"قمة هانوي" والفرص الضائعة

6-3-2019 | 13:41

 

لاشك أن القمة الأمريكية - الكورية الشمالية والتي عقدت مؤخرًا في عاصمة فيتنام الجميلة "هانوي" تستحق أن نطلق عليها قمة الفرص الضائعة نتيجة تصرفات الرئيس الأمريكي ترامب غير المبررة، وعدم التزامه بما توصلت إليه المفاوضات الشاقة التي سبقت انعقاد القمة بين الجانبين من قبل كبار المسئولين وعدد من الوزراء؛ سواء في واشنطن، أو بيونج يانج وهو ما جعل الأجواء التي سبقت القمة تشير وبشكل كبير إلى خروج نتائج ايجابية عن قمة الرئيسين ترامب والكوري الشمالي كيم جونج أون.


فقد سبق انعقاد القمة الكثير من الإشارات الإيجابية من قبل أمريكا وكوريا الشمالية على حد سواء؛ حيث شملت المفاوضات التمهيدية الاتفاق على عدد من النقاط المهمة في مقدمتها إنهاء حالة الحرب بين واشنطن وبيونج يانج؛ بمعنى تحويل اتفاقية الهدنة الموقعة بين البلدين منذ 27 يوليو 1953، والتي وقعها الزعيم التاريخي الراحل لكوريا الشمالية كيم إيل سونج جد الرئيس الحالي وأيضًا فتح مكاتب اتصال بين البلدين والتدمير الكامل للمجمع النووي الكوري الكبير بحضور الخبراء الأمريكيين، على أن يقابل ذلك البدء في رفع العقوبات الاقتصادية المتعلقة باحتياجات الشعب الكوري وليس العقوبات العسكرية، وهو ما يعني السير في خطوات متزامنة من قبل الجانبين.

وفى أعقاب وصول الزعيم كيم إلى فيتنام بالقطار قادمًا من الصين - وبرغم الإجراءات الأمنية الضخمة لتأمين خط سيره الطويل والتكلفة المالية الباهظة التي تكبدتها هانوي لاستضافة القمة - ساد شعور متفائل خاصة بعد محادثات اليوم الأول؛ ولكن في اليوم التالي للمفاوضات تغير الموقف الأمريكي تمامًا، ورفض ترامب استكمال المفاوضات معلنًا إلغاء استكمالها؛ بل وفشلها بسبب طلبات الزعيم كيم المبالغ فيها؛ برفع جميع العقوبات المفروضة على بلاده.

وبرغم إدراك ترامب نفسه أن ما قاله بشأن طلبات كوريا الشمالية غير صحيح، وأن حقيقة الأمر والتغيير الذي حدث إنما يعود إلى جلسة الاستماع التي عقدها الكونجرس الأمريكي للمحامي الخاص السابق لترامب فجر اليوم الثاني للمفاوضات، والذي وجه العديد من الاتهامات لترامب، وبالتالي ووفقًا لنصائح مستشاريه وجد ترامب نفسه في موقف لا يحسد عليه، وأصبح بين فكي جلسة الاستماع وانتقادات المحافظين لخطواته مع بيونج يانج، وبالتالي فإنه سوف يدخل في حروب داخلية جديدة سوف تؤثر على شعبيته في الشارع الأمريكي، وبالتالي فضل التضحية بفرص نجاح المفاوضات حفاظًا على شعبيته.

والمؤكد أن المفاوضات الأمريكية – الكورية الشمالية لن تتوقف، وإنما سوف تستمر من جديد على مستوى الخبراء والوزراء تمهيدًا لعقد قمة ثالثة بين ترامب وكيم ربما تكون في الخريف المقبل؛ خاصة أن هذا العام يعد عامًا استثنائيًا لدبلوماسية بيونانج يانج في العالم؛ حيث من المتوقع أن يقوم الزعيم كيم جونج أون بزيارة لروسيا للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأيضًا زيارة لكوريا الجنوبية ردًا على زيارة الرئيس الكوري الجنوبي مون جيه لبيونج يانج، ثم تستقبل كوريا الشمالية الرئيس الصيني شي جين بينغ في زيارة دولة مهمة، ربما تتم في سبتمبر المقبل، خاصة أن الزعيم كيم أون زار الصين أربع مرات خلال عام واحد فقط؛ مما يؤكد دفء وقوة العلاقات بين بكين وبيونج يانج.

وأعتقد أن الزعيم كيم جونج أون سوف يسعى خلال المرحلة المقبلة لتأكيد توجهات الدبلوماسية الكورية الشمالية تجاه العالم خاصة ما يتعلق بالملف النووي وجديته في إنهاء هذا الملف، وأيضا كشف النقاب عن المحاولات الأمريكية المستمرة لعزل بيونج يانج عن العالم، والتفاوض معها دون وجود ظهير لدعم وتعزيز موقفها؛ خاصة من قبل الصين وروسيا؛ بل وسعى أون لرفع العقوبات المفروضة بشكل ثنائي من قبل عدد من الدول المتحالفة مع واشنطن؛ بعيدًا عن العقوبات الدولية، وفي مقدمتها عقوبات كوريا الجنوبية واليابان والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا.

ويقينًا فإن الدبلوماسية الكورية الشمالية نجحت بشكل كبير في تحقيق إنجازات غير مسبوقة فيمل يتعلق بالانفتاح على العالم، والرغبة في إنهاء الأزمة النووية بما يحقق مصالحها ومصالح الأطراف الأخرى، ولكن يبدو أن الدبلوماسية الأمريكية تصر على المضي قدمًا في سياسة ممارسة الضغوط؛ لتحقيق أكبر مكاسب دون النظر لخسائر الآخرين، وهي دبلوماسية عمياء لا ترى سوى مصالحها فقط.

telsonoty@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

التدريب والتأهيل لمواجهة التطرف في الصين

الإرهاب والتطرف وجهان لعملة واحدة، فالوجه الأول وهو الإرهاب يشير إلى التدمير والقتل والخراب بكل أنواعه وأساليبه، أما الوجه الآخر وهو التطرف

"باتشاي" شهر الصوم في الصين

على الرغم من وجود ثوابت وقواسم مشتركة بين المسلمين في جميع دول العالم بشأن مفردات وأسس الصيام والتي أقرها القرآن الكريم والسنة النبوية، فإن هناك عادات

أنفاق الخير لكل المصريين

تلقيت على مدار اليومين الماضيين اتصالات عديدة من الدبلوماسيين المعتمدين بالقاهرة للتهنئة بشهر رمضان المبارك، وأيضًا التهنئة بافتتاح المشاريع القومية في سيناء؛ خاصة الأنفاق؛ حيث أطلق بعضهم عليها "أنفاق الخير للمصريين".

"شينجيانج" ملتقى الحزام والطريق

لا شك أن هذا الزحم السياسي والإعلامي الكبير الذي تحظى به الاجتماعات الخاصة بمبادرة "الحزام والطريق"؛ سواء على المستوى الوزاري أو على مستوى القمة ينطلق

قمة الملفات الصعبة بين السيسي وترامب

بالفعل يمكننا وبكل ثقة أن نطلق على القمة المصرية – الأمريكية التى تعقد اليوم فى واشنطن بين الرئيسين عبدالفتاح السيسي ودونالد ترامب لقب "قمة الملفات الصعبة"؛ سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الدولي أو الأقليمي، خاصة أن مصر باتت رقما مهما فى المعادلة الدولية

قمة تونس وحفظ ماء الوجه العربي

أعتقد أن القمة العربية الثلاثين، والتي تنطلق فعالياتها غدًا في تونس، سوف تكون أمام موقف صعب للغاية؛ في ظل التحديات العربية التي تفرض نفسها على الساحة

الأكثر قراءة