الإسلام بين التجديد والتخريب

4-3-2019 | 13:30

 

عندما دخلت كاتدرائية مدينة ستراسبورج عام 2012 طلب مني أحد المسئولين خلع قبعتي وفقًا للتقاليد الكاثولويكية، وتكرر الموقف عندما كنت أقوم بقافلة سلام في فرنسا عام 2016، وأثناء زيارتي لإحدى الكنائس الفرنسية لتقديم العزاء في قتل أحد القساوسة، طلب مني كبير أساقفة روان خلع العمامة الأزهرية لنفس السبب، لم اعترض في كلتا الموقفين عن خلع القبعة في المرة الأولى والعمامة في المرة الثانية؛ لأنني على قناعة تامة من وجوب احترام عادات وتقاليد أصحاب كل المعتقدات، لم أذكر هذا الموقف إلا لحاجة في نفسي تتعلق بموضوع المقال الذي أحاول فيه مناقشة بعض المسلمات الفرنسيات بشأن مفهوم التجديد وقراءة عصرية للإسلام !!!

- الفكر الذكوري سلب المرأة حقوقها على مدار أكثر من 1000 عام !!!

- مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي فيه النساء والرجال في نفس القاعة دون حجاب!!!

- ليس ثم ما يمنع النساء من إمامة الصلاة !!!

ذلك ما ادعته السيدة "كاهنة بهلول"، الباحثة في الدراسات الإسلامية ورئيسة جمعية "حدثني عن الإسلام"، ويدعمها في هذا التوجه الصحفي "فكر كورشان" رئيس جمعية المعتزلة الجدد، والتي ترمي إلى إعادة بعث الفكر المعتزلي ومبادئه الخمسة الشهيرة (التوحيد والعدل والمنزلة الوسطى لمرتكب الكبيرة والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وبذلك يجتمع الفكر النسوي الأوروبي مع فكر المعتزلة الجدد؛ لإعادة تأويل النصوص الدينية؛ ولتنفيذ هذا الفكر الذي يسعى لإعادة اكتشاف الإسلام، قرروا تدشين مسجد "فاطمة"، مسجد ذو طابع مثير للجدل؛ ليس فقط لكونه يتبنى فكرة الاختلاط بين الرجال والنساء في الصلاة - كتف إلى كتف - ولكن أيضًا لكنه يحمل فكرة التوأمة في الإمامة والخطابة، بمعنى أن القائمين عليه يعتزمون تناوب الخطابة والإمامة بين الرجال والنساء، ليس هذا فحسب؛ ولكن هناك أيضًا سيُسمح لغير المحجبات بالدخول إلى قاعات الصلاة ومتابعة دروس الوعظ والشعائر الدينية، وكذا الأمر بالنسبة "للشواذ جنسيًا" على حد ما أوردته الصحف الفرنسية والعالمية.

على نفس المنوال نسج كل من "آن صوفي مونسناي" و"إيفا جانادين"؛ حيث تقدما هما أيضًا بمشروع مسجد يحمل اسم "مسجد سيمورج"، وذلك في إطار المبادرات التي تقوم بها حركة "صوت الإسلام المستنير"، التي تسعى للترويج لإسلام "تقدمي".

جاءت فكرة هذا المسجد مشابهة أيضًا لفكرة مسجد "فاطمة"، حيث يطمح القائمون على المسجد إلى إيجاد مكان للعبادة، ويُسمح فيه بتواجد النساء في القاعات الرئيسة للصلاة – بدلًا من القاعات الخلفية التي تُشعر النساء بالدونية، على حد قولهم – ويسمح كذلك بحرية الملبس في أثناء الصلاة.

لم أعتد السخرية من الرأي الآخر مهما كان تطرفه، لكني دائمًا أفضل الحوار بالحجة والبرهان؛ لأن الهدف من الحوار هو الفهم الأعمق لفكر الآخر، والاستفادة منه إن كان صحيحًا وتصحيحه إن كان مغلوطًا.

وفي السياق الذي كتبت فيه هذا المقال، والذي حددت فيه ثلاث نقاط:

الأولى تتعلق بالفكر الذكوري في الإسلام وتعميمه، دون الأخذ في الاعتبار اختلاف الثقافات في الدول الإسلامية، ولا آتي بجديد إن قلت إن الإسلام قدم للمرأة المسلمة من الحقوق والحريات ما لم تقدمه أي حضارة على مدار التاريخ، فبعد أن كانت المرأة قبل الإسلام بضاعة تباع وتشترى في الأسواق، رد الإسلام لها كرامتها وحقوقها التي سلبها الجهل والتطرف، قال النبي محمد "صلى الله عليه وسلم": (استوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوان عندكم، إن لكم عليهن حقًا، ولهن عليكم حق)، والكلام لا ينتهي في هذا المقام.

الثانية تتعلق بفكرة أن مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي فيه النساء والرجال في نفس القاعة دون حجاب، صحيح أن مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في عهده لم يكن به حاجزًا بين النساء والرجال، إلا أنه كان هناك عدة وسائل للفصل بين مجموعة الرجال، ومجموعة النساء، وإلا كيف نفسر قوله - صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وسبق وأن أعلنت دار الإفتاء رأيها في هذا الموضوع وأشارت، إلى "أن من شروط صحة الصلاة ستر ما أمرنا بستره من أجزاء الجسد رجالا كنا أو نساء، وبذلك فقد وجب على المرأة الحجاب أثناء الصلاة، وفوات الوفاء بهذا الشرط يبطل الصلاة، وليس ذلك تمييزا ضد المرأة؛ بل إن ستر أجزاء من الجسد أمر تعبدي في حق الرجال والنساء، وإن اختلف قدر ما فرضته الشريعة الغراء بين الرجال والنساء، وهذا ليس خاصًا بالشريعة الإسلامية وحدها؛ بل له نظائر في طقوس أديان أخرى تلزم المصلي بنحو ذلك، ويختلف الرجل فيها عن المرأة"، وأكدت أن هذا يعتبر "تعد صريح على قواعد الشرع الشريف، مؤكدة أن محاربة العنف والتطرف لا تكون بهذا المسلك الذي يشتمل على التطرف من جانب آخر؛ وهو التعدي على المقررات الدينية والعلمية من غير مواجهة حقيقية للعنف".

وفيما يتعلق بإمامة المرأة؛ فإن الإجماع المشهور فقهيًا أن المرأة لا يجوز لها إمامة الرجال، كما قال ابن حزم في "مراتب الإجماع" ص 27: "واتفقوا على أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتهم باطلة بإجماع".

إلا أن الشيخ الأكبر ابن عربي في الفتوحات المكية، في الباب التاسع والستين: فصل بل وصل في إمامة المرأة، قد كسر هذا الإجماع ليفتح الباب مجددًا لمزيد من البحث، فقد قال رحمه الله:

"فمن الناس من أجاز إمامة المرأة على الإطلاق بالرجال والنساء، وبه أقول، ومنهم من منع إمامتها على الإطلاق، ومنهم من أجاز إمامتها بالنساء دون الرجال (الاعتبار في ذلك) شهد رسول الله "صلى الله عليه وسلم" لبعض النساء بالكمال، كما شهد لبعض الرجال، وإن كانوا أكثر من النساء في الكمال وهو النبوة والنبوة إمامة، فصحت إمامة المرأة والأصل إجازة إمامتها، فمن ادعى منع ذلك من غير دليل فلا يسمع له، ولا نص للمانع في ذلك، وحجته في منع ذلك يدخل معه فيها ويشرك فتسقط الحجة فيبقى الأصل بإجازة إمامتها..." (الفتوحات المكية، ابن عربي، دار الكتب العلمية، ج 2، ص 103-104).

ويتعارض هذا الرأي مع جمهور العلماء والذي لخصه النووي في المجموع (4/152):

"وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لا تَجُوزُ صَلاةُ رَجُلٍ بَالِغٍ وَلا صَبِيٍّ خَلْفَ امْرَأَةٍ . . . وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ صَلاةُ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ, وَسَائِرُ النَّوَافِلِ, هَذَا مَذْهَبُنَا, وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ - رحمهم الله, وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ التَّابِعِينَ, وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد.

نقدر اجتهاد كل مسلم، لكن يا سادة الاجتهاد له شروطه العلمية التي يجب أن يلتزم بها كل مسلم ومسلمة، إن الخطورة تكمن في ادعاء العلم في أمور تتعلق بثوابت الدين واتباع الهوى في فهمها وإنكارها؛ بحجة التجديد أو الشعور بالملل.

يقول الله في كتابه العزيز: "‏وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏"‏ سورة آل عمران‏:‏ آية 7‏.