حازم الرفاعي يرصد جهود مقاومة الاستغلال عبر التاريخ في "مسودات لن تكتمل"

28-3-2019 | 16:16

"مسودات لن تكتمل" للدكتور حازم الرفاعي

 

كما تعاني عاصمة الضباب - لندن – حاليا من حيرة واضطراب، وهي واقفة في منتصف الطريق بين الخروج من الاتحاد الأوربي وبين النكوص عن خط البريكسيت، وتجاهل نتائج الاستفتاء التي أقرت الخروج.. بات من الواضح أن لتلك الحيرة جذورًا على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والديني خاصة أنها مثل أوروبا وبقية دول العالم تأثرت كثيرًا بالثورة الفرنسية وتجارة العبيد، والثورة الصناعية وأفكار السان سيمونيين، وكارل ماركس وانجلز.. وهي محاور كتاب جديد صدر منذ أيام عن دار الفنون والأبحاث العلمية للطبيب المصري العالمي والمفكر د. حازم الرفاعي، وهي في جوهرها ترصد جهود مقاومة الاستغلال عبر التاريخ أو كما عبر عنها منشور اشتراكي روسي: نعمل للجميع، نأكل نيابة عنكم، نقهركم، نصلي لكم، ندير أموركم، نحكمكم. ولعل هذا ما دفع المؤلف لكي يختار العنوان غير التقليدي للكتاب "عن الاشتراكية مسودات لن تكتمل". باعتبار أن الصراع ضد ثلاثية الاستغلال والفقر، الاستعمار والحرب، التبعية والتجارة بالدين وبشعارات الحرية لم يتوقف.

كان عام ٢٠١٧ هو الذكرى المائة لما كان يطلق عليه ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، أما عام ٢٠١٨ فهو الذكرى المائتين لميلاد كارل ماركس الفيلسوف الذي ارتبط اسمه بالاشتراكية. كمنهج لتحليل الواقع والتعامل معه ومحاولة للنضال ضد (ثلاثية الرأسمالية: الاستغلال، الحرب، والتجارة بشعارات الدين والحرية). وهي الثلاثية التي لا تزال تعاني منها مجتمعات عديدة داخل وخارج أوروبا.

وتتبع د. حازم تاريخ التجارب الاشتراكية محاولًا تقييمها فذكر: ولا يمكن تصور القرن العشرين دون تصور الاشتراكية، فهي التجربة الاجتماعية التي أخرجت مئات الملايين من دائرة التخلف والتبعية. والأمثلة رغم جنون الدعاية المضادة كثيرة، فهي من أخرجت فقراء معدمين من مستنقع الفقر والمرض والأمية في روسيا ودول شرق أوروبا. فلقد كانت تلك أول تجربة اشتراكية في التاريخ، ولقد تبع التجربة الروسية السوفيتية دول أخرى عملاقة كالصين وغيرها من دول العالم الثاني التي اعتبرت أن السعي المخطط للتنمية هو الاشتراكية بشكل ما.

ويوضح المؤلف: تعايشت تلك التجارب مع الرأسمالية بدرجات مختلفة. ففي التجربة الروسية السوفيتية مثلا تمت تصفية العلاقات الرأسمالية بالكامل داخل حدود الدولة السوفيتية في روسيا، ولكن النمط الاقتصادي في العالم كان هو النظام الرأسمالي، ولذلك فلم يكن هناك مهرب فلقد تعاملت الدولة الاشتراكية الأولى مع النظام الرأسمالي وتعايشت وتنافست معه إلى أن أسقطها خصومها. لقد كانت هناك تجارب اشتراكية أخرى سقطت جميعها إلا ما بدا أنه صمود لتجربة الصين؛ فالصين الموجودة حتى اليوم قامت بتصفية كافة أشكال وآليات الرأسمالية بداية واستخدمت التنمية الذاتية لبناء اقتصاد مخطط ولرفع مستوى معيشة الناس. وحققت في الطريق قفزات عسكرية وسياسية مكنتها لاحقاً سواء كانت مضطرة أو باختيارها إلى فتح الباب مع الرأسمالية العالمية.

ولتاريخ الاشتراكية في بريطانيا دلالة عكسها البرنامج الذي خاض حزب العمال البريطاني عليه الانتخابات بعد الحرب العالمية الثانية فقد كان فاتحة التغيرات الاجتماعية في غرب أوروبا. وكان له صدىً واضح لأفكار الاشتراكية؛ فللمرة الأولي يتبنى حزب سياسي شعار (الملكية العامة) في غرب أوروبا لصناعات كاملة وينتصر. فلقد تحولت صناعات الفحم والنقل والصحة إلى صناعات مملوكة للدولة في أعتى قلاع الرأسمالية ومهدها بريطانيا. وبقيت الولايات المتحدة كقلعة للرأسمالية تجرجر أقدامها وتتمسك باقتصاديات السوق الحرة، فما زالت مظلة الصحة وتأميناتها محدودة مقارنة بغرب أوروبا.

اللافت للانتباه أنه وفقا لتقييم المؤلف فإن "سقوط التجربة السوفيتية لم يكن ولن يكون نهاية الطريق، فلقد أرست التجربة السوفيتية سابقة عظمي في تاريخ الإنسان هي أن العصف بأقدس مقدسات الرأسمالية يمكن تحطيمها وهي الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج".

ومن المحطات التي تعرض لها الكتاب بالتحليل علاقة الثورة الصناعية بتجارة العبيد حيث أوضح د.حازم الرفاعي: كانت تجارة العبيد هي الرافد الأساسي الذي جلب قوة العمل أو طاقته للأراضي الأمريكية، يمهدونها وينشئون المزارع للمحاصيل النقدية كالتبغ والقطن. كان العبيد هم الطاقة المجانية التي أنشأت أمريكا وثروتها، فلقد حملت السفن البريطانية وحدها وطبقا لسجلاتها ما يقارب من ٢،٨ مليون عبد بين إفريقيا وموانى بريطانيا ثم أمريكا. يعتقد البعض أن ٢٠٪ على الأقل من العبيد كانوا يموتون أو يتم إلقاؤهم في البحار. وهناك مدن بريطانية ازدهرت تماماً على تجارة العبيد كبريستول وليفربول، ففي الأولى تم انتقال نصف مليون عبد، أما الأخيرة فلقد كان الرقم يقترب من المليون ونصف المليون.

استقلت أمريكا عن التاج الإنجليزي عام ١٧٧٦. وكانت الثورة الصناعية تزداد تعمقًا لذلك مثلت تجارة العبيد عقبة أمام الصناعة. فلقد أخذت الصناعة تتطور وتحتاج إلى عمال يتحركون للمصانع الجديدة. فالعبيد كانوا هم الطاقة الإنتاجية الكبيرة، مربوطين بملاكهم وبالأرض ولا يستطيعون مغادرتها للتحرك بين المصانع.

الخلاصة هي أن الكتاب يرصد محطات وتجارب أساسية من كفاح الفضائل الإنسانية العليا ضد الاستغلال.

الأكثر قراءة