من علماء الاقتصاد في الداخل والخارج يرون أهمية النظرة المنظومية الشاملة لقضايا الاقتصاد والتنمية المتواصلة الشاملة، التي تراعي كافة الأبعاد والمصالح ليس فقط للجيل الحالي؛ بل والأجيال المقبلة، وهذا لن يحدث بدون عملية التقييم البيئي الشامل لكافة المشروعات والقرارات.. والله الموفق.

مقالات اخري للكاتب

الإصلاح الاقتصادي.. والمجتمع بين دور الدولة والقطاع الخاص (8)

خلص المقال السابق عن نظرية ما بعد الحداثة والاقتصاد، إلى أن الاتجاهات الفكرية الحديثة ترفض كافة الاتجاهات والنظم التقليدية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع وكل التخصصات؛ لأنها نشأت في عصور سابقة، وثبت فشلها في تحقيق أهدافها، وأنه يستحيل تعميم نظرية أو نظام في بيئات متباينة، وأزمنة وظروف مختلفة،

الإصلاح الاقتصادي والمجتمع ونظرية ما بعد الحداثة (7)

إن دراسات التقييم البيئي الشامل تقتضي مراعاة خصوصية كل مجتمع بشقيه، سواء علي المستوى القومي أو على المستوى المحلي، لأنه قد تنجح إصلاحات معينة في مجتمع، ولا تصلح في مجتمع آخر، أو في زمن آخر في نفس المجتمع، وهذا ما تجمع عليه كافة الاتجاهات العلمية الحديثة..

الإصلاح الاقتصادي والمجتمع في تجربتي ناصر ومبارك (6)

خلص المقال السابق إلى تأكيد كثير من علماء الاقتصاد على أن المؤشرات الاقتصادية منفردة لاتكفى لضمان نجاح التنمية، وتاريخ مصر الحديث، يؤكد ذلك بالرجوع لتجربتى

وزارة لتنمية سيناء واكتتاب شعبي للتمويل

سيناء المقدسة تبلغ مساحتها نحو 60,000 كيلومتر مربع، وهي مساحة كبيرة وتبلغ نحو 6% من مساحة مصر؛ ومع ذلك يقل عدد سكانها؛ بحيث يصل إلى نحو مليون نسمة، وهي

الإصلاح الاقتصادي.. المؤشرات وحدها لا تكفي (5)

خلصت المقالات السابقة إلى أن الإصلاح الاقتصادي منفردًا يعكس رؤية قاصرة كانت سائدة في عصر الحداثة، ولكن عصر ما بعد الحداثة يستلزم رؤية بيئية شاملة من خلال

الإصلاح الاقتصادي والمجتمع وإعادة هيكلة الأجور (4)

انتهى المقال السابق إلى وجود فجوة كبيرة بين أسعارالخدمات والطاقة - حيث تسير الحكومة في رفع أسعارها للسعر العالمي - وبين الأجور والمعاشات وأسعار المحاصيل المحلية؛ مما ترتب عليه ضغوط ومشكلات اجتماعية خطيرة للطبقات الوسطى والدنيا.

الأكثر قراءة