الموظف المتعاطي قنبلة موقوتة داخل المؤسسات .. نكشف كيف يبيع الوطن نظير الجرعة.. وأستاذة جامعية تبلغ عن ابنها

19-3-2019 | 14:56

صورة تعبيرية

 

داليا عطية

التعديلات التشريعية التي تجري علي قانون الخدمة المدنية لفصل الموظف المتعاطي تعكس مدى اهتمام الدولة بل وإصرارها علي تطهير الجهاز الإداري من هذا الموظف الذي قد يتسبب في الإضرار بمصلحة المؤسسة التي يعمل بها والإضرار بأمن الدولة القومي، وصور الضرر الذي يلحق بكل من المؤسسة والدولة كثيرة ولا حصر لها، ولعل أكثرها ايلاما، هو تحرشه بإحدي الموظفات أو طالبات الخدمة من المواطنين، بسبب تأثره بجرعة المخدر، وارتكاب حوادث الطرق، إن كان هذا الموظف سائقًا، بسبب تناوله الجرعة وإفشاء أسرار الدولة أو تقاضي الرشوة بسبب الحصول على توفير ثمن الجرعة، فضلًا عن الخسائر المادية المتمثلة في انفاق الدولة على إصلاح الآلات التالفة نتيجة الحادث، مثل كارثة محطة مصر، الذي سوف يكلف الدولة بلاشك ملايين الجنيهات، وأيضًا الخسائر في أرواح المواطنين.


وقد أثارت، الإجراءات الرادعة والجادة، التي تجريها الدولة لفصل الموظف المتعاطي، وبثت الفزع بين العاملين بالدولة، ووسط هذا الذعر هناك من يقول: "حرام نقطع عيش الموظف".. وهنا يأتي السؤال.. ماذا عن الموظف الذى يفشى أسرار  الدولة مقابل حصوله على  ثمن جرعة؟ .. وماذا عن المواطنين الذين تضيع أرواحهم ضحية لهذا الموظف المتعاطي، خاصة إن كان يعمل سائقًا؟

ولأهمية هذه القضية، استطلعت "بوابة الأهرام" رأي  خبراء  أمن، حيث كشف هؤلاء، مدى المخاطر التي تنتج عن الموظف المتعاطي داخل الجهاز الإداري، حيث  يمكن  للتنظيمات الإرهابية استغلال هذا الموظف لتحقيق أهداف خبيثة ضد الدولة ومؤسساتها ومواطنيها، كما تحدثت أيضًا مع أساتذة في الطب النفسي، وكشفوا عن تأثير الجرعة علي الموظف والمجتمع، وفي السطور التالية إجاباتهم حول سؤال: .. لماذا بات فصل الموظف المتعاطي، ضروريًا؟

واقع مؤلم على لسان "إم"..
"عايزاك تحبس ابني".. تلقت إدارة مكافحة المخدرات اتصالًا من سيدة تستغيث بالمسئول قائلة: "عايزاك تحبس ابني" وبالحديث معها، تبين أنها أستاذة جامعية ولديها ابن شاب يتعاطى المخدرات، وبعد تناوله الجرعة يتبدل حاله 180 درجة للأسوأ، وهذا طبيعي بالنسبة لجرعة دخلت جسده، وغيّبت عقله عن الوعي، فجعلته غير مباليًا لأفعاله، ولا مدركًا لمدى جسامتها بل وخطورتها.

تضيف السيدة، المتصلة، لإدارة مكافحة المخدرات، أن ابنها استنزفها ماديًا بسبب حاجته الشديدة إلي الحصول على الجرعة، حتى أنها اضطرت إلى بيع سكنها التمليك والجلوس في شقة بالإيجار، ولا تملك سوى راتبها الذي اضطرت إلى وضعه عند جارتها، وكلما احتاجت مبلغًا لشراء بعض مستلزمات الطعام او المنزل، ذهبت إلى جارتها وطلبت منها قائلة: "علشان يجيب الجرعة بيعمل أي حاجه.. أنا بتضرب وبتهان من ابني"..!

من باع أمه يبع وطنه..
يكشف اللواء محمد ثروت وكيل الإدارة العامة لمكافحة المخدرات السابق، عن إصابته بالذهول من هول ما سمعه من السيدة المتصلة والدة الشاب المتعاطي، وما قد يفعله الشخص المتعاطي بأقرب الناس إليه وهي والدته، إذ إن الجرعة اللعينة لا تفرق بين قريب أو بعيد، وبالتالي لن تفرق بين ما إذا كان هذا المتعاطي موظفًا يسيئ إلي الجهاز الإداري الذي يعمل فيه ويسيئ لبلده وسمعتها، ولصورة الموظف في مصر أم لا.

يضيف ثروت، أن الموظف المتعاطي حتمًا سيبيع مؤسسته التي يعمل فيها وبلده التي ينتمي إليها في سبيل الحصول على الجرعة التي أصبحت متحكمة فيه، وأصبح المخ أثيرًا لها فأصبح الموظف ذليلًا لمن يوفر له هذه الجرعة، وهُنا تأتي الخطورة وهي سهولة استغلال أعداء الدولة لهذا الموظف والحصول علي ما يريدونه من معلومات داخل الجهاز الإداري، مقابل توفير الجرعة التي يلهث وراءها، وهو ما يهدد أمن الدولة واستقرارها .


خلية إرهابية نائمة
الجرعة اللعينة تجعل الموظف ذليلًا لمن يوفرها له.. والسؤال هُنا: هل يمكن استغلال الموظف المتعاطي من قِبَل التنظيمات الإرهابية المعادية للدولة ومؤسساتها، وتجنيده لمصالحهم الشخصية وأغراضهم الخبيثة ضد الدولة ؟

يجيب العقيد حاتم صابر خبير مكافحة الإرهاب الدولي، موضحا، أن الموظف المتعاطي يعتبر بلا شك ذراعًا خفية للجماعات والتنظيمات الإرهابية داخل الجهاز الإداري للدولة، وأن إجراء تحليل المخدرات للكشف عن هؤلاء الموظفين المتعاطين، يعد تطهيرًا لهذا الجهاز من أذرع هذه الجماعات التي تعتبر خلايا نائمة يمكن تنشيطها في أي وقت ضد الدولة.

قننبلة موقوتة..
يبرهن حاتم، على إمكانية استغلاله ضد الدولة، موضحا بأن التنظيمات والجماعات الإرهابية دائمًا ما تبحث عن أشخاص تستطيع أن تفرض سيطرتها عليهم ليحصلوا منهم علي الولاء والطاعة، فينفذون لهم كافة أهوائهم ورغباتهم والموظف المتعاطي هو موظف لديه نقطة ضعف، ولا شك أن هذه الجماعات ستتخذ من نقطة الضعف هذه مدخلًا للسيطرة علي هذا الموظف والحصول منه على ما تريده من معلومات وأسرار لمحاربة الدولة بها، والمقابل لذلك توفير الجرعة له قائلًا: "الموظف المتعاطي قنبلة موقوته داخل مؤسسات الدولة يجب التخلص منها فورًا"..

يشير خبير مكافحة الإرهاب الدولي، الي أن القوات المسلحة، تجري تحليلًا للكشف عن المخدرات داخل مؤسساتها، والموظف الذي يثبت تعاطيه يتم حبسه وطرده من الخدمة فورًا، حفاظًا علي سلامة المؤسسة وانضباطها ومن ثم سلامة أفرادها جسديًا وانضباطهم سلوكيًا، وأسوة بذلك يطالب بتطبيق نفس الإجراء علي الموظفين المدنيين داخل الجهاز الإداري للدولة.

المعروف عن المخدرات، أنها تذهب العقل وتجعل المتعاطي غير مدرك لما يفعله وقد يرتكب سلوكًا غير أخلاقي متأثرًا بالجرعة اللعينة.. والسؤال هنا: ماذا لو كان هذا المتعاطي موظفًا ويتعامل مع آلاف المواطنين والمواطنات يوميًا؟

التحرش بالموظفات والمواطنات..

يؤكد الدكتور وليد هندي استشاري الطب النفسي، أن الموظف المتعاطي يتسم بالبلادة الحسية نتيجة تأثره بالجرعة المخدرة، وهو ما يجعله يرتكب أي مخالفة دون الشعور بمدى جسامتها كالتحرش مثلًا؛ سواء لفظيًا أو جسديًا بإحدى الموظفات، أو إحدى المواطنات المترددة علي المؤسسة لقضاء خدمة معينة، مؤكدَا أن تناول المخدرات يجعله دائمًا مختل الحواس مضطرب الإدراك مفتقد البصيرة.

طلب الرشوة

تتطلب الجرعة المخدرة، توفير المال لشرائها، وهذا الموظف المتعاطي يجد صعوبة في توفير الجرعة، نظرًا لراتبه المحدود الذي يتقاضاه، فتقوده الجرعة هنا إلى ارتكاب المخالفات كطلب رشوة مالية أو جرائم الاختلاس من العهدة، كما نقرأ في أخبار الحوادث.

ما علاقة المخدرات بأمن الدولة واستقرارها؟..

يوضح استشاري الطب النفسي، أن الموظف المتعاطي من السهل أن يقوم بإفشاء أسرار العمل نتيجة احتياجة للمال أو للجرعة، إضافة إلي أنه يسهل ضمه إلي جماعات السوء وذات النمط السلوكي غير المرغوب أو الخارجين علي القانون، وهو ما قد يدفعه بسهولة إلى ارتكاب العديد من الجرائم، مؤكدًا أن الموظف المتعاطي هو أكثر عرضة لارتكاب الأخطاء والمخالفات الجسيمة بنسبة أعلي من أقرانه الذين يرتكبونها نتيجة الخطأ البشري المعتاد والوارد حدوثه، وهو ما يجعل الموظف المتعاطي بؤرة جريمة خاملة، قد تنشط بعد حين، وهو ما يهدد أمن الدولة واستقرارها.

زيادة حوادث الطرق..
يضيف استشاري الطب النفسي، أن اختلال الحواس لدي الموظف المتعاطي نتيجة تناول الجرعة يترتب عليه زيادة حوادث الطرق، باعتبار ان هذا الموظف المتعاطي من فئة السائقين، سواء كان يقود شاحنة تحمل بضاعة أو مركبة أو قطارًا يحمل أرواحًا، وهذه الحوادث تكلف الدولة خسائر جسيمة إذ تخسر أولًا المواطنين الذين يروحون ضحايا لموظف متعاط، والذين يعتبرون وقود الدولة؛ من حيث العمل والإنتاج الذي يترتب عليه دعم الاقتصاد القومي..

..وثانيًا هناك خسارة مادية جسيمة علي عاتق الدولة، من حيث تكلفة الإنفاق علي إصلاح الآلات التالفة نتيجة الحادث، فضلًا عن أن السائق المتعاطي مرتكب الحادث يكلف الدولة ماديًا لأنه يلجأ إلي العلاج على نفقة المؤسسة التي يعمل بها، إضافة إلي صرف تأمينات لكونه موظفًا وفقًا لما ينص عليه قانون العمل، وفي النهاية، نجد أنفسنا أمام استنزاف موارد الدولة بسبب هذا الموظف المتعاطي.


قتل مواطنين أبرياء..
لا تقتصر الجرائم التي يرتكبها الموظف المتعاطي علي إفشاء أسرار الدولة، وطلب الرشوة مقابل الحصول على الجرعة، ولا تحرشه سواء اللفظي أو الجسدي بإحدي الموظفات أو طالبات الخدمة، ولا وقوع حوادث الطرق بسبب تأثره بالجرعة التي تُذهب عقله فقط، بل تمتد لتُحدث كوارث أعظم فقد يكون هذا الموظف المتعاطي مسئولًا بأحد البنوك مثلًا، ويتمثل دوره في الموافقة علي دراسات الجدوى المقدمة من أحد رجال الأعمال.

من المحتمل، أن يوقّع هذا المسئول المتعاطي، بالموافقة دون التدقيق في دراسة الجدوى، والسؤال هنا ..ماذا لو كانت هذه الدراسة خاصة بمشروع كوبري مثلًا ؟ بالطبع ستحدث الكارثة عند سقوط هذا الكوبري وتخسر الدولة مواطنيها وأموالها بسبب جرعة مخدرات، جعلت الموظف في غفلة عما يفعل، ويؤكد ذلك استشاري الطب النفسي قائلًا: "الجرعة تؤثر على عملية اتخاذ القرار السليم والقويم لصالح المؤسسة ولصالح منسوبيها من العاملين والهيكل الإداري، وبالتالي لصالح الدولة ".

فرصة قبل الفصل..
لاشك في أن جرائم الموظف المتعاطي في حق نفسه والمواطنين والدولة، وتطهير الجهاز الإداري من هؤلاء الموظفين، يعد مطلبا جماهيريا وليس فرديا، إذ يترتب عليه حماية الأرواح التي تذهب ضحية لجرعة المخدرات وحماية أمن الدولة واستقرارها، ولكن يشدد خبراء علم الاجتماع، على مراعاة البعد الاجتماعي بأن يتم إعطاء هذا الموظف فرصة لعلاجه قبل إنهاء خدمته، وفي حال عودته للتعاطي مرة أخرى، تتخذ المؤسسة إجراءات فصله على الفور.

اقرأ ايضا: