إسقاط الأخلاق.. وتدمير الدين

7-3-2019 | 21:28

 

ما زال حديثي قائمًا حول قضية الإلحاد وتدمير منظومة الدين والأخلاق، التي باتت مصدر تهديد لمجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولعقول الكثير من شبابنا - عافاهم الله - إذ لم يعد يجدي لتدمير أي بلد الحروب الميدانية، ذات المعدات والحرب الثقيلة، من بنادق وصواريخ، وغيرها، فلقد تغيرت خارطة اللعبة، وأضحت هناك عقول ساهرة ليل نهار، تخطط وتدبر لكيفية إسقاط الدول والمجتمعات دون جهد إطلاق رصاصة واحدة، بل وبأيدي شباب تلك المجتمعات يكون السقوط والانحدار بمجتمعاتهم إلى الهاوية.

لم أكن أسمع عن "يوري بيزمينوف"، العميل الروسي المنشق، الذي ولد بالاتحاد السوفييتي سنة 1939، والذي نجح في الإجابة على سؤال مهم كان يشغل بال وعقول قادة جيوش أوروبا في الحرب العالمية الثانية، مفاده: كيف تدمر دولة دون طلقة واحدة؟ وذلك عبر عمله بالمخابرات الروسية، ثم هروبه من عمله بالهند لاجئًا إلى كندا ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مغيرًا اسمه لتوماس شومان معلنًا نفسه الأب الروحي للتوعية من مخاطر سياسة التخريب الأيديولوجي التي يقوم بها الاتحاد السوفييتي، فألف كتابًا سماه "رسالة حب إلى أمريكا" سنة 1984، كان بمثابة المرجعية الروحية لجهاز (السي آي إيه)، فتم استخدامه على مدار سنوات في الصراع السوفييتي ـ الأمريكي، مما أسفر في النهاية عن سقوط الاتحاد السوفييتي في 25 ديسمبر 1991، وبعدها بسنتين مات "يوري بيزمينوف".

ما يعنيني من "يوري بيزمينوف" العميل السري السوفييتي المنشق، توضيحه لمخاطر سياسة التخريب الأيديولوجي التي يقوم بها أعداء الأمم للإيقاع بها وبشبابها، إذ يذكر أن زمن الحروب العسكرية لإخضاع الدول، قد انتهى كأولوية، فالانتصار الآن يتم تحقيقه من خلال أربع مراحل لتمزيق أي بلدٍ، تبدأ بأهم مرحلة، وهي: "إسقاط الأخلاق"، وهي مرحلة تحتاج من 15 إلى 20 سنة، لتدمير منظومة الأخلاق والقيم لدى المجتمع المستهدَف، متسائلاً لماذا هذه المدة الزمنية تحديدًا؟، مجيبًا لأنها المدة الكافية لتنشئة وتعليم جيل واحد من الصغار على «القيم» البديلة، والأخلاقيات المبتذلة، التي يراد ترسيخها في المجتمع، وتفصيل الرؤية والعقيدة والشخصية المطلوبة، التي من شأنها نسف المجتمع ومحو هويّته بمرور الأيام.

لكن كيف يتم هذا الهدف؟، يجيب من خلال "تدمير الدين"، بالسخرية منه ومن رجاله، وتهويل المآخذ عليه، وتلميع من يهاجمونه، ووصفهم بالمفكرين، واستبداله بالعقائد الباطنية المنحرفة، التي يتم تسويقها على أنها أكثر إلهامًا للناس، مهما كانت ساذجة أو بدائية أو متناقضة، وتمجيد أصحابها، وإبرازهم كرموز للرأي الحر، والفكر المختلف، بالإضافة إلى استبدال المؤسسات الدينية المحترمة، بمنظمات وهمية تسهم في صرف انتباه الناس عن الإيمان الحقيقي، وجذبهم لأنواع العقائد الدخيلة.

وللأسف ظهرت بوادر إسقاط الأخلاق بمجتمعاتنا العربية والإسلامية، ونظرة واحدة للكثير من أطفال المدارس وشباب الجامعات -إلا من رحم ربي- في شوارعنا ومدارسنا ومواصلاتنا كافية لتأكيد ذلك، هذا جنبًا إلى تدمير الدين بخروج المتنطعين والشواذ فكريًا وعقائديًا على الفضائيات ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة يهاجمون الدين وعلماءه بحجج واهية ما أنزل الله بها من سلطان، والكل ينادى ويدعى بالمفكر الإسلامي، تخريبًا لعقول شبابنا ومجتمعنا، لكني أؤمن يقينًا أن الله عز وجل حافظ لبلادنا، فكم من تيارات فكرية مختلة، وأناس مضطربي العقل، خاضوا في الدين وعلمائه، وكانت عناية الله قائمة وحارسة بفضل أزهرنا الشريف وعلمائه على مر العصور والأزمنة، وكم من علماء أزهريين وغيرهم ينافحون ويذودون عن ديننا وهويتنا وعقول شبابنا درءًا للمفسدة الأخلاقية والعقائدية.

استشهادًا لما سبق، أذكر دراسة قيمة أعدها أحد أساتذة العقيدة  يذكر فيها العديد من المدارس الإلحادية ذات الفكر المتنوع، التي تستلهم من الإلحاد مادتها، منها "العلمانية" التي تعنى بناء المجتمع على أسس مادية لا علاقة للدين بها، و"الوجودية" التي نادى بها "سارتر" وتدعو إلى حرية الفرد وقدرته على أن يفعل ما يريد، و"الوضعية" التي نادى بها "أوغست كونت" التي تنكر أي معرفة تتجاوز التجربة الحسية، و"شيوعية كارل ماركس" التي تقرر أن لا إله وأن الحياة مادة، و"الداروينية"، وأخيرًا مدرسة "عبدة الشيطان"، التي تنكر وجود الرب وترفض الأديان، وليس لها هدف في الحياة إلا التمرد واللذة الشاذة.

صفوة قولي الذي أختم به، قال "يوري بيزمينوف" علاجًا لهذه الحرب المستحدثة: "إن أقوى علاج لهذا السيناريو، يبدأ بإيقاف أخطر خطوة، وهي الأولى "إفساد الأخلاق"، وذلك لا يتم بطرد العملاء الأجانب، أو إضاعة الجهد والوقت والمال للبحث عمّن يحرك خيوط اللعبة، ولكن أنجح وأنجع حل لإفشال الخطوة الأولى، هو"إعادة المجتمع للدين"، لأن الدين هو ما يحكم علاقات المجتمع، ويجعله يتناغم بطريقة سلسة، ويحفظ تماسكه، حتى في أكثر الأيام سوادًا!"، وصدق فاروق الأمة عمر بن الخطاب حين قال مؤمنًا: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله"، وقد عرف الصحابة الكرام ومن بعدهم من سلفنا الصالح، هذه الحقيقة، فتمسكوا بالإسلام عزًا به، واتبعوا أوامر ونواهي الله عز وجل والنبي "صلى الله عليه وسلم"، واجتهدوا في طاعتهما، وحذروا معصيتهما، فكانت العزة والتمكين لهم دون سواهم.

تويتر: @tantawipress

مقالات اخري للكاتب

الإسلام.. وعظمته مع الآخر

لا تفتأ الكثير من الأبواق الإعلامية الخارجية، والعلمانية، المعادية لديننا بأبواقها المختلفة مقروءة ومرئية، تعرض اتهامًا زورًا وبهتانًا لإسلامنا بالعنصرية

حب الغير

من الرسائل والبوستات الدعوية عظيمة الشأن والأثر المنتشرة بوسائل التواصل الاجتماعى القول: عندما تمر جنازة، ادعُ لصاحبها بالرحمة والمغفرة، وحينما ترى عاملًا أرهقه التعب في الشارع قل: اللهم خفف عنه وارحمه، وعندما ترى سيارة عريس مرت في الشارع أو أمام باب بيتك، قل: "اللهم بارك لهما واجمع بينهما في خير"..

رمضان.. ونفحات الرب الكريم

يقول الله تعالى في الآية 183 من سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ

مشعل النور الإسلامي العقلي

كثيرة هي الشبهات التي يثيرها العلمانيون والليبراليون في مجتمعاتنا الإسلامية، ظلما وزورا وبهتانا، لا لشيء إلا ليصرفوا الناس عن عقيدتهم الصحيحة، وليشككوهم فيها، وليعلوا من شأن فكر ومعتقد فاسد، وبضاعة معطوبة، متعصب ذميم بعيد كل البعد عن المصداقية، والواقع الفعلي والعملي لديننا الإسلامي الحنيف.

إماطة الأذى من عقولنا وسلوكياتنا

أرسل الله تعالى نبيه، "صلى الله عليه وسلم"، بخاتم الرسالات، ليتمم به مجمع الهداية والأخلاق القويمة، والسلوكيات المنضبطة وفق شرائع إيمانية تسمو بالفرد ومجتمعه

إنقاذ الغارمات

من جميل ما قرأت هذا الأسبوع، وقدرتها، شكرا وعرفانا للقائمين عليها، ما جاء بجريدة الأهرام، تحت عنوان، مشروع قانون "العقوبة البديلة" إنقاذ للغارمات.. 30

الأكثر قراءة