وتبقى نبوءة الضحك!

25-3-2019 | 18:01

 

صدفة عجيبة جمعت بين «كتاب» وتوك توك، وشخص أصابته تخمة، وامرأة من بلدياتنا حائرة وحزينة، وطفل شارد سُرقت طفولته، وبعد لحظات قليلة أدرك «الكتاب» أنه غريب وسط حلفاء سوء، أو عاقل بين حفنة مجانين، أو سعيد يحوطه زمرة من التعساء.. فرأى أنه ركب صندوقا بثلاثة عجلات، وتم حشره على كرسى فى الخلف بين الرجل السمين والمرأة الريفية، والطفل يجلس على عجلة القيادة ويقول «للكتاب» من يركب التوك توك لا ينظر إلى الوراء، فنظر بجواره إلى المتخم العربى وتذكر إحصائيات عن احتلال سكان الوطن العربى مكان الصدارة فى قوائم الاستهلاك، وأشارت إلى أن متوسط مشترياته من إحدى السلع الترفيهية، وهى مستحضرات التجميل والعطور وصلت إلى 434 دولارًا سنويا.


وفى المقابل مجموع إنتاج الوطن العربي لا يوازى إنتاج دولة واحدة من الاتحاد الأوروبى، ثم أدار الكتاب دفتيه ناحية اليمين ليرى امرأة صامتة زائغة العينين، سيدة من قرى مصر التى يهدر حقها، وتحرم من الميراث بعد وفاة والدها أو زوجها، تحت مسمى العادات والتقاليد المنافية تمامًا للدين والعقل، وما يتفق عليه الرجال - للأسف - بعد الوفاة من تحديد لها مبلغ من المال يمثل حصتها فى الميراث، وغالبًا لا يعادل بأى حال من الأحوال المقدار الصحيح لميراثها؛ سواء كان عقارًا أو أرضًا، وفجأة يصوب نظره تجاه الطفل قائد التوك توك، وقد بدا البؤس يكسوه وملامح وجهه شاخت، وهو مازال ابن عشرة أعوام، وفطن حدس «الكتاب» إلى أن الطفل زج به إلى سوق العمل، وسلبت منه طفولته ومرحه وترك مدرسته، كى يتحمل مسئولية فوق طاقته، مما خلفت بداخله خللا نفسيا.

ويستخلص «الكتاب» من قراءاته لواقع الحالات الثلاث، أن أمة العرب تغط فى الجهل وتفر من المعرفة كفرار الخائف، بيد أنها أمة اقرأ، وبفضلها كانت رائدة الأمم، والآن تُقتل وتأكل وتنام أمام المسلسلات والبرامج الترفيهية، وتسرف فى خدمات المحمول بمئات المليارات، ولا تحاول أن تقرأ، وبالتالى تفرز مجتمعا جاهلا غير قادر على الإنتاج، وينزلق بسرعة إلى الفقر، ويسهل انقياده بسبب غياب الوعى والإدراك، وتنهب ثرواته وتكبل إرادته ويسلب تراثها.

وهذا ما فعلته إسرائيل؛ وقامت بالاستيلاء على "جحا" و"علي بابا والـ 40 حرامي" و"ألف ليلة وليلة" و"علاء الدين ومصباحه" من الموروث الشعبى للأمة، وتقوم بعملية تزييف دون أن تجد من يعترضها، وغيرت إسرائيل اسم "جحا" إلى «هرشيل» اليهودى، وأبدلت باقى أسماء أبطال الحكايات الشعبية إلى أسماء عبرية، فضلا على أنها نسبت قصة "علاء الدين والمصباح السحرى" و"إيزيس وأوزوريس" إلى التراث اليهودى، وحولتها أيضًا إلى أفلام كارتون وأغانٍ للأطفال الإسرائيلية، واستولت على ما يقرب من 40 ألف كتاب مـن مدينة القدس، و30 ألف كتاب من مدينة حيفا.

والفقر وضعف الإنتاج يعتبر الأثر الثانى للجهل، بعد سلب مقدرات المجتمع العربى، ويتبين فى خلق بيئة خصبة للفساد المالى والإدارى، تساعد على تفشى الأنانية وغياب روح التعاون، فتجد المصانع المحلية مؤشر إنتاجيتها فى هبوط عن مثيلتها فى الدول المتقدمة؛ نتيجة عدم الإيمان بفكرة إقامة شراكة تكاملية تلبى جميع احتياجات السوق المحلى وتتحدى المنتج الأجنبى، وبدلا من ممارسة سُبل ملتوية كحرق السلع أو تشويه منتج محلى منافس على حساب منتج محلى آخر، ويترتب على ذلك ضعف عجلة الإنتاج وتصنيع منتج ذي جودة رديئة.

ويتمثل الأثر الثالث على الجهل فى انتشار عمالة الأطفال وارتفاع نسبة أطفال الشوارع، فعندما تنصرف الأطفال إلى العمل وتتخلى عن الدراسة ينقص هذا من رصيد المجتمع والدولة فى القدرات البشرية، ويدفع بآلاف الأطفال إلى الشارع ممن يفتقرون إلى المعرفة ويفتقدون الوعى، وحين يحتاجهم سوق العمل لا يمكنهم مواكبة تقنيات الإنتاج وعدم قدرتهم على الابتكار، فيلفظهم صاحب العمل، وقد يستعين بعمالة أجنبية، إضافة إلى انزلاق هؤلاء نحو العنف والإدمان.

ويبقى بيت شعر المتنبى شاهدًا على حال أمتنا ومتنبئًا بمستقبلها: أغاية الدين أن تحفوا شواربكم .. يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.

Email:khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

رأى حلمه في "هبة"

غالبًا ما تقتصر صفات التواضع والخلق الرفيع والعطاء بلا حدود على العلماء الذين لا يتشدقون بإنجازاتهم فى كل حين، حتى ولو كانت متواضعة، والذين لا تعرف نفوسهم تضخم الذات وحب الأنا، وهذا الداء الأخير لعنة، تخصم رصيدًا ضخمًا من أي عالِم، وتهبط بمنحنى تميزه وقدراته العلمية.

من يحصد فوائدها في "حجره"؟

زعموا أن أمريكا من أرسلت فيروس كورونا إلى الصين, كأحد حروبها البيلوجية التي تستخدمها من وقت لآخر, وتتطابق مع ما ذكرته آنفا عن الحروب الناعمة بين الدول

يحذرنا الجاحظ من عدوى الحمقى

«إبعد عن الغبي وغنيله»؛ لأن الغبي الشر بعينيه، فكم من فريق كرة قدم لحقت به الهزيمة، بسبب غباء أحد لاعبيه، وعدم استعداده في استغلال فرصة الفوز، وحتى هتلر

أثرياء لا يرحمون

غالبًا ما يدفع الفقراء الفاتورة، وكذلك يفعلها الأغنياء، ويذهب ضحيتها الفقراء، وسوف يستمر هذا الوضع ما بقي الميزان في أيدي الأغنياء، والدول الغنية التي أفسدت المناخ، تتحمل آثاره وخسائره الضخمة التي منيت بها الدول الفقيرة، وترصدها دراسة حديثة، اشتركت فيها ثلاث جامعات من بريطانيا وفرنسا وهولندا.

مكملات غذائية للآباء

مكملات غذائية للآباء

الأزهر مفتاح لشخصية الزعيم

أمر غريب أن يكون الزعيم سعد زغلول مؤلفًا للفقه, ولم تصدق أذن لطفي السيد باشا, ما قاله الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق, أن المرحوم سعد زغلول باشا

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]