الناس وحادث القطار.. مقارنة غير ظالمة

2-3-2019 | 22:50

 

من الطبيعي أن تتطاير الاتهامات يمينًا ويسارًا على وقع مأساوية حادث القطار في محطة باب الحديد في القاهرة..

فيقدم وزير النقل استقالته، برغم إشادة كثيرين به، لكنه رجل شجاع، هو رأس مؤسسات النقل العامة في مصر، وهو بالتالي يحمل نفسه المسئولية، فيما أتمنى من مجلس النواب، أن يستدعيه بكل احترام؛ ليناقشه في كيفية وقوع الحادث، واقتراحاته لتلافي تكراره في المستقبل؛ لأنه سيكون أفضل من يقدم خارطة طريق لإصلاح هيئة السكك الحديدية في مصر، والتي لن تنهض من عثرتها من دون تكاتف أجهزة الدولة، والاستماع إلى الذين تولوا المسئولية في الفترات الأخيرة.

ومن المؤكد أن جلسات الاستماع حول الحادث الأخير ضرورة مجتمعية، وسياسية، وإنسانية، حتى لو كنا استمعنا من قبل حول حوادث سابقة، فتجديد النقاش مهم وحيوي، علنا نستفيد من التكرار، وننتوي لمرة أخيرة أن ننفذ ما نصل إليه من أفكار.

لقد جاءت تغطية الحادث أكثر كفاءة من المتسببين فيه، حيث نقلتنا التكنولوجيا الحديثة التي في إيدي الأفراد إلى قلب الحادث لنتفاعل معه، ونصدم من بشاعته، ونشارك في التعليق "الجماعي" عليه، بينما المتسببون في الحادث، وهم كل "نظام" هيئة السكك الحديدية في مصر، ظهروا في الأفلام المصورة، في أسوأ مظاهر التخلف، جرار يحتك بجرار قادم من يساره ولا يراه، كما فسر نقابيون من الهيئة الأمر لفضائية مصرية عقب الحادث، فينزل السائق ليعاتب زميله، أو يسبه، فيتشاجران، ويكون الغضب والثأر من الزميل، من القوة والشيطنة، بحيث ينسى إحكام فرملة الجرار، الذي يأس بدوره منهما فينطلق معلنًا عن كارثة.

(هل يمكن فصل ذلك عن احتكار التوك توك للشوارع والحارات في المحروسة).. الموبايلات والكمبيوترات في أيدي الناس أكثر تقدمًا، كما أنهم أكثر كفاءة في استخدامها، مما في يد الهيئة الضخمة العريقة، فليس من المفترض في القرن الحادي والعشرين أن يتزاحم جراران على خط واحد في مكان ضيق صغير قريبًا من المحطة الرئيسية، لأن التوجيه هنا، يجب أن يكون إلكترونيًا، وأضعف الإيمان عن طريق موبايلات شخصية للسائقين، أو أنوار مثل إشارات المرور، لكن لم يفكر أحد في هذه الوسائل؛ لأن الأمر لا يعني أحدًا، فالاستهتار بالتعليمات والأوامر بات آفة حكومية مصرية نراها في كل مكان، فالحكومة إلكترونية كما تدعي، ولكن يبدو أنها ترفع اللافتة من دون تطبيقات فعلية، ويجب على الحكومة أن تعترف بذلك، وهي أمام أمرين إما أن تتوقف عن الادعاء بأنها "إلكترونية" وتعود للإشارات اليدوية، وإلى الأوراق والدمغات والدفاتر وأقلام الكوبيا القديمة، وتتقن العمل بها، أو تكون "إليكترونية" فعليًا.

إن جزع الناس كان أسرع من وسائل الحكومة في الحادث المرعب، فقد قام البعض بالإنقاذ "اليدوي" للضحايا، واستخدم جردل المياه، بينما لم نر في أي صور انطلاق خراطيم مياه ووسائل إطفاء بشكل تلقائي.. أيضًا الناس عبرت عن التعاطف السخي، ليس فقط في تصوير ونقل الضحايا والمصابين، إنما في التدفق على الهلال الأحمر المصري للتبرع بالدم، وأتمنى لو صدر بيان من الهلال بأعداد المتبرعين، ومعلومات عن التبرع بصفة عامة، لنعرف أن الحادث جلب تبرعات غير مسبوقة.

الحزن العميق لن يجدي، إنما التفكير في طرق لدعم السكك الحديدية، حتى ولو وصل الأمر إلى تصميم "مشروع" تبرع شعبي، بالإضافة إلى زيادة حصة الهيئة من الميزانية هذا العام والأعوام القادمة، لكن أيضا ينبغي إسناد رئاسة الهيئة لرجل طموح صاحب أفكار حتى ولو من خارج الهيئة، إذ ينبغي استثمار محطات السكة الحديد في كل المدن المصرية، وتحويلها إلى متاجر كبيرة، وخصوصًا محطة باب الحديد الرائعة في تصميمها الداخلي والخارجي، وساحتها العمومية الفارغة، وكذلك استثمار حرم السكة الحديد (الأرض المحيطة بالخطوط الحديدية) في طول البلاد وعرضها، وبيع الكهنة المتراكمة في كل مكان، فعائد الاستثمار يمكن أن يغذي ميزانية الهيئة بعائد قد لا يكون كافيًا لكنه يساعد في الكلفة العالية للتشغيل.

إن التركيز لن يمنع الحادث بشكل مطلق، ولكنه على الأقل سيجعله في الحدود المقبولة عالميًا، ويخفض من حجم المآسي، على الأقل البشرية، ولذلك من المهم التركيز في عوامل السلامة، فالسلامة أولاً، ثم تأتي بعد ذلك العناصر الأخرى، أو على الأقل مصاحبة لكل تطوير آخر.

كل حادث يستدعي التنهدات ويمضي إلى أن نصل لحادث جديد، وقبل عام بالتمام والكمال كان حادث المناشي الذي سبق فيه قطار بضاعة قطارًا للركاب، عند كوم حمادة، وأسفر عن وفاة سبعة أشخاص، وجرح العشرات، وتم توجيه اتهامات لأربعة من العمال بالإهمال الجسيم، وكتبت في مثل هذا اليوم مقالًا بعنوان: "صداع السكة الحديد.. ما بين حادث جديد وحادث قادم"، وتابعت محاكمة "المهملين" التي تأجلت مرات، ولم يصدر فيها حكم حتى الآن، يكاد يصلح نفس المقال حول حادث محطة مصر، ولكن لا ينبغي أن يحصل نفس التناول، وننسى الكارثة، وننتظر حادثًا جديدًا لا قدر الله.

مرة ننتفض ونؤسس لعمل مخطط ومركز، وزرع الإحساس بالمسئولية فيمن يتناولون الوظائف في السكك الحديدة، وفي غيرها من مصالح حكومية، وإعطاء كل الحرية للمسئول للعمل والابتكار ورفع كفاءة العاملين، بالتدريب المستمر، مع رقابة على مدار الساعة.

مقالات اخري للكاتب

قمة مكة المكرمة فرصة للحوار

السعودية دعت لعقد قمتين طارئتين في مكة المكرمة يوم الخميس المقبل، في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك.. خليجية أولًا، ثم عربية قبل انطلاق القمة الإسلامية العادية..

حلمي شعراوي (1-2)

لا يستطيع أحد إغفال الرابط بين التاريخ الشخصي للكاتب حلمي شعراوي، وبدء الاهتمام المصري الواسع بالقارة الإفريقية.

كرداسة 2019

أسعدني جدًا سفلتة شارع اللبيني بالمريوطية والمؤدي إلى حدود مركز ومدينة كرداسة، من طريق نظيف في اتجاهين، تحت إضاءة جيدة إلى مسجد الشاعر.. هو نفسه الطريق القديم الرديء الذي كان مستباحًا لكسر المباني والحجارة والقمامة والظلام.

إعادة إنتاج طريق الحرير

طريق الحرير أخذ اسمه من أهم تجارة مرت عليه عبر القرون، وهي الحرير الذي كانت الصين تحتفظ بأسراره, لأسباب تجارية، وكان الإعدام مصير من يفشي بالسر.

عاش هنا

يثير مشروع "عاش هنا" الذي يسجل حياة كثيرين من الرواد في حياتنا في مصر، على مداخل منازل عاشوا فيها سنوات، وخرجوا ودخلوا عبر أبوابها يوميًا ولسنوات طويلة، شامخين مستبشرين، اختاروا أن يتركوا بصمات على وجه الوطن. يثير مثل هذا المشروع الكثير من الأفكار المهمة ويؤدي مجموعة من الوظائف الحيوية.

رعاية المبادرات

ذهبنا بالأمس كأسرة إلى مقر حملة "100 مليون صحة" في أحد نوادي 6 أكتوبر، بينما كانت الحملة أول الأمس أمام المسجد القريب بعد صلاة الجمعة..

الأكثر قراءة