لا للغلو..لا للتسيب.. نعم للوسطية

18-4-2019 | 20:03

الوسطية في الإسلام

 

محمود الإمامي

بين المتناقضين، التشدد والغلو من ناحية، والتسيب والانحلال من ناحية أخرى، تبقى الوسطية منهج الإسلام وطريقه لتحقيق مراد الله في خلقه، وقد جاءت أمة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم أمة وسطًا فيقول سبحانه في كتابه العزيز: "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا..".

والوسطية تعني الاعتدال والتوسط، فلا تترك الدنيا على حساب الآخرة، ولا يُهتم بالروح دون الجسد، وتوضح الآيات القرآنية المنهج الوسطي فيقول سبحانه: "وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا"، ويقول أيضًا: "وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا".

لقد جاءت شريعة الإسلام خاتمة للشرائع ومهيمنة على ما قبلها من النحل، جاءت من أجل الدنيا والآخرة، كما قال ربنا: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا.."، فالمسلم يعمل من أجل الآخرة، ولا يكون هذا بترك الدنيا، بل بإعمارها ونفع الناس، فتكون السبيل للآخرة. فقال سبحانه: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا".

وقد وضح النبي ذلك جليًا في الحديث الشريف "عندما جاءه ثلاثة فقال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج، أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".

لقد جنح هؤلاء إلى الغلو في الدين ظنًا منهم بأن هذا من التقوى وشدة الإيمان، فهؤلاء لم يفهموا حقيقة الإسلام، ولم يعوا جوهر هذا الدين، فأكد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا ليس من الدين، وأن سنته ترفض هذا الأمر فهو صلى الله عليه وسلم يصوم ويفطر، ويصلي ويرقد، ويتزوج النساء. فالإسلام يربط بين الدنيا والآخرة ويراعي احتياجات الإنسان المادية والروحية.

واقع المسلمين اليوم - بكل أسف - يشهد جنوح البعض إلى التشدد والتطرف والمغالاة في أمور الدين واهمين بأنهم يخدمون دين الله وأنهم يحافظون عليه، والحقيقة أنهم بعيدون عن جوهر الإسلام وهم يشوهون صورته ويضربون بسماحته عرض الحائط. وهؤلاء ومن على شاكلتهم قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون" والتنطع هو التشدد والمغالاة في أمور الدين.

فطريق الغلو يصل بالبعض إلى درجة تكفير المخالفين له، وحمل السلاح عليهم واستحلال دمائهم وأموالهم. وهو لا شك خطرعظيم.

وعلى النقيض من هؤلاء المتنطعين يكون دعاة التسيب والانحلال الذين لا يقفون عند حدود الله ولا يعنيهم أمر الحلال والحرام، تحركهم شهواتهم ورغباتهم وعاداتهم، فلا يلتزمون في ملبسهم وفي مأكلهم ومشربهم وفي علاقاتهم بتعاليم الإسلام. وهؤلاء حادوا عن طريق الوسطية وبعدوا منهج الإسلام فأساءوا إلى أنفسهم وإلى دينهم.

وفي هذا وذاك يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "الإسلام دين وسط، يأمر الأمة بالتزام الصراط المستقيم، ويحذرها من الخطوط المنحرفة يمينًا والمنحرفة يسارًا. والغلو في الدين قد ينتج عن خطأ في الفكر أو عوج في الطبع. وغالبًا ما يزيغ عن الحق وينتهي بالانسلاخ عن الدين الصحيح. فهناك من يبالغ في التعبد فينحرف يمينًا بالابتداع والحماس الكاذب، وهناك من ينحرف يسارًا بالإهمال المنتهي بالجحود والتمرد".

والحقيقة أن وسطية الإسلام ترفض التشدد والغلو، وفي نفس الوقت وبنفس القدر تأبى التسيب والانحلال. فكلاهما يضران ويسيئان للإسلام ولشريعته الغراء.

ويبقى التأكيد على ضرورة مواجهة كلا المتناقضين، وتوضيح بعدهما عن الإسلام، وأن الوسطية هي السبيل والمنهج الذي يجب أن يسير عليه المسلمون.