ابن النيل يكتب: سر الحضارة (7)

27-2-2019 | 19:12

 

خذ مُلْكى .. وأعطنى حياتك!


سمعنا من الأجداد حكاية مَلِك ضل طريقه في الصحراء، ولم يكن معه ماء، وعندما أشرف على الهلاك والفناء قابل رجلاً يسير في البيداء معه قليل من الماء، فقايضه عليه بنصف ملكه، فرفض، فعرض عليه كل ملكه، فاقترب الرجل وهو حزين، لعجزه عن مساعدة الملك المسكين، وقال له إذا كانت حياتي والماء في الميزان، فلن ينفعني مُلك ولا سلطان.

وتعلمنا من الحكاية أن الماء لا يمكن أن يقدر بثمن، ولا يمكن مقارنته بالموارد الطبيعية الأخرى كالذهب والفضة والبترول.. إلخ، لأن الناس ـ ببساطة ـ لن تأكل الذهب ولن تشرب البترول، إذا فقد الإنسان بعض الذهب، أو إذا تسرب الزيت من سيارته فما الذي سوف يخسره، بعض المال أو ربما تأخر عن موعد مهم، لكن إذا فقد زجاجة مياه وهو في الصحراء، سوف يفقد حياته، إذن كم يدفع الإنسان ثمنًا للمياه إذا توقفت حياته عليها؟ بمعنى آخر بكم يُثَمِن الإنسان حياته؟

لقد قابلت الكثيرين ممن يعتقدون أنهم يدفعون ثمن المياه من خلال الفاتورة الشهرية التي تحصلها شركة المياه، ولا يعلمون أن ذلك هو ثمن خدمة توصيل المياه إلى المنازل وليس ثمن المياه ذاتها، لأنها ببساطة "لا تقدر بثمن" طالما أنها تساوي الحياة.

هذا الحديث يقودنا مباشرة إلى أن إهدار المياه يعتبر جريمة انتهاك مباشر لحقوق الآخرين في الحياة، وقد يكون هذا الآخر هو ابنك أو أختك أو أباك.. إلخ، أو أى شخص آخر، فما العقوبة المناسبة في نظرك؟

يجب أن يعلم كل إنسان أنه لو كان ما يدفعه في الفاتورة الشهرية هو "ثمن" للمياه التى يستهلكها، لكان معنى ذلك اعتبارها سلعة تباع وتشترى وتخضع لقواعد السوق مثل باقي السلع، ولأصبحت هناك أسواق للمياه ومنافسة بين شركات القطاع الخاص للحصول عليها وبيعها وتحقيق ربح، وأتذكر أن البنك الدولي نفسه - وهو صاحب فكرة خصخصة قطاع المياه - قد أورد ضمن الاعتراضات الموجهة للفكرة أنها سوف تلحق أضرارًا كبيرة بالفقراء؛ حيث لن يحصل عليها إلا من يملك ثمنها.

وقد نالت فكرة تسعير المياه جدلًا واسعًا، وقيل إنها تتطلب تحقيق معادلة شديدة الصعوبة والتعقيد، فمن جانب يجب التعامل مع المياه في ضوء خصوصيتها الاجتماعية، ومن الجانب الآخر لابد من مراعاة الجانب الاقتصادي، أي أنه يجب الحرص على ألا تتحول المياه من مصدر لحياة الإنسان إلى سلعة تجارية كل الغرض منها هو تحقيق الربح، ولإحداث هذا التوازن كان البنك الدولي قد اقترح أن يصاحب عملية الخصخصة إصلاح مؤسسي ونظام رقابي لمنع إساءة استعمال السلطة من جانب القطاع الخاص في إدارته لموارد المياه، غير أن التجارب الدولية في مجال خصخصة المياه تشير إلى أن الحكومات لا تستطيع أن تتدخل دائمًا لكبح جماح المستثمرين وأطماعهم.

ونحمد الله أن الرؤية العربية للمياه كانت ولا تزال تحذر من فكرة اعتبار المياه سلعة اقتصادية، مؤكدة كونها سلعة اجتماعية في المقام الأول، ولا تخلو من قيمة اقتصادية نظرًا لارتباطها بالزراعة والصناعة والسياحة .. إلخ.

كاتب المقال: استشارى شئون المياه

hosamelemam111@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

كورونا.. بين السما والأرض

بين الحرص والخوف والاعتزال والتأمل والانتظار وغيرها من الأحاسيس التى انفردت بنا، وأخذت تتقلبنا بين يديها منذ بدأت تلك الأزمة، وجدتني أتذكر فيلم "بين السما

"أبلة وداد".. التربية ثم التعليم

"أبلة وداد".. التربية ثم التعليم

"المهرجانات" .. فن ينتشر أم ذوق ينحدر؟!

"المهرجانات" .. فن ينتشر أم ذوق ينحدر؟!

ياريت اللى جرى ما كان

من الأمور التي شغلتني كثيرًا في مرحلة الشباب، وعند الإقبال على الزواج، ثم لاحقًا عندما أصبحت زوجًا وأبًا، مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة، والأسلوب الذي

"كـيـمـيا" المتحدث الرسمي

أصبح مصطلح "كيميا" شائعًا في حياتنا، يستخدمه البعض أحيانًا للإشارة إلى سهولة الأمر وبساطته، فيقولون "مش كيميا يعني".

رشدي أباظة وعمر الشريف .. وعقدة النقص

رشدي أباظة وعمر الشريف .. وعقدة النقص

[x]