التغيرات المناخية تهدد الزراعة.. الحكومة تتصدى برؤية 2030.. وخبراء يحذرون من الجفاف وتراجع الإنتاجية

15-4-2019 | 14:36

صورة تعبيرية

 

إيمان محمد عباس

تقع مصر جغرافياً ومناخياً في غالبيتها تحت نطاق مناخ إقليم البحر المتوسط والذي كان على مدار آلاف السنين من أكثر مناخات أقاليم العالم وضوحاً واستقراراً، ومع حدوث ما يطلق عليه "تغير المناخ" وحدوث انقلابات مناخية "حادة" في العوامل المناخية المميزة بمصر بدأ حدوث تغيير أكثر تشتتاً وأقل استقراراً في العوامل المناخية وسيادة حالة من التقلبات المناخية الحادة مثل شتاء متقلص الفترة "قصير جداً" شديد البرودة وربيع قصير بخماسين أكثر شراسة وصيف طويل شديد الحرارة وأمطار غير موسمية تمتد وتتوغل داخل أشهر الصيف ويزيد توغلها مع مرور السنوات.

وفى ضوء هذه التغيرات المناخية ، يصبح من الضروري اتخاذ إجراءات وتنفيذ برامج زراعية تتماشى مع تلك الآثار المتوقعة، التى تترك أثارا سلبية على إنتاجية المحاصيل الرئيسية في مصر. ولمواجهة هذه التداعيات، كشفت الحكومة مؤخرا عن خطة للتصدى لهذه المخاطر من خلال "استراتيجية 2030".

وترصد "بوابة الأهرام" تداعيات تلك التغيرات المناخية وآثارها السلبية على القطاع الزراعى والقطاعات الأخرى.

التأثير المحتمل على موارد المياه والدلتا

في البداية، يقول الدكتور محمد داوود الخبير المائي، إن كثيرا من الدراسات التي أجرتها منظمات دولية معنية ب التغيرات المناخية وكذلك بعض الباحثين في مصر، تشير إلى أن التغيرات المناخية سوف تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض مما قد يؤثر على تدفقات المياه في نهر النيل والذي تعتمد عليه مصر بنسبة 90% لتغطية احتياجاتها من الموارد المائية العذبة، ومع زيادة عدد السكان فإن الحاجة إلي توفير موارد مائية تزداد أكثر لتوفير الغذاء لنحو 100 مليون شخص هم عدد السكان الحالي في مصر والتي تصنف عربياً على أنها البلد الأكبر من حيث عدد السكان.

زيادة حالات الجفاف

واستطرد الدكتور محمد داوود، أن التأثيرات المتوقعة للتغيرات المناخية تتمثل في زيادة حالات الجفاف، وموجات الطقس الحار، بالتزامن مع النمو السكاني، وندرة المصادر الطبيعية وعلى رأسها الموارد المائية العذبة، وارتفاع منسوب مياه البحر الذي قد يسبب غرق مناطق من السواحل ومنها مناطق في دلتا نهر النيل وهو ما سيتبعه الهجرة من هذه المناطق، موضحاً أنها سوف تمثل تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة.

 وأشار الخبير المائي، إلى أن إحدى الدراسات التي أجراها مجموعة من خبراء الاقتصاد المصريين ونشرت في عام 2016 إلي أنه قد تفقد سواحل الدلتا المصرية حوالي 10% من أكثر الأراضي الزراعية خصوبة بسبب زيادة نسبة الملوحة في التربة والمياه الجوفية بسبب تداخل مياه البحر وارتفاعها، مؤكداً أن إنتاجية المحاصيل الرئيسية في هذه المناطق الساحلية ستتأثر.

 نقص الإنتاج

ولفت الدكتور محمد داوود، أنه من المتوقع أن تؤدي هذه التغيرات المناخية إلي نقص الإنتاج الزراعي بحوالي 13% في كل المحاصيل الزراعية عدا القطن، وبعض المحاصيل الإستراتيجية الأكثر تأثراً ب التغيرات المناخية هي الذرة والقمح والأرز.

رؤية 2030

ويستكمل داوود قائلا: الحكومة المصرية تنبهت لهذه التحديات وانعكس ذلك واضحاً في رؤيتها 2030، فقام مجلس الوزراء بإنشاء اللجنة الوطنية للحد من مخاطر الكوارث بمركز معلومات مجلس الوزراء، وأنشأت وزارة الموارد المائية مركزا للتنبؤ بالأرصاد الجوية و التغيرات المناخية ، مضيفاً أنه صدر قرار السيد رئيس مجلس الوزراء  رقم 1912 لسنة 2015 بتشكيل المجلس الوطني المصري للتغيرات المناخية برئاسة وزير البيئة وعضوية ممثلي عدد من الوزارات والهيئات المعنية ب التغيرات المناخية في مصر، وذلك بهدف العمل على إعداد إستراتيجية وطنية شاملة لتقييم التغيرات المناخية ، ورسم الخطط الوطنية الخاصة بمواجهة تأثيرات هذه التغيرات والتكيف معها مع تحديد الاحتياجات المالية السنوية اللازم إدراجها  في الموازنة العامة للدولة بشكل سنوي لكل وزارة أو هيئة معنية للبدء الفوري في مشاريع تهدف إلى الحد من تأثير التغيرات المناخية أو مواجهتها أو التكيف معها.

ونتج عن ذلك قيام الكثير من الجهات المعنية ومراكز البحوث والجامعات  في مصر بالبدء في إنشاء مراكز متخصصة للتغيرات المناخية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما قامت به الوزارات المعنية مثل وزارة الزراعة التي أنشأت مركزا لمعلومات تغير المناخ، ووزارة البيئة أنشأت معهدا للتغيرات المناخية، ووزارة الموارد المائية والري التي أنشأت مركزا للتنبؤ بالأرصاد الجوية و التغيرات المناخية بالإضافة إلي وجود معهد متخصص ضمن معاهد المركز القومي لبحوث المياه هو معهد بحوث البيئة و التغيرات المناخية .

البحث العلمي

 وأشار إلي أن الجامعات ومراكز البحوث المصرية حذت حذو الوزارات فأنشأت أكاديمية البحث العلمي والعلوم والتكنولوجيا لجنة لدراسة التغيرات المناخية ، وقامت جامعة الإسكندرية باستحداث وحدتين ضمن معهد الدراسات العليا والبحوث هما وحدة التغيرات المناخية والثانية وحدة الاستشعار عن بعد والحد من المخاطر، مستكملاً  أن الأكاديمية العربية للنقل البحري قامت بالتعاون مع هيئة الأرصاد الجوية لإنشاء مركز للتغيرات المناخية.

الري المعتمد

واستطرد الدكتور محمد داوود، أن وزارة الموارد المائية والري قد بدأت في تطبيق نظم الري المعتمدة على تقنيات صديقة للبيئة وتؤدي إلى انبعاثات أقل من الغازات المسببة للاحتباس الحراري مثل استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل الآبار الجوفية أو مضخات رفع المياه والتي تعد وسيلة لتخفيف تأثيرات التغيرات المناخية ، مضيفاً  أنها تساهم في رفع كفاءة استخدام الموارد المائية وتحسين إنتاجية المحاصيل.

 وأكد الخبير المائي أنه في منطقة كفر الدوار بشمال الدلتا، بدأت وزارة الموارد المائية والري بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) العمل على التوسع في هذا الاتجاه باستخدام الطاقة الشمسية في تشغيل مضخّات المياه دون الحاجة إلى شبكة الكهرباء أو إلى ديزل ذات تكلفة مرتفعة وهو ما يقلل من التكاليف على المزارع ويساهم في خفض مشكلة الاحترار، ويأتي ذلك ضمن خطة وضعتها وزارة الموارد المائية والري لتحديث نظم الري في جميع أنحاء مصر بحلول عام 2050 وتهدف هذه الخطة إلى تحسين الظروف البيئية ورفع مستوى المعيشة للمزارعين وتحسين ورفع كفاءة استخدام المياه والإنتاجية الزراعية.

تغير خريطة التنمية

من جانبه، قال الدكتور محمد فهيم أستاذ المناخ بمركز البحوث الزراعية، إن مصر لها وضع خاص فيما يتعلق ب التغيرات المناخية ، فالموقع الجغرافي يؤهلها لأن تكون أكثر المناطق تأثرا بتغير المناخ، فالكل يتحدث عن زيادة درجة الحرارة بمعدل يتراوح من درجة إلى درجة ونصف خلال عشرين عاما، وعليه ينتظر الجميع ذلك، مضيفاً أنه لا يعلم أحد أننا بدأنا بالفعل في التأثر بهذا الارتفاع الآن، حيث سنشهد تقلبات جوية حادة فى توقيتات لم تعهد المنطقة وجودها، على سبيل المثال، نشهد موجة حارة في فبراير وأمطارا في مايو، وهذه التقلبات هي مظهر من مظاهر تغيّر المناخ.

التنمية في مصر

 وأكد أستاذ المناخ بمركز البحوث الزراعية، أن تغير المناخ أصبح المستنزف الأكبر لكل جهود التنمية في مصر على المستوى الفردي أو المؤسسي أو القومي، وأصبحت التغييرات المناخية واقع يفرض نفسه على نمط الحياة وجميع الأنشطة في منطقتنا، مضيفاً أن الأعوام القليلة الماضية شهدت عده ظواهر أثرت بالسلب على دورات نمو و إنتاج الكثير من المحاصيل.

تداخل الفصول

وأكد الدكتور محمد فهيم، أن ظاهره تداخل الفصول والتغيرات الفجائية والحادة في الطقس مثل شده الرياح و معدلات سقوط الأمطار وكمياتها واختلاف درجات الحرارة بين شده البرودة شتاء و شده الحرارة صيفا وعنف الظواهر المناخية وأحوالها ربيعاً، موضحاً أن المعاملات الزراعية وسط هذا المناخ المتغير والعدائي للمملكة النباتية والحيوانية أيضاً يجب أن تتغير و أن يتم وضع برامج وأساليب جديدة وتوقيتات للعمليات الزراعية تناسب الوضع الجديد والمتغير.

وأشار أستاذ المناخ بمركز البحوث الزراعية، أن الاستخدام الجائر للمبيدات حاليا، سببه زيادة معدلات توالد الحشرات عن المعدل الطبيعي عشرات الأضعاف، مما يعتبر إجهاداً كيماوياً مضافاً إلى الإجهاد الحراري، وبالتالي كسر صفات التحمل في جميع أصناف النباتات، سواء خضراوات أو أشجار مثمرة.

زيادة الرطوبة

واستطرد الدكتور محمد فهيم، أن زيادة هطول الأمطار وزيادة الرطوبة الحرة والرطوبة الجوية ساعدت على انتشار كثير من الأمراض الفطرية والبكتيرية، مستكملاً أنه ظهرت آفات جديدة في مناطق لم تكن موجودة بها وتحول قطاع كبير من الآفات والأمراض "الثانوية" إلى آفات وأمراض نباتية "رئيسية".

ولفت الدكتور محمد فهيم إلى أنه يجب أن تتدخل الدولة ممثلة في المراكز والهيئات العلمية والبحثية في شتى المجالات وخصوصا  النباتية وما يصاحبها  من الآفات الزراعية، لإعادة النظر في سلوك السلالات المرضية والحشرية التي تغيرت تماما بفعل التغيرات المناخية الحالية، مؤكداً أن المواد الفعالة المستخدمة في صناعة مبيدات الأمس، لم تعد مؤثرة على آفات اليوم، مما يدفع المزارع إلى الرش بمعدلات تتسبب في كارثة بيئية، سواء على الميكروفلورا الطبيعية، أو صحة الإنسان.

الإنذار المبكر

وأشار أستاذ تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، إلي تفعيل أنظمة الإنذار المبكر والتنبؤ بحدوث الآفات وإعداد برامج مكافحة متكاملة "ذكية" ومراجعة شاملة لتقييم تأثير المواد الفعالة من المبيدات والعلاجات وروافع المناعة على هذه الآفات والأمراض والمراقبة الصارمة على سوق تداول المبيدات من قبل الجهات المعنية، مستكملاً أن الزراعة المصرية  تعتبر ذات حساسية خاصة للتغيرات المناخية، حيث تتواجد في بيئة قاحلة وهشة تعتمد أساساً على مياه نهر النيل وتتأثر ب التغيرات المناخية المتوقعة.

القطاع الزراعي

وفي سياق متصل، قال الدكتور شاكر أبو المعاطى رئيس قسم الأرصاد الجوية في المعمل المركزي للمناخ الزراعي، إن المناخ  هو العامل الأكبر في التأثير على القطاع الزراعي مما له أثر على النبات والتربة وبالفعل حدثت تغيرات كبيره في معدلات الحرارة والرطوبة ومعدلات تساقط الأمطار وحزام تساقطها، مضيفاً أن هذا قد يتداخل مع العاملين في القطاع الزراعي وغيرهم بعض آثار تغير المناخ ومشكلات أخرى تتعلق بالعمليات الزراعية من اختيار صنف ما أو إجراء عملية زراعية في وقت ما تؤثر بالسلب على الإنتاجية.

تأثيرات مناخية

وأضاف أنه يجب أن نفرق بين الآثار المترتبة على التغير في المناخ، والسلوكيات الخاطئة في الزراعة، مشيراً  إلى أن آثار تغير المناخ وأثره على القطاع الزراعي متمثلا في تغير مواعيد الزراعة ويحب الأخذ في الاعتبار أن التغيرات المناخية قد غيرت مواعيد الزراعة المتعارف عليها لدى كثير من المزروعات والأصناف الحالية.

وأكد الدكتور شاكر أبو المعاطي، أن هناك أصنافا أصبحت لا تتماشى مع التغير في المناخ ويجب أن يتم الاتجاه إلى هذا المجال وتكثيف الجهود لإنتاج أصناف وهجن تتحمل الإجهاد البيئي والعمل على رسم خريطة صنفيه جديدة بناء على التغير في المناخ بجانب الأصناف التي أنتجها مركز البحوث الزراعية وأثبتت كفاءتها تحت ظل هذا التغير، مستكملاً أنه يجب الأخذ في الاعتبار أنه مع هذا التغير فإن معدلات الري والتسميد تتغير طبقا للظروف المناخية وكذلك معدلات ظهور الحشرات والأمراض ومعدلات تكرار الإصابه نتيجة توافر الظروف الملائمة.

طرق المواجهة

واستطرد رئيس قسم الأرصاد الجوية، أن هناك سبلا لمواجهة التغير في المناخ تبدأ من السلوك البشرى أولا وهو أن يقتنع أن هناك تغيرات طرأت على الساحة النباتية ويبدأ في اختيار الصنف المناسب وكذلك البحث العلمي واستنباط أصناف جديدة تتحمل الإجهاد البيئي والتغير في المناخ واختيار موعد الزراعة المناسب.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية