بعد واقعة معهد القلب.. التعدي على كوادر المستشفيات "عرض مستمر".. أطباء يهددون بالهجرة.. والدولة تخسر الملايين

26-3-2019 | 21:03

واقعة معهد القلب

 

داليا عطية

بات الاعتداء على الطواقم الطبية بالمستشفيات الحكومية ظاهرة متكررة لا يمكن غض الطرف عنها، فبمجرد تلقي الأهالي خبر الوفاة حتى لو كانت حالة قريبهم متأخرة للغاية، يلجأون في الغالب لصب جام غضبهم على البنية البشرية والتحتية للمستشفيات فيضربون ويدمرون معدات طبية تقدر قيمتها بملايين الجنيهات.

ودمرت أسرة مريض تُوفِّي داخل معهد القلب، قبل ساعات، أجهزة طبية داخل المعهد تقدر قيمتها بملايين الجنيهات بعد وفاة قريبهم، أثناء إجراء عملية قسطرة بما يعيد الجدل حول مفهوم الملكية العامة للمواطنين وكيفية حماية الطواقم الطبية، والبحث في مسببات تلك الظاهرة وطرق معالجتها، ومدى ارتباطها بتنامي العنف في المجتمع بوجه عام متجسدًا في تزايد الجرائم القاتل الأسرية.

وتبدو خطورة تلك الاعتداءات في تأثيراتها النفسية على الكواد العاملة كالأطباء الذين يشعرون بحالة من الإحباط واليأس فيقول "م. ن" (37 عامًا) إن العاملين بالمستشفيات تعرضوا مرارًا وتكرارا لوقائع تعدي وضرب وسحل ولم يتحرك أحد لحمايتهم.

ويضيف "ك. ع" (29 عامًا) أنه لا ينكر الأطباء وجود بعض حالات الإهمال والخطأ الطبي ولكن لسنا جميعًا هكذا والطبيب صاحب رسالة سامية ومهمته الوحيدة هي تخفيف الألم عن المريض وإنقاذ حياته وليس قتله."

ويقول  "ح. س" (33 عامًا) إن الأطباء يعملون لأكثر من 48 ساعة متواصلة لأجل المريض وفي المقابل يتعرضون لاعتداءات الأهالي التي تحملهم ذنب الوفاة، وذنب انهيار البنية التحتية ونقص الإمكانيات في بعض المستشفيات.

ويحذر "ط. ز" (39 عامًا) من أن السفر للخارج بات وسيلة للخلاص للأطباء، قائلاً: "خلاص بخلص ورقي ومسافر .. كنت أتمني أخدم بلدي بعلمي بس بيئة العمل محبطه نفسيًا وماديًا وأمنيًا واتمني أوضاع الأطباء تتحسن ساعتها هأرجع فورًا مهما كنت محقق نجاح بره لأني مسافر وفي قلبي غصة ".

 ويقول الدكتور وليد هندي، استشاري الطب النفسي، إن هناك مجموعة من العوامل التي تؤثر في غرس سلوك العنف لدي الإنسان منذ مراحل الطفولة المبكرة مثل ختان الإناث والتمييز والعمالة المبكرة للأطفال والحرمان من التعليم وعنف الوالدين مع عدم وجود مساحة كافية لممارسة النشاط وإشباع الهوايات سواء في المدرسة أو غيرها.

وأشار أيضًا إلى تأثيرات العيش في أماكن ضيقة أو عشوائية وارتفاع نسب التلوث وانخفاض نسبة الذكاء كل هذه العوامل تجعل البناء النفسي للإنسان ووجدانه مهيئًا لممارسة سلوك العنف في أي موقف يثار حوله .

وأضاف أن احتمالية حدوث ذلك العنف تتضاعف إذا ما كان الموقف المثار متعلقًا بخسارة مادية أو بشرية مثل فقدان شخص عزيز فكثير من المواطنين لا يمتلكون الوعي الكافي والإدراك المستنير بأن الطبيب ينحصر دوره في بذل محاولات لتخفيف الألم عن المريض وليس إطالة عمره .

وأوضح إن الشعور بالصدمة والإحساس بفجيعة الوفاة أو بتر أحد الأعضاء بالجسم قد يحدثان نوع من الصدمة النفسية يختلف ردود أفعال البعض إزاءها فهناك من يتجاهلها وهناك من يرفضها ولا يصدقها وهناك من يقابلها بالصمت.

بينما يذهب البعض الآخر إلي ممارسة العنف علي الطبيب المعالج بل علي المستشفي نفسها والأجهزة الطبية والتي لا حول لها ولا قوة ولا تقوم بأي دور سوي علاج المرضي والمصابين وهو ما يعطينا مؤشرًا ودلالة علي عدم الثبات الانفعالي لدي البعض بحيث أنهم لا يملكون تنظيم انفعالاتهم وتوجيهها علي النحو الأمثل والمستنير ..

ويطالب هندي بضرورة غرس الوعي الكافي لأهل المريض والمحيطين به في كيفية التعامل مع مواقف الأزمة والصدمات وما يترتب عليها من تبعات في ظل احتمالية ذهاب البعض إلي ممارسة العنف ضد الأطباء والمستشفي عقب سماع خبر وفاة مريضهم ولكن هؤلاء يعتبرون حالات فردية وليس جميع الأشخاص نظرًا لاختلاف الشخصيات واختلاف استقبال كل منهم للصدمة وتعاملهم معها .

دوافع التعدي

لا يقتصر عنف الأهالي إزاء الأطباء على الجانب النفسي فقط ولكن يتغذي  من بعض حالات الإهمال الطبي التي تحتفظ بها الذاكرة الصحفية والإعلامية بقسم الحوادث والتي راح ضحيتها مرضي علي يد بعض الأطباء قليلي الخبرة ويمارسون المهنة كـ"بيزنس" لجني الأموال وليس لقيمتها ورسالتها السامية، كما لا يمكن تبرئة بعض الأطباء من الإهمال أيضًا.

لكن يعتبر سلوك التعدي علي الأطباء والمستشفي والأجهزة الطبية مهما كانت دوافعه جريمة نظرًا لما يترتب عليها من خسائر لا تقتصر علي العنصر البشري فقط وهو الفريق الطبي المعتدي عليه وإنما تمتد لتشمل خسائر البنية التحتية للمستشفي والأجهزة الطبية التي يصيبها التلف نظير هذا السلوك وهو ما يعطل الخدمة الطبية ويعرض حياة آلاف المواطنين إلي الخطر.

ويتضمن تدمير البنية التحتية مخاطر لحياة أشخاص قد يحتاجون لدخول غرفة العمليات تم تحطيمها علي يد أهالي فقدوا مريضهم ولجأوا إلي تنفيس غضبهم في الأجهزة متجاهلين دور القانون في عقوبة المخطئ والقصاص للمتضرر وغياب الردع يسهم بقوة في تكرار الواقعة ومن ثم استمرار حدوثها حتى تصبح ظاهرة تطارد المجتمع ويعاني آثارها أفراده كافة .

كارثة صحية

ووفقا للأطباء يعد التعدي علي الأطباء والمستشفي والأجهزة الطبية كارثة مادية وبشرية لا تتوقف على خسارة ملايين الجنيهات ولكن في هجرة الأطباء وتحفظهم إزاء العمليات الجراحية الدقيقة التي لها مضاعفات تصل إلي الوفاة خوفًا من اتهامهم بقتل المريض وتعدي الأهل عليهم وهو ما يعرض حياة المصريين للخطر.

 

ويقول الدكتور سامي نصار، أستاذ التربية بجامعة القاهرة، لـ"بوابة الأهرام"، إلى أن التربية لها دور في التنشئة الاجتماعية فالمجتمع يفتقد غرس قيم احترام الملكية العامة وجميع مرافق ومؤسسات الدولة وعدم التعدي عليها وعلي العاملين بها في نفوس الأبناء منذ الصغر وليس احترام المنشآت الطبية فقط، إضافة إلي افتقاد المجتمع لاحترام المواطنين لدور القانون وقيمته في الحفاظ علي الحقوق والانتصار للمتضرر والمظلوم 

ويشير إلي المؤسسات التي من شأنها غرس هذه القيم فيقول إن المنزل يتصدر قائمة هذه المؤسسات وعلي الأسرة أن تقوم بدورها وأن تزرع في نفوس أبنائها بجانب المبادئ والقيم الإنسانية مبادئ حب الوطن واحترامه وتقديره من خلال الحفاظ علي مؤسساته.

بعد المنزل تأتي المدرسة كثاني مؤسسة تتحمل مسئولية التربية للنشأ من خلال تأكيدها علي القيم التي غرستها الأسرة في نفوس الأبناء بل وإضافة قيم أخري تخدم المجتمع من خلال مادة التربية الوطنية وعلي المدرسة ممارسة التطبيق العملي لهذه القيم أمام التلاميذ وتدريبهم علي احترام القانون من خلال تعليمهم احترام القواعد الداخلية للمدرسة والملاعب مثلًا وخلافه من أماكن ممارسة الأنشطة .

ويشير أستاذ التربية بجامعة القاهرة إلي وسائل الإعلام ودورها في التأكيد علي القيم التي يتلقاها الأبناء من الأسرة والمدرسة وذلك من خلال عرض إعلانات داعمة لهذه القيم وموضحة لأهميتها في حماية المجتمع وصيانته من الضرر والتلف وأيضًا وجود برامج خاصة بالتوعية فضلًا عن دور الفن سواء السينما أو الدراما في التأكيد علي هذه القيم من خلال مشاهد حيه يراها ليس الصغار فحسب وإنما أيضًا الكبار فتعزز بداخلهم الولاء والانتماء للوطن ومن هُنا نُرسخ لحبه ومن ثم الحفاظ عليه .

الأطباء تصرخ

ويقول الدكتور إيهاب الطاهر، عضو نقابة الأطباء أنه إذا استمر هذا التعدي ستخسر الدولة البنية التحتية للمستشفيات نتيجة العنف الممارس ضدها وتخسر القوي البشرية المتمثلة في الأطباء وطاقم التمريض نتيجة نفس العنف موضحًا أن غالبية الأطباء لجأوا إلي هجرة العمليات الجراحية الدقيقة التي يحدث بها مضاعفات قد تصل الي الوفاة خوفًا من وفاة المريض أثناء العملية واتهامه بقتله ومن ثم التعدي عليه من قبل الأهل .

ويطالب عضو نقابة الأطباء، من خلال "بوابة الأهرام" بتحرك عاجل تجاه ظاهرة الاعتداء علي الأطباء مناشدًا الدولة بسرعة إقرار مشروع قانون المسئولية الطبية قائلًا :" أرسلنا مشروع القانون إلي لجنة الصحة بالمجلس ووزارة العدل وأعادته إلينا الوزارة متحفظة علي بعض النقاط فقمنا بتعديلها وإلي الآن لم يحدث في الأمر شيء".

وأوضح أن مشروع القانون لا يزال معلقًا ومجهول المصير دون أسباب معلومة، مناشدًا وزارة الصحة بتركيب كاميرات مراقبة في جميع المستشفيات ومنع دخول أكثر من مرافق واحد مع المريض مضيفًا إلي ذلك المطالبة بتفعيل الأمن الداخلي للمستشفيات وتشديد عقوبة الاعتداء علي الأطباء والمنشآت الطبية وطاقم العلاج ومنع تكييف الواقعة علي أنها مشاجرة .

حملة تشويه

ويقول الدكتور خالد سمير، أستاذ جراحة القلب، إن هناك حملة ممنهجة ضد الأطباء تهدف إلي تشويه صورتهم لدي المواطنين ويشارك في هذه الحملة بعض وسائل الإعلام والدراما التي دائمًا ما تصف وفاة المريض داخل غرفة العمليات بسبب خطأ الطبيب وليس بسبب مضاعفات العملية المتعارف عليها والمذكورة في جميع كتب الطب .

وأضاف أنه لا ينكر وجود الخطأ الطبي والإهمال الذي يستحق صاحبه العقاب عليه ولكن بالقانون وليس بـ "الدراع" وإلا أصبحنا في مجتمع يسوده العنف بل ويعلو علي تنفيذ القانون مستنكرًا اعتداء الأهالي علي الأطباء والمستشفي وتبريرهم ذلك بحالة الحزن التي أصابتهم علي فقد مريضهم,

وأكد أن وفاة المريض ليست مبررا علي الاطلاق لتعدي الأهل علي الطبيب حتي ولو كانت الوفاة بسبب خطأ طبي .. هناك قانون يجب اللجوء إليه لمعاقبة المذنب والقصاص لأصحاب الحقوق.

ويشير إلي المريض فيقول إنه على مر السنوات الماضية، وحتي الآن يستمع إلي المسئولين في الصحة وتصريحاتهم بأن المستشفيات لا تعاني أي نقص في الإمكانات وعندما يذهب إلي المستشفي يفاجأ بالحقيقة والواقع القاسي فيعاني عجز غرف العناية المركزة ونقص عدد الأسرة بل يطلب منه طاقم التمريض شراء بعض المستلزمات الطبية اللازمة لإجراء العملية نظرًا لعدم توافرها بسبب قلة الإمكانات المادية بالمستشفي.

وتابع: "المريض وأهله غير مهيئين نفسيًا ولا اقتصاديًا لمواجهة النواقص التي تعانيها المستشفيات فيعتقدون خطأ أن الأطباء هم السبب في ذلك ويحملونهم ذنب انهيار البنية التحتية والنواقص الطبية في المستشفي،  مطالبًا المسئولين في منظومة الصحة بالشفافية في تصريحاتهم للمواطنين واضطلاعهم علي الوضع الحقيقي للخدمة الطبية" .

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة