أبطال ولكن صعاليك!

15-4-2019 | 21:04

 

عاشوا الغربة وماتوا غرباء، سيرتهم لا تخلو من المعاناة والتشرد والبؤس، قضوا حياتهم طولا وعرضا، لم يتركوا نشاطا أو إبداعا إلا وفعلوه عن اقتدار، قد لا يعرفهم الكثير ولم ينالوا الشُهرة الكافية، وفى عصرنا لم يرد ذكرهم إلا مصادفة، رغم أنهم خلفوا وراءهم أثرًا شامخًا باقيًا على مر الزمن، وصنّفهم بعض النقاد من فئة الصعاليك ، والصعلوك يعنى الفقير الذى لا يمتلك شيئا، أو المتسكع يعيش على الهامش أو خارج على القانون، ويمتد مصطلح صعلوك إلى الجاهلية، وأقف هنا معارضا أمام عمومية م

صطلح صعلوك فيما يعني بالمتسكع أو اللص.

وبعد شيوع هذا المفهوم وإطلاقه على عدد من رواد الفكر والفن، مضطر لتناوله هنا في السطور التالية، ولكن من منطلق من عاش فقيرًا متنقلا بين طيات الحياة، غير مهموم بالجرى وراء المال أو باحثا عن الثراء السريع، وكان من طليعة صعاليك القرن الماضى عبد الله النديم ، وكان من مواليد الإسكندرية، وألحقه والده بالكتاب وختم القرآن أملا في دراسته بالأزهر، ولكن لضيق الأحوال المادية للأسرة وقفت مانعا لالتحاقه بالأزهر، فقرر العمل منذ صغره لمساعدة والده، ومن قراءاته العديدة تنقل بين فنون الكتابة ، فكان كاتبا وشاعرا وزجالا وصحفيا، وقدم إنتاجا غزيرًا من الأدب وضاع منه الكثير، وألّف أكثر من 7 آلاف بيت شعر وروايتين والعديد من المقالات، ومن أشهر أزجاله:
شرم برم حالي تعبان
أهل البنوك والأطيان
صاروا على الأعيان أعيان
وابن البلد ماشى عريان

واشتغل تلغرافيا في وقت كان التلغراف مقتصرًا على المراسلات الملكية والرسمية بين الحكومة المصرية والعالم الخارجى، وعمل بتلغراف قصر والدة الخديو إسماعيل، مما مهد له التقرب والاحتكاك ب الطبقات المصرية الأرستقراطية والأكثر ثراءً، ووجد هوة واسعة بين بقية عوام المصريين، ثم اشتغل بالصحافة بجريدة المحروسة، وقام بتقديم مواهب أدبية في الشعر والخطابة، وأنشأ فرقة مسرحية وكان المؤلف وكاتب قصصها، ودافع عن مهنة التمثيل في وقت يعتبر فيه الكثير أن الممثلين مجرد مهرجين، وقال إن التمثيل وسيلة لدفع الظلم ولنقد حال المجتمع.

ونقطة التحول في حياته عندما التقى بمحمود سامي البارودي، واشترك في الثورة العرابية عام 1881 وكان خطيبًا للثورة، وأصدر مجلتي التنكيت والتبكيت واللطائف لتكونا لسان حال الثورة، واشترك مع عرابي في معركة التل الكبير، وبعد الهزيمة واحتلال الإنجليز صدر أمر باعتقاله وبنفيه، وفر هاربًا وبرع في التنكر وفي انتحال شخصيات مختلفة، كما فعل السادات أثناء هروبه من المعتقل، وانتحاله لشخصية الحاج محمد، واشتغل سائق لوري.

ورصد الخديو توفيق مبلغ ألف جنيه لمن يرشد عنه، وتستر عليه الأهالي وبعض رجال الشرطة، لكونه الثائر ضد خيانة توفيق وظلم الاحتلال، إلى أن تم القبض عليه ونفيه، ثم أصدر الخديو عباس حلمي الثاني عفوًا عنه، ولكن ما لبث ودعا الناس إلى مقاومة الاحتلال، وانتقد المهووسون بالغرب بدعوة الحرية، وانتقد علمانية فرنسا؛ لأنها أصدرت أمرًا للكنائس بإلزام الفرنسيين بالصلاة كلما واجهتهم أزمة، فأصدر الخديو عباس أمرًا بنفيه إلى إسطنبول، ولقي ربه هناك وعمره 63 عامًا بعد معاناة مع مرض السُل.

والصعلوك الثاني لا يختلف حاله كثيرًا مع حياة النديم، ويتشابه معه في محطات كثيرة من رحلته، برغم الفارق الزمني بينهما، وهو ابن مدينة بورسعيد ومن أسرة فقيرة، ولم يستمر في دراسته، واهتم بأمور الأدب والكتابة، وانتقل إلى القاهرة وامتهن فيها عدة وظائف، منها بائع في محل بقالة، ومحصل للترام، ومعلم في مدرسة أهلية، ونام في الحدائق وتجول مع فرقة أحمد المسيري المسرحية كمؤلف وممثل في ريف مصر، وكان مناضلًا سياسيًا وتم اعتقاله مع بداية ثورة يوليو، وهو الشاعر والممثل والمخرج عبد الرحمن الخميسي، وكان واحدًا من أدباء عصره من رواد صالون قوت القلوب الدمرداشية، والتي تبرعت بالأرض والمال في بناء مستشفى الدمرداش، وعمل محررًا بجريدة المصري، ثم عمل بجريدة الجمهورية، وتم عزله ونقله إلى وزارة التموين، فلم يستمر في الوزارة وأسس فرقة مسرحية باسمه كان فيها المخرج والمؤلف، وجاب بها أغلب المحافظات في عام 1958، ومن أشهر مسرحياته «الحبة قبة»، ومسرحية «عزبة بنايوتي» من تأليف الكاتب محمود السعدني ولاقت إقبالًا كبيرًا، وحصل من محافظ بورسعيد بعد العرض على قفص مليء بالدجاج والبط، والخميسي هو مكتشف الفنان محمود شكوكو الذي كان يعمل نجارًا مع فرقة أحمد المسيري، واختار له شكله، وكلّف نجارًا من صعيد مصر ليصنع له تمثالًا بزعبوطه الشهير، وكان يباع في كل مكان أمام المسارح التي كان يغني فيها شكوكو، واتجه الخميسي لكتابة المسلسلات والأفلام السينمائية، ولعب دورًا في فيلم الأرض عام 1969، وأنتج ثلاثة أفلام، وكتب فيلم حسن ونعيمة واكتشف فيه لأول مرة محرم فؤاد وسعاد حسني، وكذلك أول من قدم صلاح السعدني وحسين الشربيني، واعتبره النقاد من أبرز ظرفاء عصره، فكان لا يفارق كامل الشناوي والشيخ عبد الحميد قطامش، وجاب في نهاية حياته عدة دول، بداية من بيروت ونهاية بموسكو، والتقى هناك بريجنيف وبعالم الفضاء جاجارين، وكانت رحلاته هروبًا بسبب آرائه السياسية وخوفًا من الاعتقال.

ونلاحظ من القراءة السابقة أن الصعاليك يتوحدون في نضالهم السياسي، وفي تنوع مواهبهم الإبداعية، وفي مناصرتهم لعامة الشعب، وفي كسرهم للتقاليد وفي كثرة ارتحالهم، وفي تعرضهم للنفي والاعتقال، وفي موتهم غرباء؛ سواء في الداخل أو في الخارج، ويبدو أنها سمة من يحمل هموم الآخرين.

Email:khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

نسمع طحنا ولا نرى طحينا

في الصين حكمة تقول: "اللسان للعرب واليدان للصينيين"، بمعنى أن العرب يجيدون المبالغة وإنتاجهم ضعيف، وحالة الجدل المأجوج بين فقهاء عرب في شتى مجالات الحياة العصرية، تعكس نوعًا من اللامبالاة بعنصر الوقت وإضاعته سدى؛ مما يتبعه خسائر اقتصادية فادحة.

الدواء فيه سم قاتل لابنك

لا بأس من ظاهرة أسواق الملابس المستعملة والأحذية المستعملة، ومرحبًا كذلك بأسواق السيارات المستعملة، وهي نوعية من الأسواق التي تتواجد في العديد من دول العالم،

مكافأة مالية ضخمة ليتزوج بالثانية

يا مؤمن تصدق إن فيه حملة نسائية من بعض سيدات المجتمع، رفعت القبقاب شعارًا لها ضد دعوة الزواج بامرأة ثانية أو ثالثة، والحكاية كان سببها انتشار مطالبة عدد

جهز جيشا وميراثه تسعة دنانير

ليس عيبًا أن تبدأ حياتها نادلة في مطعم، لتنفق على دراستها للفيزياء بالجامعة، ولكن ما تلبث أن تصبح زعيمة لأقوى الأحزاب الألمانية منذ عام 2005، وهو الحزب

كيف تعيش في أمان؟

وأول ما قال رسولنا القائد: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؛ ولأنه لا ينطق عن الهوى ويعلم يقينا أن مكارم الأخلاق العلاج الوحيد الذي لا ثاني له لتماسك بناء

كلام في الميزان

قالوا زمان: "إللي يحسب الحسابات في الهنا يبات"، واليوم يستطيع الإنسان قياس عدد أنفاسه وهو يجلس على المقهى، ويعرف كيف يحسب درجة سعادته بالضبط، ويتاح له

مادة إعلانية