فرص تاريخية للتعاون الإستراتيجي بين مصر وأفغانستان

14-4-2019 | 21:38

 

علي هامش المشاركة في أعمال منتدى "العلامة جمال الدين الأفغاني.. رائد الحرية والتجديد"، الذي انعقد الأسبوع الماضي، في العاصمة الأفغانية، كابول، أتيحت لي فرصة ذهبية للاطلاع على جذور وتطور ونمو العلاقات الثنائية المصرية - الأفغانية، وبالذات، في المجالات التعليمية والثقافية، وفي القلب منها دور البعثة الأزهرية في أفغانستان، تحت إشراف السفير النشيط لمصر في كابول، هاني صلاح.

حسب ما استمعت إليه من كبار رجال الدولة الأفغانية، وخبرائها، خلال زيارتين متتاليتين، لمدينتي كابول وهيرات، في أقل من عام، وما جمعت من معلومات ورصدت من حقائق، فهناك العديد من الفرص التاريخية للتعاون الإستراتيجي بين مصر وأفغانستان، بعد أن تخطت العلاقات الرسمية حاجز التسعين عامًا، وهي في طريقها إلى إكمال قرن كامل.

أما العلاقات غير الرسمية، فتعود إلى أكثر من ذلك ليس- فقط - من وقت حضور السيد جمال الدين الأفغاني؛ بل تعود جذور هذه العلاقات قرونًا إلى الوراء.

ويمكن تتبع أثر هذه العلاقات إلى زمن الخلافة الفاطمية، ووجود حكيم ناصر خسرو بلخي، في القرن الخامس الهجري في ذلك البلاط، الذي رسم صورة دقيقة وموثقة عن مصر، في ذلك الوقت، لسكان هذه البلاد، ما يسمى بأفغانستان اليوم، ولكل الناطقين باللغة الفارسية، عن طريق نثره الأدبي الجميل، وناصر خسرو مدفون حاليًا في بدخشان شمالي أفغانستان.

منذ أن بدأت العلاقات الرسمية المعاصرة، بين البلدين، وحتى يومنا، شهد العالم تغيرات جوهرية، لكن العلاقة بين مصر وأفغانستان، وعلى الرغم من كل التقلبات في المنطقة والعالم ظلت علاقة ودية ولم تتأثر بسبب تلك الأحداث.

ما يربط مصر وأفغانستان ليس عاملًا أو عاملين، بل مجموعة من القواسم المشتركة، التي تتغلب على الوقت والأحداث العابرة، وتجعل هذه الصلة مستدامة ودائمة.

مصر وأفغانستان دولتان مسلمتان وعانتا من الحقبة الاستعمارية القديمة، والشعبان المصري والأفغاني من الشعوب الحرة، التي ناصرت دائما الحركات التحررية ولديهما حضارتان قديمتان، تعود تاريخهما إلى آلاف السنين.

ومن الثابت تاريخيًا، احترام ومحبة الشعب الأفغاني لجمال عبدالناصر واحترام ومحبة الشعب المصري للسيد جمال الدين الأفغاني، وكذلك العلاقة الوثيقة والودية بين القادة السياسيين في كلا البلدين مثل الملك محمد ظاهر شاه، وجمال عبدالناصر، والعلاقة الحميمة بين المرحوم محمد موسى شفيق والرئيس الراحل أنور السادات، ودعم مصر الأكيد لجهاد الشعب الأفغاني ضد غزو الجيش الأحمر، وتلقي العلوم الشرعية من قبل النخب الأفغانية، مثل الرئيس الراحل برهان الدين رباني، وغيره من الشخصيات الأفغانية البارزة، في جامعة الأزهر، هي أمثلة من العلاقات المتنوعة بين مصر وأفغانستان.

بعد سقوط إمارة طالبان، في عام 2001، وفي ظل الظروف الجديدة، ومنذ وصول الحكومة الوطنية بقواعد عريضة للحكم في أفغانستان، سعت مصر إلى تطوير علاقاتها الحميمة مع أفغانستان وفتحت سفارتها في كابول لتسهم في تنمية الموارد البشرية الأفغانية.

يظهر ذلك جليًا في التحاق مئات الطلاب الأفغان بمختلف الجامعات المصرية، ومشاركة مئات القضاة والمحامين في الدورات التخصصية، وحضور المئات من أفراد ضباط الشرطة والجيش الأفغاني في برامج بناء القدرات المهنية، كجزءً من هذه العملية.

أبعد من ذلك، فإن ما يجمع مصر وأفغانستان، بشكل أوثق، من أي وقت مضى، هي المصالح المشتركة البعيدة المدى، في ظل رؤية القرن الحادي والعشرين، فكلا البلدين لهما موقف إيجابي تجاه العالم، ويريدان علاقة دائمة وودية مع دول المنطقة والعالم.

كلا البلدين يريدان التغلب على معضلة الإرهاب والتطرف والمساهمة في بناء عالم آمن وأقل توترا، وكلاهما يريدان أن يكون لهما مساهمة كبيرة وفعالة في التحولات العظيمة التي سيشهدها القرن الـ 21.

من بين الدول التي لها ثقلها في المنطقة، تعد مصر، وبشكل طبيعي، واحدة من الدول القليلة، التي بعيدة كل البعد، عن تضارب المصالح مع أفغانستان، وبالتالي، فإن تطوير العلاقات بين مصر وأفغانستان لا يؤدي إلى إثارة قلق أي من الأطراف، بل يوفر الفرصة للتعاون الإستراتيجي طويل الأجل بين البلدين.

يمكن لمصر أن تساهم في تدريب الكوادر العلمية والأمنية في أفغانستان، ويمكن أيضًا أن تلعب دورًا مهمًا في تعزيز المؤسسات الحكومية، ودعم الشعب الأفغاني في تحقيق مطالبه الحقة والمشروعة، في الوصول إلى الحياة السلمية، البعيدة عن الحروب والإرهاب.

يمكن لأفغانستان أن تهيئ لمصر وجودها الإستراتيجي، في منطقة حساسة من العالم، لتحقيق توازن القوى في هذه المنطقة لصالح مصر.

يمكن لأفغانستان أن توفر الفرصة لمصر حتى تصل إلى مراكز الطاقة الطبيعية في آسيا الوسطى، وتوفر فرصة المشاركة في الاقتصاد الآسيوي المتنامي، والانضمام بقوة إلى طريق الحرير الجديد، وأن تنشط في مجال التجارة بين جنوب آسيا وآسيا الوسطى.

في يوم الإثنين الماضي، 8 أبريل، زرت مقر المعهد الأزهري في كابول، الذي يدرس فيه نحو 900 تلميذ من مختلف المحافظات والولايات والأقوام الأفغانية، وتم افتتاحه منذ عشر سنوات، كنت بصحبة قنصل مصر في أفغانستان، وليد الشريف، والنجمة الإعلامية المصرية هبة الأباصيرى، وقدم الشيخ عمر إبراهيم تمام، شرحًا وافيًا لدور البعثة الأزهرية المصرية – برئاسته - في أفغانستان.

يقول الشيخ الدكتور عمر تمام إن البعثة الأزهرية تقدم للشعب الأفغاني الإسلام، لغير الناطقين باللغة العربية، في صورته الصحيحة، التي تدعو إلى التآلف والتآخي والمحبة والرحمة والسماحة والوسطية والاعتدال والمحافظة على النفس البشرية من سفك الدماء والأعمال التخريبية.

من هذا المنطلق، تتنوع مهام البعثة الأزهرية في أفغانستان بين ثلاثة محاور، تربوية تعليمية ودعوية ومجتمعية، تحت إشراف السفارة المصرية بكابول:

-  التربوية والتعليمية: من خلال تدريس المواد والمناهج الأزهرية، بالمعهد الأزهري، الشامخ في قلب كابول، الذي يستقبل جميع المراحل التعليمية، الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعات.

-  الدعوية: حيث ترسل البعثة الأزهرية أعضاءها إلى جميع مساجد العاصمة الأفغانية لإلقاء الدروس والمحاضرات والندوات والأمسيات الدينية من أجل تصحيح المفاهيم الخاطئة، ونشر رسالة الإسلام عامة والأزهر خاصة بين جميع أطياف المجتمع الأفغاني.

وتشارك البعثة في نشر رسالة الأزهر السمحة وشرح الأحكام الشرعية والقضايا الفقهية المعاصرة ومحاربة الأفكار المتطرفة في كل وسائل الإعلام الأفغانية، المرئية والمسموعة والمكتوبة.

-  المهام المجتمعية: وتتوزع بين الزيارات الميدانية للجامعات والمدارس وفي المناسبات الاجتماعية والمؤتمرات.

وإلى مزيد من اللقاءات والحوارات عن العلاقات الثنائية وأحدث التطورات السياسية والأمنية الأفغانية، في مقالي المقبل من كابول، بإذن الله.

kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

مع الصديق في كوبا وقت الضيق

على مدى 60 عاما صمدت كوبا، أمام الحصار الاقتصادي الأمريكي الجائر، الذي بلغت فاتورته المهولة نحو تريليون دولار، فهل يفلح الرئيس ترامب في تركيع هافانا، وإذلال شعبها، فيما فشل فيه أسلافه؟!

أيهما الأفضل.. مصرية أم صينية؟

هنا أتحدث عن الأطعمة المفضل تناولها على مائدة إفطار رمضانية، وكانت محور الحديث، بين دبلوماسي صيني مرموق، مستشار شين جيان، وعدد من الصحفيين المصريين، أقامها القائم بأعمال السفير بالقاهرة، وزير مفوض شياو جون جنغ.

صراع.. في "سلة الزبالة"

جموح الإدارة الأمريكية الفظ في إملاء شروطها على الجانب الصيني فيما يسمى بمفاوضات القرن التجارية، يتشابه - إلى حد كبير- مع الأساليب المتعجرفة، التي تتبعها الإدارة - نفسها - لإملاء وفرض ما يسمى بصفقة القرن في الشرق الأوسط.

أبوظبي تتجاوز قياسات "أفعل التفضيل"

شاءت ظروف زيارتي لكل من أفغانستان والإمارات العربية المتحدة، في النصف الأول من شهر أبريل الماضي، أن أشاهد، بنفسي وعلى الطبيعة، ترجمة فعلية لتصنيف أسعد وأتعس الدول، حسب تقرير السعادة العالمي لعام 2019

هنا "صرح زايد المؤسس"

"وإذا بنجم يلوح فى الأفق من هذه الأرض، نجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع، كان ذلك زايد بن سلطان آل نهيان، وإذا بالرجل وبهمة الرجال، يسرع الخطى ويختصر المسافات ويؤمن الخائف، ويطعم الجائع ويعلم الجاهل، ويكون الأمة، أقول إنه الأمة".

"قمر.. سيدنا النبي".. في أفغانستان

فرزاد حاجي صفدر، تلميذ أفغاني، في الصف الثالث الإعدادي، استمعت إليه وهو ينشد "قمر سيدنا النبي"، بصوت ساحر، وأداء روحاني لا مثيل له، خلال زيارتي للمعهد الأزهري المصري بـ كابول، في أوائل شهر أبريل الماضي.