جريمة لا تغتفر!

27-2-2019 | 19:03

 

قل ما شئت في توصيف بشاعة أي جريمة، لكن تظل جريمة "السرقة العلمية" هي أعلى درجات الخيانة، خاصة إن جاءت من طبيب، فـ"خيانة الأمانة العلمية" جريمة لا تُغتفر، خاصة أنها قد تطول صحة آلاف البشر، فحينها تسقط عنه سمعته ومكانته بلا رجعة.

مثل هذه "الفضيحة" العلمية، بكل أسف عادة لا تقف عند هذا الباحث أو ذاك، بل تتحول إلى "وصمة عار علمية" تلحق بالجهة العلمية التي ينتسب إليها، إن كانت كلية أو مركزًا بحثيًا، ومن ثم دولته التي يحمل جنسيتها، وفي حين تسعى كل جامعة لأن تجد لها مكانًا بين أهم الجامعات بالعالم، تأتي جريمة كهذه لتجرها للخلف، مسيئة لسمعتها وتخصم من رصيدها!!

كان العُرف العلمي قديمًا يقتضي مخاطبة كل الجامعات والمراكز البحثية في مصر للتأكد من أن مشروع أي رسالة ماجستير أو دكتوراه جديد قبل الشروع فيه، واليوم هناك برامج كثيرة على شبكة الإنترنت تؤدي هذه المهمة بكل سهولة ويسر، ليس على مستوى مصر، بل على مستوى العالم، لكن وبكل أسف، مثل هذه "الجريمة العلمية" تحدث كثيرًا في مصر.

ونادرًا ما تتم محاسبة الفاعل الذي يجترئ على سرقة جهد غيره من الباحثين؛ سواء داخل مصر أو خارجها، وربما يقتطع أجزاءً كثيرة من أبحاثهم، دون أدنى إشارة لهم، كما تقضى بذلك أمانة الاستعانة بالمراجع الموثوقة، لكن كثيرًا ما يتم "طمطمة الموضوع"، من باب "ربنا أمر بالستر"، والمصيبة أن هناك من مرتكبي جرائم السرقة العلمية من ارتقوا مناصب عليا في مصر.

الزميل أشرف أمين المحرر العلمي للأهرام، خاض تجربة بسيطة للغاية عبر محرك البحث الإلكتروني Sciencedirect، واكتشف فضائح علمية كبيرة، حيث رصد ال مقالات التي تقدم بها علماء مصريون ثم تم سحبها بعد النشر، وتبين أن العديد من المجلات العلمية الدولية في تخصصات مختلفة سحبت 24 بحثًا علميًا لعلماء مصريين خلال السنوات القليلة الماضية، وتم الإبقاء على البحوث في الإصدار الإلكتروني بنفس الترقيم وتاريخ النشر مع إضافة كلمة retracted "تم سحبه" مُخضبة باللون الأحمر وبالحجم الكبير على صفحات البحث المرفوض، مع إضافة الكلمة السابقة نفسها قبل اسم البحث يعرف كل زائر أن الدراسة لم تعد مرجعًا يُعتد به، ومن مجمل ما تم حصره مُنيت جامعة القاهرة بأكثر عدد من البحوث المرفوضة، تليها جامعة أسيوط ثم المنصورة!.

جريمة جديدة لا تقل بشاعة عما سبق، تناولها الدكتور أسامة حمدي أستاذ السكر والباطنة بجامعة هارفارد الأمريكية هذا الأسبوع على صفحته، وصفها بـ "فضيحة علمية لباحثين مصريين تهز الأوساط العلمية الأمريكية"!!

تفاصيل هذه الفضيحة كما يرويها:

للأسف دأب قديمًا بعض الباحثين المصريين على فبركة الأبحاث الطبية ونشرها في مجلات علمية محلية أو مجلات عالمية من الدرجة الرابعة، أو نقل بعض الأبحاث الغربية "نقل مسطرة" ووضع أسمائهم عليها!

وللأسف تقدم بعض هؤلاء للترقي بهذه الأبحاث المزورة، ومنهم أساتذة الآن بالجامعات المصرية، ولا أنسى أحد أعضاء هيئة التدريس وهو يتقدم للترقية بعدد ٤٧ بحثًا في ثلاث سنوات، أي بمعدل بحث ونصف كل شهر!!! وهو الآن أستاذ على المعاش في إحدى الجامعات الإقليمية!

ولكن أن يصل النصب إلى نشر بحث طبي في واحدة من أكبر المجلات العلمية في العالم وهي نيتشر Nature فهذا أمر مُحزن جدًا، فقد نشر باحثان في مجال سرطان الأطفال من مستشفى "شهير" مبعوثان للعمل في جامعة بايلور Baylor الأمريكية ، بحثًا في هذه المجلة عن توصلهم لطريقة تنفذ بها الخلايا المناعية القاتلة إلى داخل المخ لتدمر واحدًا من أخطر أنواع السرطانات، ونشر الباحثان المصريان صورًا مختلفة ورسومات توضيحية لابتكارهما "المزعوم"؛ مما أعده الجميع سبقًا علميًا، لتكتشف المجلة بعد تلقي العديد من الشكاوى، أن الصور والرسومات منقولة ومُعدلة ولاتوافق البيانات المكتوبة بالبحث!!!.

ومنذ يومين تم رفع المقالة بطلب من الباحثين الأجانب معهم ، مع "رفض وإنكار الباحثين الرئيسيين المصريين"!! وهذه الفضيحة دوَّت في الأوساط العلمية الأمريكية، نظرًا لأهمية المجلة ونتائج البحث المبتكرة، فالأمانة العلمية لا تمر هنا "بالساهل" فهي توازي في الغرب جرائم السرقة والنصب والاحتيال، وعقابها الفصل من الوظيفة وربما السجن.

لقد ذكر لي أحد الأصدقاء هذه الواقعة ـ والكلام ما زال على لسان الدكتور أسامة حمدي ـ ولم أصدقها حتى قرأت بعيني تفاصيل هذا النصب العلمي، ربما لم يدرك هذان الباحثان أن المجلات الأمريكية تُمرر بعض الأبحاث وال مقالات المشكوك فيها على برنامج يكشف في ثوانٍ، أي سطر أو صورة منقولة من مجلة أخرى! وجامعة هارفرد تلزمنا بتمرير أبحاثنا و مقالات نا العلمية على هذا البرنامج، منعًا لأي شبهة تحرج الجامعة وباحثيها.

ويختتم رسالته معربًا عن خجله كمصري من هذه الفعلة "الشنيعة"، متسائلًا: أين المجلس الأعلى للجامعات ووزارتا الصحة والتعليم العالي من هذا؟ مطالبًا المستشفى بمحاسبة هؤلاء "الباحثين" ليكونوا عبرة لأمثالهم من مدعي العلم "المفبركين"....؟!

مشكلة السرقات العلمية ليست مصرية، بل هي عالمية، لكن هذا لا يعطي أي باحث مصري فرصة للتهوين من الجريمة، ومن أشهرها فضيحة الفيزيائي الألماني يان هندريك "وكان عمره 31 عامًا" التي هزت المجتمع العلمي عام 2001 ، حيث وُصف بأكثر مؤلف نشرًا للأبحاث في المجلات العلمية المرموقة أمثال "نيتشر" و"ساينس"، بمعدل "بحث كل ثمانية أيام !!".

ونال على أبحاثه عدة جوائز علمية، لكن تم سحبها وألغيت أبحاثه وفقد وظيفته وسُحبت منه درجة الدكتوراه ورُفعت عليه بعض القضايا في المحاكم بتهمة الغش وإهدار أموال دافعي الضرائب المخصصة للبحث العلمي.

وفي عام 2011 ، اضطر وزير الدفاع الألماني كارل جوتنبرج إلى الاستقالة من منصبه، بعد اتهامه بـ "الانتحال" في رسالته لنيل شهادة الدكتوراه، وبناء عليه، سحبت منه الجامعة لقب الدكتوراه.

بالتأكيد يأسف كل غيور على وطنه، لأن تحدث هذه الواقعة من باحثين في مركز طبي أشاد بكفاءته ورسالته القاصي والداني، ولعل الواقعة تكون رادعًا حتى لا نتباكى بعد ذلك على تراجع ترتيب جامعاتنا في الترتيب العالمي.

مقالات اخري للكاتب

علاقة "كورونا" بالغذاء؟!

علاقة "كورونا" بالغذاء؟!

شرطي المستقبل؟!

في ليلة من ذات الليالي في العام 2060، يستيقظ رامي فزعًا على وقع أحداث جريمة مروعة في منزله، اختطف فيها أربعة جناة طفلته الوحيدة، ونهبوا كل ما لديه من وثائق وعملاته الرقمية من البتكوين، والأدهى من ذلك أنهم عطلوا قبل كل شيء منظومة البيت الذكي الذي يسكنه..

الوباء الغامض!

‏"أرجوكم خذوا ابنتي" صرخة أم عالقة مع ابنتها المصابة بالسرطان يرفضون خروجها لتلقي علاجها.. ولحظة مؤثرة لأب صيني من خلف الزجاج العازل يغالب دموعه أمام طفله

نهاية عصر الخصوصية!

نهاية عصر الخصوصية!

وصفة الموت!

وصفة الموت!

مادة إعلانية

[x]