رؤية حول إعادة تشكيل الوعي الإنساني

28-2-2019 | 18:53

 

أضحى الإنترنت واحدًا من أهم مصادر الأخبار والمعلومات في العصر الحديث، وبالتالي تحول إلى مصدر للمعلومات مُهم للقنوات الفضائية والصحافة والمفكرين والأدباء وغيرهم من الذين يبحثون عن المعلومات والأخبار؛ ونظرًا لسهولة الحصول على المعلومة في "لا" زمن يتسارع كل هؤلاء للاعتماد كُليا على الإنترنت دون تدقيق أو تمحيص في دقة المعلومة ومصدرها، وبالتالي تكمن الخطورة في قيام قناة فضائية مشهورة أو مركز أبحاث مشهود لها بالسُمعة أو جريدة أو كاتب أو مفكر بتداول معلومة من الإنترنت دون التأكد من صحتها أو دقتها، وبالتالي يُصدقها المُتلقي من الجمهور بسهولة لمصداقية المصدر ويستقي معظم هؤلاء معلوماتهم من مواقع غير معروف مصدرها ومصداقيتها؛ لأن تلك المواقع لا تخضع لرقابة أو تدقيق صارم على مصدرها ومحتواها ولم يسأل الكاتب أو المفكر أو الباحث عن مصدر تلك المواقع و جنسيتها؟ ومن القائمون عليها؟ هل هم منظمات خيرية أم أجهزة استخبارات أجنبية أم دول أم جماعات هدامة أم شركات تجارية؟ وهل المعلومة على "الويكيبيديا" باللغة العربية (الموجهة للشعوب العربية) مثلها مثل المعلومة باللغة الفرنسية أو الإنجليزية (الموجهة للشعوب الأوربية)؟ بالطبع لا.

والخطورة الأكبر تكمن في شباب الأمة وصغار السن الذين يتعاملون مع الإنترنت ويستقبلون كافة المعلومات دون التأكد من صحتها من عدمه، أو مدى تحريفها ومن هو مصدرها؟ فعلى سبيل المثال إذا قامت مجموعة من الشباب بالبحث عن إحدى الشخصيات التاريخية المهمة؛ وليكن الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - فسوف يجدون عشرات الآلاف من المواقع تتحدث عن الإمام؛ ولكن المشكلة هنا من هو مصدر المعلومات؟ هل المصدر شيعي أم سني أم تنظيم "القاعدة" أم "داعش" أم "الخوارج" أم "الموساد" أم "جهاز الاستخبارات الأمريكي"؟

وبالتالي يحدث تضليل فكري لهؤلاء الشباب وتتنوع معلوماتهم ومعارفهم، وكما أن التنوع في مصادر التعليم والمعارف المختلفة بين الشباب لا يثري التجربة الثقافية في أي دولة؛ بل يساعد على الفرقة وشق الصف، ويضعف الانتماء الوطني؛ لأن تشكيل وعي الشباب هو اختصاص الدولة وحدها.

اعتادت الشعوب المستخدمة لشبكات الإنترنت على تخزين المعلومات والمراجع والكتب والصور والتي تعبر عن ذكرياتهم وتاريخهم وثقافاتهم بكافة أشكالها؛ ومنها النادر والتراث والتسجيلات الخاصة لرواد الفكر والأدب وعمالقة الغناء العربي؛ وكذلك بياناتهم الشخصية على برامج الإنترنت مثل: "جوجل والفيس بوك وتويتر واليوتيوب والآي كلود والواتس أب ... الخ"، وكلها مملوكة لشركات ودول أجنبية، ويمكن لتلك الدول أو الشركات التحكم المُتعمد في هذا الكم الهائل من المعلومات؛ سواء بالإضافة أو الحذف أو التحريف؛ لتشتيت الوعي وتشويهه ومحو حضارة وتاريخ وثقافة الأمم وتزييفها؛ حتى تصبح مسلوبة الإرادة وخاضعة للدول الكبرى دون هوية.

وقد استغلت العديد من الدول التكنولوجيا؛ لشن حروب إلكترونية ضد دول ومجتمعات أخرى؛ حتى إنها أضحت أكثر تأثيرًا في الوقت الحاضر على الأمن القومي المجتمعي لاسيما في ظل تنامي "الشعبوية"، واستخدام المعلومات الذائفة من خلال السُخرية السياسية أو الاجتماعية أو الكاريكاتير السياسي أو المعلومات المغلوطة الموجهة أو التضليل بالدعاية السياسية؛ ولذلك سعت العديد من الدول إلى امتلاك الأدوات التي تُمكنها من التحكم فيما يُنشر من معلومات، كما انتقل هذا الصراع الإلكتروني حتى أصبح داخل الدولة نفسها صراع بين النُظم الحاكمة وجماعات الضغط السياسي، أو قوى المعارضة بأشكالها المُختلفة صراع من أجل تغيير رأي عام أو تشكيل رأي عام جديد، صراع للاستحواذ على عقول المواطنين؛ وذلك من خلال الاستخدام الجيد لأدوات المعلومات وأدوات الدعاية التي يمكن استخدامها لتوجيه رسائل تضمن معلومات مُحددة تهدف إلى خلق وتشكيل رأي عام معين, وهذا نموذج للدعاية السياسية يعتمد في نجاحه على تدفق مكثف للمعلومات المغلوطة والمقنعة في نفس الوقت fire hose of falsehood.

وبالتالي كان لذلك أثره السلبي على تشكيل وعي المواطن العربي فضلا عن حالة الإفلاس الفكري والمعرفي والثقافي التي وصل إليها هؤلاء المفكرون والأدباء العرب، وبالتالي انعكس ذلك على الإعلام والتعليم ومنابر الفكر والثقافة؛ حتى أنتج مجتمعًا مشوهًا ثقافيًا وأخلاقيًا وعلميًا لا توجد معايير أو ثوابت تحكمه .

وفي النهاية يجب علينا أن نؤكد أهمية التكنولوجيا الحديثة وأن نتعامل معها بما يخدم مصالحنا وتقدمنا؛ ولذلك يجب أن تكون حياتنا الحديثة ملائمة لمجدنا القديم، وأن ندمج الأصالة بالمعاصرة؛ لأن فصلهما ليس في مصلحتنا، ويشكل علينا عبئًا كبيرًا، وليس من النافع أن نندم على ما فات، ولا من الممكن أن نستدرك ما كان؛ بل من الخير - الذي يشحذ العزم ويقوي الأمل - أن نفكر فيما يتاح لنا من الانتفاع بالتكنولوجيا، دون التخويف منها أو الابتعاد عنها، كما يجب أن نستكمل مشروع بناء الإنسان العصري المثقف والمتعلم والسليم صحيًا ونفسيًا؛ حتى يكتسب مناعة ضد مخاطر التكنولوجيا، ويستطيع أن يفرق بين الجيد والرديء، كما يجب على المثقفين والمفكرين والعلماء العمل على الاهتمام بالشباب والاستماع الجيد لهم، وفهم ومشكلاتهم، وعلى كل دولة وضع "ويكيبيديا" خاصة بها؛ تتصف بالجذب والإقناع والمصداقية؛ حتى تكون عوضًا عن الأخبار والشائعات المضللة.

كاتب المقال: متخصص في الأمن القومي والشئون الدولية

مقالات اخري للكاتب

قراءة سياسية للمنتدى الإفريقي - الأوروبي

أدت التغيرات التي طرأت على قمة النظام الدولي، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالنفوذ، إلى بزوغ بيئة جديدة من المستجدات والتفاعلات الإقليمية والدولية،

تقارب مصرى إفريقى - فعاليات وتفاعلات

استضافت الدولة المصرية عددًا لا بأس به من الاحتفاليات الدولية والإقليمية، تمثلت في مؤتمرات ومعارض كان للقارة الإفريقية النصيب الأكبر منها، فقد استضافت

الأكثر قراءة