السيسي.. وشحذ أسـنة محاريث الفساد!

16-3-2019 | 14:15

 

مع تقدم التكنولوجيا واستحداث الأجهزة في المجالات الطبية؛ للكشف الفوري عن مكامن اختباء الأورام الخبيثة والأمراض المتوطنة ومعرفة مسارات خريطة شبكات الشرايين العنكبوتية في الجسد وما اعتراها من وهن ينذر بخروج المريض من الحياة الدنيا، بالإضافة إلى نجاح الأجهزة العلمية في الوصول إلى تشخيص المرض بحرفية وتقنية عالية، يجد "بعض" الأطباء أن المكاشفة ومصارحة المريض بمرضه العضال يمثل أكثر من 60% من العلاج والتماثل للشفاء، وعلى أساس القناعة بهذه المصارحة ـ وبأن ما حدث قد حدث ـ لابد أن يمتثل المصاب بحتمية الخضوع لما يراه الأطباء الثقات لطرق المعالجة الناجعة؛ للوصول بروحه وجسده إلى بر السلامة، وقد يجزع المريض من تلك المواجهة أول الأمر ويحمل بعض العُتب الممزوج بالرضا للطبيب في داخله، ولكن ليس عليه إلا الاستسلام طواعية لمبضع الجراح الأمين .


وأعتقد أن بعض الساسة من الوطنيين الشرفاء، الذين يضعون مصالح أوطانهم وشعوبهم نصب أعينهم، يعتنقون مبدأ المصارحة والمكاشفة بكل الأمراض السياسية والاقتصادية والمجتمعية الموروثة من عقود فائتة، والتي تفاقمت واستشرت في جسد الوطن عبر سنوات عجاف؛ بفعل أعمال التجريف الممنهج لكل الجذور الممتدة في أعماق التربة التي تحمل في طياتها وعروقها جينات الأصالة والخير للتنمية المستدامة، ويجد هؤلاء الساسة أن الإصلاح يبدأ بضرورة المواجهة بشحذ "أسنَّة محاريث الفساد" الذي تغلغل في أعماق تربة المجتمع للقضاء على محترفيه وسدنته، ومن ثم القضاء على الديدان التي أكلت الأخضر واليابس من قوت الشعب .

هكذا جاءت تلك المصارحة والمكاشفة في لقاء الرئيس السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة "يوم الشهيد"؛ فلم يلجأ في كلماته إلى التورية أو إخفاء الحقائق "تحت المنضدة" كما فعل بعض الحكّام والقادة في الماضي القريب، وبخاصة ونحن في وقت المواجهات الشرسة من أعداء الداخل والخارج؛ فيقول كلمته المدهشة : "أنا لا أخشى عليكم من الخارج أبدًا.. أنا أخشى عليكم من الداخل .. أخشى علينا من أنفسنا... " !؛ و" ... إذا كان هناك من دفع حياته ثمنًا لأجل هذا الوطن؛ فأقل ما يجب علينا فعله هو الحفاظ على هذا الوطن؛ فهناك من فقد حياته أثناء أداء واجبه في الجيش أو الشرطة وحتى الكنائس والمساجد..." .

إنها مواجهة القائد الغيور على المكتسبات التي تحققت في مسيرة الإنجازات للمشروعات العملاقة على أرض الواقع، والحض لأبناء الوطن الشرفاء على استنهاض الهمم؛ لاستكمال البنية التحتية المهترئة بفعل الإهمال والتسيُّب من العناصر التي لا يعينها المصلحة العامة، وحرصه على مطالبة المجتمع ببذل المزيد من الجهد والإيثار ونبذ التقاعس والكسل؛ والقيام بعملية التطهير الذاتي من كل الشوائب التي علقت بمجرى أنهار الأحداث في مجالات الحياة كافة، هذه الشوائب التي تعيق سريان الحياة بشكلٍ طبيعي وتفسد كل التطلعات في صنع مستقبل مبهر لأولادنا وأحفادنا، وكأن الرئيس يتيمَّن حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي يقول فيه: "(إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)، أو كما جاء في الكتاب المقدس بالإصحاح العاشر من "سفر الأمثال" 4/5 : " اَلْعَامِلُ بِيَدٍ رَخْوَةٍ يَفْتَقِرُ، أَمَّا يَدُ الْمُجْتَهِدِينَ فَتُغْنِي * مَنْ يَجْمَعُ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ ابْنٌ عَاقِلٌ، وَمَنْ يَنَامُ فِي الْحَصَادِ فَهُوَ ابْنٌ مُخْزٍ" !

ولم تكن تلك المصارحة والمكاشفة رسالة موجهة إلى المجتمع المصري وحده، بقدر ماهي رسالة موجهة إلى شعوب العالم الحر،وخطًا أحمر لأعداء الداخل من الجماعات المارقة التي لا تضمر سوى الشر لمسيرتنا الفاعلة؛ ليكونوا على يقينٍ بأننا نعرف مواطن القوة والضعف في داخلنا سياسيًا واقتصاديًا ومجتمعيًا، ونعرف أيضًا سبُل العلاج الناجع لأمراضنا المجتمعية التي لا يخلو منها أي مجتمعٍ من المجتمعات البشرية على وجه الأرض، ونؤمن إيمانًا عميقًا بأنه "ماحكَّ جلدك مثل ظفرك "، فكم من شدائدٍ مرَّت من هُنا كمرور مياه النهر من تحت الجسور؛ وخرج منها الشعب المصري ـ بيد أبنائه ـ منتصرًا لمبادئه وقيَمه المتأصلة في جيناته الوراثية منذ فجر التاريخ .

إننا في عصر السموات المفتوحة؛ التي تتيح الانتشار للمعلومات والثقافة المعرفية، والاطلاع على ثقافة الشعوب وأسرارها، لا نستطيع أن نخبئ رءوسنا في رمال التغييب والتعمية عن الأمراض العضال؛ أو اللجوء إلى الحقن بالمسكِّنات الوقتية الوهمية، فالجراح الماهرـ وبخاصة في عالم السياسة ـ قد يلجأ إلى استخدام المبضع لبتر ما تقيح من جروح في بعض أنسجة الوطن؛ لينقذ الجسد من الآلام التي تنغص عليه حياته؛ وتنتهي بالدول إلى الاندثار والخروج من ذاكرة التاريخ .

في نهاية المقال :
هذه هي رسالة الوعي لاستيلاد الهمم السامية التي أراد القائد الفذ، الذي أوليناه ثقتنا وجهودنا وعزائمنا لنصرته للارتقاء إلى آفاق المجد، والتي يريد إيصالها لجموع الشرفاء أصحاب الولاء والانتماء للوطن؛ لنستكمل المسيرة يدًا بيد وكتفًا بكتف، يدٌ تحمل السلاح ضد أعداء الداخل والخارج؛ ويدٌ تبني في الداخل
صروح المجد والعزة والكرامة والحرية للإنسان على أرض هذا الوطن وترابه المقدس .

مقالات اخري للكاتب

كيف نعالج فوضانا بلا صمت؟!

حين راودتني فكرة هذا المقال بطرح هذا السؤال طريقا لحل أتمناه لإصلاح ذات البين لما أفسدته فوضانا المجتمعية وتغير سلوكياتنا رأسا على عقب، وكلنا يستشعر هذا

لا وقت للحزن..على خط النار

"في الحرب لا وقت للحزن عند العسكريين، يرى الجندي زميله يتساقط فلا يملك حق البكاء عليه، ليس أمامه سوى أن يحمل سلاحه ويواصل القتال، في الحرب لا وقت أمام القائد للتوقف ثانية واحدة عن التفكير.. أما عن الأحزان فهي مؤجلة؛ لهذا لا يكون النصر سعادة خالصة، بل سعادة مشوبة بالحزن على الشهداء".

رئاسة الوزراء.. شكرا.. عرفنا لماذا نكتب!

غالبًا مايثور تساؤل في أذهان كثير من المبدعين في مجال الأدب والشعر: لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟

الـتوك توك.. مسجل خطر!

​يبدو أن الأمثال الشعبية المصرية المنطلقة من واقع أتون التجارب العملية، تحاول أن تثبت صدقها وصحتها معي، فالمثل القائل: "لا يشعر بالنار إلا كابشها" قد نجح

أوكسجين الثقافة

بالتأكيد.. كلنا يذكر مشهد المحكمة في مسرحية "شاهد ما شافش حاجة" بطولة الفنان عادل إمام؛ والحوار المُضحك المُبكي الدائر بينه وبين "برعي" حاجب المحكمة ـ

تضييق فجوات التاريخ.. ضرورة

" اللي مالوش قديم .. مالوش جديد! هذه العبارة ابتكرها الوجدان الشعبي المصري من خلال التجارب التي خاضها عبر أحقاب زمنية مضت؛ وزرعها في مفاهيم سلسلة الأجيال