الفتاة التي خدعت أمريكا 11 سنة!

6-3-2019 | 20:50

 

إنها قصة فتاة عمرها 19 سنة خدعت أمريكا والمجتمع العلمي لمدة ١١ سنة وكونت ثروة بالمليارات؟!


بدايتها تعود لعام 2003، حين سقطت إليزابيث هولمز في جامعة ستانفورد، وكان عمرها 19 عامًا، ويبدو أنها كانت تخشى الوخز بالإبر، فادعت اختراعها تقنية بديلة لوخز الإصبع، وأنه عن طريق قطرة دم واحدة يمكن تحليل عدة أمراض.

بادرت بنشر فكرتها في الإنترنت، وجمعت تبرعات في مواقع التواصل الاجتماعي بحملة أسمتها "الخوف من الإبر" وجمعت 3 ملايين دولار، وأقنعت الناس بأنها تعمل على هذه التقنية!

في عام 2004 كونت شركتها الخاصة، أسمتها "ثيرانوس"، ووظفت فيها خبيرًا في المعامل الطبية، وصاحب ذلك إطلاقها حملات أخرى في مواقع التواصل وجمعت 6 ملايين دولار.

والغريب أنها جمعت تبرعات لشركة لم يكن لها وجود واقعي، ولا حتى موقع حقيقي أو افتراضي، واستغلت جزئية في القانون الأمريكي تحت مسمى " الشركة الشبح " وهو مصطلح للشركات التي تقوم بأبحاث سرية وتتذرع بأن الكشف عن أسرارها قد يؤدي لسرقة الاختراعات!!

لم يتوقف أمر شركتها الوهمية عند هذا الحد، بل بلغ خداعها درجة أقنعت أحد كبار رجال الأعمال الأمريكيين وهو جورج شولتز بالفكرة، بل أقنعت هولمز كبار المستثمرين من رجال أعمال وسياسيين للاستثمار في شركتها، ومنهم السياسي الداهية هنري كيسنجر، ومردوخ إمبراطور الإعلام الأمريكي، ما جعل الشركة محط اهتمام المستثمرين، حتى بلغت القيمة الفعلية للشركة الشبح إلى المليارات!!.

في عام 2014 أصبحت هذه الشابة حديث الإعلام، وتصدرت صورتها غلاف مجلة فوربز، باعتبارها أصغر مليارديرة عصامية في العالم، واحتلت المرتبة 110 بين أغنياء العالم، بقيمة شركتها الفعلية التي بلغت 9 مليارات دولار!.

وهكذا، أخذت الشركة في التمدد والتوسع، رغم أنها "شبح" لا وجود فعليًا لها، لدرجة أنها سجلت على اسمها مئات الاختراعات والاكتشافات، بل ودخلت في شراكة مع كبريات المستشفيات الأمريكية مثل كليفلاند كلينك.

لكن، تأتي رياح الصحافة الاستقصائية، بما لا تشتهيه هذه الشركات والوهمية، كانت البداية في حوار عابر بين صحفي في صحيفة "وول ستريت"، وبين أحد أصدقائه من الأطباء حين سأله عنه تقنية هذه الشركة التي تدعيها في تحليل الدم من قطرة واحدة، فكان رد الطبيب أنه لا أساس علميًا لهذا الادعاء.

حينها قرر البحث في الموضوع، وفي منتصف أكتوبر 2015 نشر أول تحقيق، دق فيه أول مسمار في نعش هذه الشركة، حيث أثبت أن الكثير من الفحوصات التي تقوم بها الشركة تستخدم فيها أجهزة فحص الدم التقليدية وتسوقها كنتائج لتقنية الإصبع.

ولأن هولمز كانت قوية حتى هذا التوقيت، ظهرت تدافع عن نفسها في عدة لقاءات "إعلامية"، كانت متحدثة بارعة، كما وصفتها التقارير الصحفية التي تناولت القضية بعد ذلك، وكثيرًا ما كانت تكرر عبارات أنه يتم محاربتها؛ لأنها تعمل لشيء مختلف، وكثفت من حضورها مناسبات مع كبار رجال السياسة والإعلام ورجال الأعمال، لكنها لم تستطع أن تقنع روبرت مردوخ مالك صحيفة "وول ستريت" وشريكها في نفس الوقت منع استمرار حملة الصحيفة ضدها..

واصل الصحفي تحقيقاته، وكشف أن صحة الفحوصات التي تقوم بها ثورانوز لاتتجاوز 2% فقط، وأن تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية "FDA "، الذي حصل عليه من مصدر سري أثبت أن أجهزة "ثيرانوس"، غير ذات جدوى، بل كشف ما هو أخطر وهو أنه طوال ١١ سنة على ادعاء هولمز لتقنية فحص الدم بالأصبع، لم يتم الاستعانة بعالم أو خبير في التحاليل الطبية للحديث عن الموضوع، في حين استنتج هو هذا التحايل بعد حديث لمدة ١٠ دقائق مع صديق له خبير في هذا المجال!!.

كان هذا التحقيق بمثابة المطرقة التي نبهت الحكومة الأمريكية إلى الخداع الذي تمارسه الشركة، فتم تحذير الشركة بعدم كفاءة أجهزتها، ومن ثم وقفها عن العمل في منتصف 2016، واصل الصحفي - ويدعى جورج كرور تحقيقاته - حول القضية، وطرح كتاب "باد بلود" كشف فيه الكثير من الأسرار، و قصص بعض المرضى الذين تم خداعهم بأكثر من مليون فحص دم.

وفي بداية عام 2017 تم رفع أول قضية تحايل لهولمز وشركائها وطالبت بتعويضات بالملايين، وفي يونيو 2018 حُكم عليها هي وشريكها الأول بالتحايل، وبدأت الأوراق تتساقط عن شركتها، وتم إغلاقها نهائيًا في نهاية 2018، ومازالت القضية متداولة في المحاكم حتى اليوم، ولكن أفلست هولمز وشركتها، ويُتوقع أن يصدر ضدها حكم بالحبس لا يقل عن 20 عامًا!!

وهكذا، نجد أن التحايل العلمي الذي مارسته هولمز أشد خطرًا ووبالًا من التحايل المالي، وتتعاظم خطورته حين يشكل ضررًا على صحة الناس، ومن حُسن حظ دول العالم الثالث أن يتم وأد مثل هذه "الفكرة الشبح" في موطنها قبل أن يتم تسويقها بأسماء وهمية في بلداننا، تحت مزاعم لا أساس لها من الصحة..

مقالات اخري للكاتب

السيد "روبوت" العاطفي!

أصبحنا نُفضفض "أون لاين" ونحكي مشاكلنا "أون لاين" ونبحث عمن "يطبطب" علينا "أون لاين"، مع إن أقرب الناس إلينا في الغرفة المجاورة هم الأولى بذلك، ولولا وسائل

ويسألونك عن القيلولة!

من يعود بالذاكرة إلى مظاهر حياة المصريين قبل عقود مضت، سيجد أن من بين العادات الصحية التي سلبتها دوامة الحياة هي "نوم القيلولة"، فقد كان مشهدا يوميا مألوفا رأيناه في الآباء والأجداد..

ملابس المستقبل .. ذكية!

"ملابسنا تحددنا" مقولة مهمة للأديب عباس العقاد، بمعنى أنها تكشف عنا وتوضح هويتنا، ويؤثر عن أحد الفلاسفة قوله " الملابس تؤثر على مشاعرنا وأمزجتنا"..

مسافر زاده الخيال!

كل إنسان فى داخل عمره، عمر "تانى"، تتراجع معه سنوات عمره للوراء فى لحظات السعادة، وقد يتجاوز سنوات عمره الحقيقى حين تُعجزه مطالب الحياة، أو تصدمه ردة فعل من كان ينتظر منهم فقط حفظ الجميل، وليس رده ..

أول روبوت "صحفي"!

هل تتذكرون "صوفيا"، ذلك الروبوت الذكي الذي يفكر ويتكلم ويجري حوارات مفتوحة.. في إحدى حواراتها سألها مذيع سؤالا، ربما رآه البعض ساذجًا "هل تريدين تدمير البشر؟"، لكن ردها جاء مُفحما.. "نعم .. أريد تدمير البشر!!".

نهاية عصر الهواتف الذكية!

لو عدنا بالذاكرة لـ 30 عاما مضت، سنجد أن التليفزيون والفيديو وكاميرا التصوير التقليدية أو الديجتال والكاسيت والتليفون الأرضي، كانت وسائل التواصل مع العالم الخارجي في البيوت، وفي فترة زمنية قصيرة جدا جمعها الهاتف الذكي في جهاز واحد بحجم كف اليد، وبكفاءة تفوقها مجتمعة.

شريحة تغير دماغك!

قبل أن ينتهي العام الحالي بكل سوءاته، ووسط ركام الدماء والدمار والاستقطابات والتجاذبات، التي صارت مرادفًا لكلمة "نشرة الأخبار"، يأتي الإعلان عن شريحة Neuralink،

مدرسة العلاج بالدموع!

قديما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو "إن البكاء ينظف العقل"، كما كتب شكسبير "أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان"..لكن فى الشرق نشأنا على حرمة البكاء وبأنه من "شيم النساء"، وهو ما يجافي تماما ما ذهب إليه موروثنا من الشعر والتراث العربى، بل وما ورد ذكره فى مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم.

العالم قبل وبعد 30 عاما!

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت هناك شركة عربية ملء السمع والبصر في مجال الكمبيوتر، هي "صخر"، فأين هي الآن؟ رغم أنها كانت صاحبة الفضل في إدخال الكمبيوتر للمنازل العربية، ووصفت بأنها "مايكروسوفت العرب"، لكن لم يشفع لها التواجد على الساحة لأكثر من 20 عاما على البقاء لأنها لم تتطور، فاختفت.

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

[x]