تجديد خطابنا الديني.. وقيمنا الدينية والأخلاقية (1)

15-3-2019 | 14:46

 

جاء ديننا الإسلامي الحنيف بشرائعه وأوامره ونواهيه مثالا أخلاقيا، متكاملا، خاتما به الرب العلي رسالاته ليكمل ويتمم به مكارم الأخلاق، وصدق قرة أعيننا نبينا صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، من هنا تضافرت نصوص كتابنا المقدس، وسنتنا النبوية المطهرة على الأمر بالتخلق بالأخلاق الحسنة، ومنها قوله تعالى: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ"، وخطابه سبحانه لفخر الكون صلى الله عليه وسلم: "وإنك لعلى خلق عظيم".

فكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يمتثل أمر الله تعالى في كل شأنه قولا وعملا، فيأتمر بكل الأخلاق الحسنة، وينتهي عن كل الأخلاق السيئة، مبلغا هذا صحابته وأمته، لذا كان خلقه القرآن، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"، كما أقر لنا نبينا جملة من عظيم أثر حسن الخلق وأتباعها في أحاديثه الشريفة، فقال صلى الله عليه وسلم: "أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقا" وقوله: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا" وقوله: "ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق"، وقوله صلى الله عليه وسلم : "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار"، وغيرها الكثير.

ولما كانت الأخلاق الطيبة الحسنة جزءا لا يتجزأ ولا تنفصل عراها عن ديننا الإسلامى، كانت أيضا الأخلاق الحسنة إحدى مقومات شخصية المسلم الرئيسة، فالمسلم جسد وروح، ظاهر وباطن، وأخلاقه الإسلامية تمثل صورته الباطنة، التي محلها القلب، ولا يقاس المسلم بلونه وجماله، أو فقره وغناه، وإنما بأخلاقه الحسنة مصداقا لقول ربنا سبحانه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"، وقول نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، وما أحوج مجتمعاتنا وبلادنا، الحثيثة الوجوب الآن إلى العودة للتمسك بهذه الأخلاق التي جاء بها الله -عز وجل- لنا عبر رسوله الخاتم، وغرس وزرع هذه المقومات في شخصية جميع المسلمين، كل في موقعه، وبما استرعاه الله له من أمانة سيسأل عنها يوم القيامة.

أقول ما سبق لما تعرضت له من تجربة أخلاقية فعلية، على مدار الأسبوع الماضى بإحدى مدارسنا، أسأل الله أن يردنا جميعا إلى دينه مردا جميلا، رأيت فيها أنه لزاما علينا أن نتكاتف جميعنا، كل في تخصصه وموقعه، أن يكون عامل علاج شاف لكل من أصابه هوى النفس، وانحرف به عن السبيل المستقيم الجاد، آخذين بيده ليعدل له المسار، عائدين به إلى جادة الطريق، وشاطئ النجاة، فجميعنا ليس بمعصوم من الزلل والشطط، ولكن أخوّتنا الدينية تأمرنا أن نكون على قلب رجل واحد في هذا.

كثيرا ما كانت دعوات مؤسساتنا الدينية وعلمائها بمصر سادرة، إلى ضرورة تبنى خطاب إسلامي لأمتنا شامل مجدد، حاذت فيها وزارة الأوقاف ووزيرها فضيلة الدكتور محمد مختار جمعة قصب السبق، فكان العديد من المؤتمرات الدولية المهمة لها التي خرجت برعاية شخصية من الرئيس عبدالفتاح السيسي المناقشة لهذا، عرضت فيها العديد والكثير من الدراسات والبحوث التي تميط اللثام عن كل جوانب تجديد خطابنا الديني، واضعة أطر وأطروحات عظيمة الأهمية، متجددة الفحوى والمضمون، شاملة كل ما من شأنه الدفع بخطابنا الدينى نحو قمة التجديد، وسبل حتمية تطبيقه على كل المستويات بالمجتمعات الإسلامية والعربية، بل إن شئت قل غير الإسلامية، والتي بها مسلمون.

عندما قلت إن أخلاقنا وقيمنا الإسلامية تمثل عمود فسطاط خطابنا الديني في تجديده، وأن منظومة القيم هي جوهر الإنسان من جهة، ومجال التدافع الحضاري الحقيقي من جهة ثانية، وأن الإنسان مؤطر بأربعة أبعاد لا ينفك عنها: البعد البدني، والبعد الأخلاقي، والبعد العقلي، والبعد الديني - كما جاء في إحدى الدراسات - وأن مفهوم القيم الإسلامية، صفات إنسانية إيجابية راقية مضبوطة بضوابط الشريعة الإسلامية تؤدي بالمتعلم إلى السلوكيات الإيجابية في المواقف المختلفة التي يتفاعل فيها مع دينه ومجتمعه وأسرته في ضوء معيار ترتضيه الجماعة لتنشئة أبنائها، حيث تصبح هذه القيم تربوية كلما أدت إلى النمو السوي لسلوك المتعلم.

من هنا كان حريا بنا، وحقيق علينا، أن نتشارك جميعنا - دعاة وأئمة، ووعاظ، ومعلمين تربويين، وإعلاميين، ومفكرين - في حتمية إيجاد تلك الشخصية الإسلامية الإنسانية الإيجابية الراقية المضبوطة بضوابط الشريعة الإسلامية، لتؤدي بصاحبها إلى السلوكيات الإيجابية، ولا مناص من أن نأخذ بيد بعضنا البعض، "فكل ابن أدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، خاصة إذا علمنا أن أهداف الخطاب الديني: دعوة المؤمنين إلى ما يقوي إيمانهم، والاستعانة على ذلك بالطاعات كالصبر والصلاة، ودعوة المؤمنين إلى تكوين المجتمع المسلم، ودعوتهم إلى تهذيب الأخلاق، ودعوة المسلمين جميعا إلى التزام الإسلام "السلم كافة"، مع التحذير من المنافقين ووساوس الشياطين، وتذكير المؤمنين بفضل الله تعالى عليهم الذي ألف بين قلوبهم، ومعيته لهم وبنصر الله تعالى..

مقالات اخري للكاتب

الغرب وداء الإسلاموفوبيا

كانت النية معقودة على استكمال مقالي "تجديد خطابنا الديني.. وقيمنا الدينية والأخلاقية (2)" الذي بدأته الجمعة الماضية، لكن تغير الحال بالحادث الإرهابي الذي وقع يوم الجمعة الماضية في مسجدين بنيوزيلندا، مخلفًا واحدًا وخمسين شهيدًا مسلمًا على يد مرتكب المجزرة الأسترالي المتطرف برينتوت تارانت.

إسقاط الأخلاق.. وتدمير الدين

ما زال حديثي قائمًا حول قضية الإلحاد وتدمير منظومة الدين والأخلاق، التي باتت مصدر تهديد لمجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولعقول الكثير من شبابنا - عافاهم

براثن الفكر الإلحادي

في التاسع والعشرين من ديسمبر عام 2017 كتبت مقالا تحت عنوان "الإلحاد.. وسهام الحقد والبغض المقصود"، ألقيت بحجر كبير به في مستنقع وبركة الإلحاد التي أصابت

"وثيقة الأخوة الإنسانية" (2)

اتساقًا لما سبق في مقالي الأخير حول وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعا عليها وأخرجاها للعالم - نبراسًا أخلاقيًا ودستورًا سلوكيًا يتشارك فيه المسلمون والمسيحيون

"وثيقة الأخوة الإنسانية" (1)

​دائمًا وأبدًا تحمل لقاءات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين، والبابا فرانسيس الثاني بابا الفاتيكان، تجسيدًا

بناء الشخصية والهوية الوطنية (2)

عطفًا على ما كتبته بمقالي السابق حول بناء الشخصية والهوية الوطنية، وتبني وزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية المثمن لهذه القضية في مؤتمرهما "بناء

الأكثر قراءة