العمل المشترك ضروري للإدارة المستدامة لمياه منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا

2-4-2019 | 23:21

 

على مدى قرون، وفي كل المجتمعات طوّر المزارعون والمجتمعات الزراعية ممارسات مستدامة للتأقلم مع الهطول غير الكافي أو المتقلب للأمطار والموارد المائية السطحية المحدودة.

كما تم تطوير حلول ذكية جدا للحفاظ على الموارد المائية وتخصيصها بالشكل الملائم.

تعتبر منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا واحدة من أكثر مناطق العالم جفافًا، وتعاني من ندرة المياه منذ آلاف السنين؛ ولكن هنا في هذه المنطقة تم ابتكار أساليب الري لأول مرة، كما تمت زراعة عدد من أهم المحاصيل الأساسية للبشرية لأول مرة، وكانت مصر - على سبيل المثال - ولفترة طويلة سلة خبز العالم التي تنتج القمح ومن أكبر المصدرين للحبوب الأساسية.

إلا أن الأمور تغيرت؛ فالنمو السكاني والتدهور البيئي والتغير المناخي – التي تحدث جميعها في سياق جيوسياسي وديناميكيات اقتصادية معقدة – أصبحت تضع ضغوطًا متزايدة على موارد المياه. وفي الوقت ذاته فإن التحضّر السريع إلى جانب زيادة الدخل وتغيّر أساليب الحياة، تعني جميعها أن الطلب على الطعام والمياه لإنتاج هذا الطعام سيزداد بشكل متواصل.

وبحلول العام 2050 يتوقع أن يتضاعف عدد سكان المنطقة ليصل إلى نحو 668 مليون شخص، من بينهم نحو 400 مليون سيعيشون في مدن متزايدة الاتساع، وتضع هذه المعدلات العالية للنمو السكاني التي تبلغ نحو 2%سنويًا مقارنة مع المعدل العالمي الذي لا يتعدى 1.1%، الضغوط على الأراضي القابلة للزراعة التي أصبحت نادرة، والموارد المائية.

وبدأت تأثيرات التغيّر المناخي مثل ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط التبخر والنتح وزيادة متطلبات المحاصيل المائية، تسهم في تدهور توافر المياه في المنطقة.

وفي الحقيقة فإن توافر المياه العذبة المتجددة لكل شخص تناقص بسرعة خلال العقود الخمسة الماضية، ما وضع ضغوطًا كبيرة على الإنتاج الزراعي وحوّل المنطقة إلى أكبر مستورد للأغذية خاصة القمح وغيره من الحبوب.

وتظهر التوقعات أن تكرار الجفاف يمكن أن يزيد بنسبة تتراوح ما بين 20 و60% بنهاية القرن، مقارنة مع المستويات الحالية.

وفي الحقيقة فإنه لا توجد منطقة أخرى في العالم تتأثر بشكل حاد بالتصحر مثلما تتأثر به منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا؛ وذلك لأسباب من أهمها الأنماط غير المستدامة لاستخدام الأراضي، وانجراف التربة والعواصف الرملية والغبار والتصحر والرعي الجائر والتدهور السريع للمراعي.

وإذا لم يتم اتخاذ أي تحرك، فقد تواجه المنطقة خسائر اقتصادية بالغة بسبب ندرة المياه الناجمة عن التغير المناخي.

ويحدث ذلك كله في سياق تؤثر فيه النزاعات وانعدام الاستقرار بشكل كبير على مجتمعات واقتصادات المنطقة التي ارتفعت فيها معدلات الجوع والفقر مرة أخرى.

ويتركز انعدام الأمن الغذائي ونقص التغذية في أفقر الدول وأكثرها تضررًا من النزاعات؛ حيث يؤثر التقزّم على أكثر من خُمس الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات في المنطقة.

وثمة حاجة ملحة إلى التحرك الآن لمواجهة التحدي الثلاثي المتمثل في الإدارة المستدامة للمياه والتغير المناخي والأمن الغذائي والتغذوي.

ويمكن لمجموعة من الحلول، في حال تطبيقها، أن تحقق إنجازات على هذه الجبهات الثلاث.

والأمر الأول الواجب القيام به هو إنهاء النزاعات حتى يتم تحويل الانتباه والموارد وتركيزها على تحقيق أجندة التنمية المستدامة 2030.

أما الأمر الثاني فهو تحقيق المزيد من التواؤم بين سياسات المنطقة للأمن الغذائي والمياه والزراعة والطاقة والبيئة وجعلها أكثر تكاملا.

أما الأمر الثالث الواجب القيام به فهو بناء الأنظمة الغذائية المنتجة والصامدة التي تولّد الوظائف وتحمي الموارد الطبيعية في الوقت ذاته.

ومن المهم الانتقال من سياسات الاكتفاء الذاتي المكلفة وغير المستدامة، إلى سياسات الاعتماد على الذات بالاستفادة من المزايا التي تنفرد بها المنطقة لتعزيز إنتاج الطعام المغذي مثل الخضراوات والفواكه والسمك والدواجن، كما أنه من المهم خفض هدر وفقد الغذاء؛ فمن غير المقبول أن تخسر منطقة تعاني من ندرة المياه وتعتمد بشكل كبير على الواردات الغذائية، أكثر من 30% من غذائها كل عام.
يجب علينا تطبيق الأدوات الحالية وتوسيعها بشكل كبير لتحسين الاستخدام الفعال للمياه وزيادة وفرة المياه والقيام بالتخطيط الإستراتيجي. وبرغم الثروة البشرية وغيرها من الموارد التي تتمتع بها المنطقة، فإن عليها أن تزيد من استخدام التكنولوجيات المتوفرة في معالجة مياه الصرف الصحي وحصاد المياه وفي الري وفي مراقبة استهلاك المياه.

كما أننا بحاجة إلى سياسات وآليات تكافئ المزارعين الذي يستخدمون المياه بشكل أكثر فعالية واستدامة، ويمكن وضع الحوافز لتسريع التبني السريع للتقنيات والممارسات الزراعية الذكية مناخيًا التي تزيد الإنتاجية الزراعية وتحسّن فعالية المياه وإدارة التربة.

يستعرض مؤتمر "أيام الأراضي والمياه في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا 2019" الذي يعقد في الفترة من 31 مارس، حتى 4 ابريل 2019، التقدم المحرز في معالجة مشكلة ندرة المياه في المنطقة، كما سيعمل على تعزيز تبادل المعرفة والخبرة بين البلدان والشركاء، وتحديد التوجهات والخطوات المستقبلية، مع الأخذ بعين الاعتبار الدروس المستفادة.

ولا يمكن للمنطقة بأن تفعل ذلك لوحدها، فهي تحتاج إلى دعم من الشركاء ومن بينهم نظام الأمم المتحدة، وتقف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة على أهبة الاستعداد لدعم التحول الضروري في سياسات الزراعة والأمن الغذائي.

كاتب المقال:

المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)

الأكثر قراءة