الشامتون.. وفاجعة القطار

1-3-2019 | 14:53

 

روي عن النبي "صلى الله عليه وسلم" أنه: مرَّت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا»؟ هذا لا يعني أنه وقف تعظيمًا لها، ولا أنه قام لها تحية واحترامًا؛ وإنما وقف تعظيمًا للملائكة الذين معها.

فليكن لنا في هذا الموقف العظيم عظة وعبرة، تقف في وجه الشامتين فيما يصيب الوطن من ملمات يسقط على أثرها جرحى أو قتلى أبرياء يخطفهم الموت من دنياهم، في مشهد مأساوي كارثي يحرك الصنم فلا أقسى على النفس من رؤية نفس ترحل حتى لو لم يكن هناك سابق معرفة بصاحبها؛ فما مررنا به مؤخرًا كان جد قاسيًا في فاجعة القطار واشتعال النيران في أجساد الضحايا وهم أحياء حتي تفحموا، وصعب التعرف على هويتهم! وبغض النظر عن كونها حادثة مدبرة أم لا - انتظارًا لنتيجة التحقيقات - فما تابعناه من هذا الفصيل الكريه وأذنابه من شتائم وبذاءات تجاه الوطن والشعب والحكومة ومن يؤيدها فاق الحد؛ فهم لا يتركوا فرصة إلا واستثمروها؛ لتصدير حالة من العدائية والضغط النفسي السالب لكل عوامل الإحساس بالأمان لدينا يبغونها هزيمة نفسية لتشفي غليلهم تجاه شعب لا يريدهم لا حكامًا ولا مواطنين.. وبرغم أن جوهر الدين في شتى المعتقدات يدعو إلى عدم الانشغال بعيوب الناس بسوء النظر إليهم أو الشماتة فيهم حين يداهمهم قطار الموت، برغم أن الموت هو الحقيقة الوحيدة في دنيانا.. بل يقال إن الموت هو «كمالة» للحياة! وفي هذا المقام يقول الشاعر: فقل للشامتين بنا أفيقوا.. سيلقى الشامتون ما لقينا!

وأخشى ما أخشاه أن يكون الخرق قد اتسع على الراتق في ثوب المجتمع المصري والعربي، الذي تحول بفعل صفحات المغرضين على مواقع ما يسمى بـ«التواصل الاجتماعى» إلى مناحة كبرى تحتوي على الكم الكبير من بذاءات الشماتة والتشفي في كل من يودع دنيانا على غرار ما تابعناه من وقاحة تجاه بعض الراحلين من أعلام الفكر والأدب والصحافة والسياسة، لمجرد أنهم كانوا يعدونهم من المناهضين لأفكارهم ومعتقداتهم السوداوية التي تريد إشعال الحرائق في الأخضر واليابس في جنبات الوطن، ويحيلونها إلى صفحات التمزق الاجتماعي الذي ينشدونه بتلك العدوانية المغرضة، وهي لا تجيء إلا تعبيرًا صارخًا عن مكنون ما يعتمل في صدورهم وقلوبهم من انحياز للعمالة، التي تعمل لمصلحة أجندات ممنهجة خطط لها من يتربصون بنا، ويحيكون خيوط المؤامرات القميئة في ليلهم المظلم.

وهؤلاء هم من نطلق عليهم لقب «خوارج العصر» الذين يدينون بالطاعة العمياء لمنظريهم وراسمي مناهجهم وخططهم، وهم البعيدون كل البعد عن منهج الدين الحنيف الذي يعطي للموت جلاله وقدسيته؛ لأنه من صنع الله القادر الذي يحيي ويميت وهو على كل شىء قدير.

وليت هؤلاء توقفوا عند حدود الشماتة والتشفى؛ لهان الأمر بعض الشىء، بل ذهبوا إلى أبعد خطوات الغل والحقد بالتمثيل بجثث القتلي ممن يخالفونهم في التوجه والمعتقد؛ سواء السياسي أو الديني، على نحو ما بثته الشاشات عبر النشرات الإخبارية وشاهدنا هذه المواقف المشينة في الكثير من بلادنا العربية التي اشتعلت فيها حالات الفوران الشعبي ضد الحكام والسلطة، فيما سمي بـ«ثورات الربيع العربى» ـ خاصة في ليبيا ـ حين قامت شراذم الجهلاء ممن تشدقوا بالوطنية ومنحوا أنفسهم زورًا وبهتانًا لقب الثوار، بالتمثيل بجثمان من كان على رأس دولتهم التي انهارت بفعل التدخلات الأجنبية، وقاموا بسحله في الشوارع في مشهد يندى له الجبين الإنساني، غير عابئين بجلال الموت وقدسيته، وساقوا دولتهم إلى الخراب والدمار ولم تقم لها قائمة إلى ساعتنا هذه، الأمر الذي استهجناه في حينه وأعددناه تصرفًا دخيلًا على المجتمعين العربي والمصري، حقيقة لم نر مثيلا له بكل هذه الوحشية في أحلك عصور الاحتلال الأجنبي وعنفوان السيادة الخارجية على المجتمعات العربية التي ابتعدت عن صميم وجوهر ممارسة السلوكيات الوطنية الحقيقية؛ فأصبحت سهلة الانقياد والتوجيه حتى وصلت بنا وبهم إلى نكباتٍ متوالية كانوا وكنَّا في غنى عنها، لتأكيد مواصلة السير قدمًا نحو المستقبل الزاهر لكل ربوع الوطن العربى.

ولم تقتصر تلك المشاهدات بطبيعة الحال على الكبار منا، بل كانت على مرأى ومسمع الأطفال الصغار من براعم المستقبل، الذين رأوا بأم أعينهم كيف تحولت رءوس القتلى إلى كرات تتقاذفها الأقدام، فهانت الأرواح عليهم ولم تعد في أذهانهم سوى مجرد لعبة لا جلال ولا قدسية لها.. فيالها من كارثة تدمي القلوب والأرواح، فهذه توطئة لما سنراه في المستقبل من هؤلاء النشء الذين تربوا واعتادوا على رؤية إراقة الدماء الذكية على أسفلت الشوارع والطرقات، لنجني ثمارًا مريرة كالحنظل جراء هذه الوحشية بلا ضابطٍ ولا رادع، وخالية من أي نوازع إنسانية أو معتقد دينى.

ويبقى الدور والمسئولية على علماء النفس والاجتماع، ليدرسوا ويحللوا سر هذا الانقلاب المفاجئ في تركيبة المجتمع المصري والعربي، وتسارع به إلى الضمور والاضمحلال، بعد أن كانت المجتمعات المصرية والعربية هي التي تقود العالم وتنير له دياجير الظلام في عصور قارات العالم المظلمة.

وهل نحيل هذه الظواهر اللا إنسانية واللا دينية إلى من أسسوا ومنهجوا لهذا النمط الدخيل ؛ ليكون تكئة لهم في تحقيق مآربهم ومصالحهم في المنطقة العربية بأسرها؟ وهل هناك أسباب أخري تقف وراء هذه السلوكيات والجرائم المرفوضة من كل الأعراف والقوانين؟ إلى متي سنظل نـُنـظـِّـرْ لتلك المشكلات المجتمعية ونشكو منها، دون بلوغ الحلول الجذرية وتفعيلها، للقضاء عليها نهائيًا ووأدها وهي في مهدها منعًا للتفشى؟ ولهؤلاء الشامتين نقول: لن تنالوا من مصرنا الغالية.. ياما دقت على رأس هذا الشعب العتيد طبول ولم ينحن ولم يرضخ ولم ولن ينكسر، وقريبًا سيعلو صوت الصافرات معلنة لفظكم وطردكم من بين صفوفنا أيها المندسون الدهماء.. وستبقي مصر برغم الشدائد والخطوب مرفوعة الهامة !

مقالات اخري للكاتب

كيف نعالج فوضانا بلا صمت؟!

حين راودتني فكرة هذا المقال بطرح هذا السؤال طريقا لحل أتمناه لإصلاح ذات البين لما أفسدته فوضانا المجتمعية وتغير سلوكياتنا رأسا على عقب، وكلنا يستشعر هذا

لا وقت للحزن..على خط النار

"في الحرب لا وقت للحزن عند العسكريين، يرى الجندي زميله يتساقط فلا يملك حق البكاء عليه، ليس أمامه سوى أن يحمل سلاحه ويواصل القتال، في الحرب لا وقت أمام القائد للتوقف ثانية واحدة عن التفكير.. أما عن الأحزان فهي مؤجلة؛ لهذا لا يكون النصر سعادة خالصة، بل سعادة مشوبة بالحزن على الشهداء".

رئاسة الوزراء.. شكرا.. عرفنا لماذا نكتب!

غالبًا مايثور تساؤل في أذهان كثير من المبدعين في مجال الأدب والشعر: لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟

الـتوك توك.. مسجل خطر!

​يبدو أن الأمثال الشعبية المصرية المنطلقة من واقع أتون التجارب العملية، تحاول أن تثبت صدقها وصحتها معي، فالمثل القائل: "لا يشعر بالنار إلا كابشها" قد نجح

أوكسجين الثقافة

بالتأكيد.. كلنا يذكر مشهد المحكمة في مسرحية "شاهد ما شافش حاجة" بطولة الفنان عادل إمام؛ والحوار المُضحك المُبكي الدائر بينه وبين "برعي" حاجب المحكمة ـ

تضييق فجوات التاريخ.. ضرورة

" اللي مالوش قديم .. مالوش جديد! هذه العبارة ابتكرها الوجدان الشعبي المصري من خلال التجارب التي خاضها عبر أحقاب زمنية مضت؛ وزرعها في مفاهيم سلسلة الأجيال