العقم القيادي.. وغياب كوادر الصف الثاني!

7-3-2019 | 21:29

 

عندما كانت (الحماة) في البيت المصري ــ الريفي على وجه الخصوص ــ تستبد بزوجات أبنائها بالتحريض عليهن من أزواجهن وعدم تلبية رغباتهن في الحصول على ما يرغبن فيه من حُلي أو مناديل مزركشة؛ لاعتقاد "الحماة" أن التلبية لتلك المطالب سوف يسلبها جزءًا لا يستهان به من السيطرة والتحكم في القيادة داخل البيت، كنَّ يلجأنّ إلى الرد العملي على هذا التحريض بـالتعمد إلى "حرق الخبيز" والتقاعس عن جمع "الوقيد" اللازم لتشغيل الأفران؛ أو اللجوء إلى زيادة أو نقص كمية الملح في الطعام، والاتكاء على أية حجة من الحجج لإحراجها أمام أبنائها، وعليه تزداد حدة الخلافات بين الزوج وأمه؛ وربما تنتهي بالانفصال المؤقت أو الأبدي، وتبدأ سلسلة انهيارات متوالية في أركان جدران العائلة!

كانت تلك هي السلوكيات الفطرية لإعلان حالة التمرد من "الفلاحة الأميَّة" التي لم تقرأ ـ ولن تقرأ ـ ما كتبه علماء الاجتماع والتنمية البشرية عن هذه الظاهرة؛ وأطلقوا عليها اسم "القيادة الأوتوقراطية " أي "القيادة الاستبدادية"، التي تؤدي غالبًا إلى انهيار أية منظومة اجتماعية بداية من محيط الأسرة الصغير في أقصى نجع في الصعيد إلى مكتب الوزير في كبد العاصمة!

وبالطبع لا يخفى علينا أن القيادة الأوتوقراطيّة (الاستبداديّة أو التحكمية)؛ شكل من أشكال الإدارة وتكون فيه سلطة اتخاذ القرار بصورة "مركزية" بيد شخص واحد يجيء إلى مكانه بالتعيين وليس بالانتخاب، أو بالأقدمية بحسب التدرج التاريخي في السلم الوظيفي، وتجد هذه النماذج - على وجه الخصوص - في المصالح الحكومية والشركات والمصانع؛ وهذه القيادة لا تسمح بتبادل الآراء، وتعتمد على إصدار التعليمات والأوامر الموجّهة إلى المرؤوسين؛ دون الاستماع إلى آرائهم في كيفية إدارة ما قد يواجهونه من أزمات، وبهذا تقوم بمحاصرة الفكر والعمل على تهميش عملية التشاور؛ فينشأ المرؤوسون على الطاعة والتنفيذ دون العمل على الإبداع والابتكار.

وهُنا.. تموت طموحات وآمال الجادين على عتبات التسلط والانفراد بالرأي؛ وتفتح الباب على مصراعيه لحملة المباخر ـ وهم كُثُر للأسف ـ من المنافقين والمتسلقين أمام موكب القائد أو المدير، وأصحاب مقولة إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، و.."كله تمام يا سعادة الباشا"!

وإحقاقًا للحق.. فإن هناك من يقول بأن "القيادة الأوتوقراطية " تُمنح لقائد مركزي ولكنه غير دكتاتوري، أي أنه يستخدم المركزية في السلطة عن طريق الإقناع والحوار والتمتع بالشخصية القوية دون إكراه، ولكنها نادرة في شخوص دول العالم الثالث الذي لم يتخلص كليَّة من موروثات النظم الاستعمارية التي كبلته زمنًا طويلاً، ولكنها تفيد في بعض الحالات التي تستوجب اتخاذ قرارات فورية دون التشاور مع مجموعة كبيرة من الأشخاص؛ ويتم منح تلك السلطة للقادة الكبار فيما يسمَّى عند أهل القانون بـ "تشريعات الضرورة"؛ وبخاصة في أوقات الحروب والكوارث الطبيعية القدرية الطارئة.

ولعلي من خلال استعراضي لمواصفات البعض من المديرين الذين يستخدمون طريقة القيادة التسلطية التي يتبعونها؛ أقول ربما يأتي هذا السلوك من وقع دبيب خطوات الخوف في أذهانهم على مناصبهم، فيعملون على طمس مواهب بعض مرؤوسيهم ظنًا منهم أنهم يحاولون استعراض مواهبهم للقفز على "مقعد المدير"؛ وهم لا يدركون أن حكمة وفلسفة "التغيير" هي الشيء "الثابت" في دورة الحياة على الأرض، ولكني أجد أن هذه الطريقة تؤدي إلى العُقم القيادي واضمحلال وغياب دور الصف الثاني من الكوادر البديلة، وهو الأمر الذي ينبئ بحدوث شلل تام عند إدارة الأزمات داخل المؤسسات القومية والأهلية على حدٍ سواء؛ وعلينا ألا نتغافل عن المردود النفسي السلبي لأصحاب المواهب من الصف الثاني، فقد تسيطر عليهم النفس الأمارة بالسوء، فيقومون ببعض التصرفات غير المحمودة ــ إداريًا أو فنيًا ــ التي تعيق سير العمل وإفشاله، نكاية في المدير المتسلط الذي لا يمنحهم فرصة الاستماع إلى آرائهم ومقترحاتهم للمشاركة في صنع واتخاذ القرار، ويقومون بتطبيق السلوكيات نفسها التي قمن بتطبيقها "زوجات الأبناء" تجاه إحراج "حمواتهنّ" داخل البيت المصري، وتأتي نتيجة أفعال الشر المرجوّة، فتطير "الحماة" في أعماق الريف ويطير"الوزير" في كبد العاصمة!

وشر البليَّة ما يُضحك

إنه لزامًا على القوى الناعمة المصرية ـ ونحن جزء لا يتجزأ منها ـ أن نقوم بالتنبيه المستمر على الاهتمام بالعنصر البشري الإداري والفني؛ والعمل الفوري على إعداد "الصف الثاني" ـ الغائب ـ من الكوادر التي تمتلك القدرات اللازمة والمناسبة للمكان الذي سوف يشغلونه، ولن يتم تحقيق هذا الطموح إلا بفتح مراكز التدريب الإدارية والفنية والهندسية والتكنولوجية، وإمداد لجان إدارة الأزمات بكل المعلومات اللازمة لضمان أعلى نسبة من النجاح في مهامها داخل المصالح والمؤسسات والشركات، وبطبيعة الحال سيكون الصف الثاني هو من أهم عناصر "القيادة" في المستقبل، لأن دوام الحال.. من المحال! ولو دامت لغيرك.. ما وصلت إليك!

مقالات اخري للكاتب

كيف نعالج فوضانا بلا صمت؟!

حين راودتني فكرة هذا المقال بطرح هذا السؤال طريقا لحل أتمناه لإصلاح ذات البين لما أفسدته فوضانا المجتمعية وتغير سلوكياتنا رأسا على عقب، وكلنا يستشعر هذا

لا وقت للحزن..على خط النار

"في الحرب لا وقت للحزن عند العسكريين، يرى الجندي زميله يتساقط فلا يملك حق البكاء عليه، ليس أمامه سوى أن يحمل سلاحه ويواصل القتال، في الحرب لا وقت أمام القائد للتوقف ثانية واحدة عن التفكير.. أما عن الأحزان فهي مؤجلة؛ لهذا لا يكون النصر سعادة خالصة، بل سعادة مشوبة بالحزن على الشهداء".

رئاسة الوزراء.. شكرا.. عرفنا لماذا نكتب!

غالبًا مايثور تساؤل في أذهان كثير من المبدعين في مجال الأدب والشعر: لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟

الـتوك توك.. مسجل خطر!

​يبدو أن الأمثال الشعبية المصرية المنطلقة من واقع أتون التجارب العملية، تحاول أن تثبت صدقها وصحتها معي، فالمثل القائل: "لا يشعر بالنار إلا كابشها" قد نجح

أوكسجين الثقافة

بالتأكيد.. كلنا يذكر مشهد المحكمة في مسرحية "شاهد ما شافش حاجة" بطولة الفنان عادل إمام؛ والحوار المُضحك المُبكي الدائر بينه وبين "برعي" حاجب المحكمة ـ

تضييق فجوات التاريخ.. ضرورة

" اللي مالوش قديم .. مالوش جديد! هذه العبارة ابتكرها الوجدان الشعبي المصري من خلال التجارب التي خاضها عبر أحقاب زمنية مضت؛ وزرعها في مفاهيم سلسلة الأجيال