الأعمدة السبعة للشخصية المصرية والعصر الإسلامي (6)

2-3-2019 | 22:35

 

إن المودة والتداخل الموجود الآن بين المسيحيين والمسلمين، ترجع جذورها الأولى إلى دخول الإسلام مصر، حيث أحسن عمرو بن العاص معاملة المسيحيين ورؤساء المصريين؛ ولذلك كانت هذه البداية الطيبة سببًا في التآخى بين أبناء الوطن الواحد، مما انعكس على علاقات اجتماعية واقتصادية جيدة طوال أربعة عشر قرنًا، حيث تعايش الإسلام والمسيحية في سلام على أرض مصر بوجه عام؛ برغم مرورها أحيانًا بأوقات عصيبة، أمكن تجاوزها واستمرت الديانتان في ود طوال القرون؛ لأن عمرو بن العاص حينما دخل مصر حمى الكنائس ولم يأخذ أى شيء منها، وأسبغ عليها الحماية طوال مدة حكمه، وقرب إليه رؤساء المصريين وأحسن معاملتهم، كما خفف الضرائب بوجه عام، مما زاد من ترحيب المسيحيين بجانب سخطهم على النظام البيزنطي من الأساس.

ولمصرعلاقة متفردة مع الإسلام منذ بدايته؛ حيث أرسل الرسول "صلى الله عليه وسلم" برسالة لحاكم مصر في السنة السادسة من الهجرة ورد عليه المقوقس - حاكم مصر - بهدية جاريتين وعسل وثياب، حيث تزوج الرسول "صلى الله عليه وسلم" من ماريا القبطية أم إبراهيم، واستمرت العلاقات الطيبة طوال فترة حكم الخلفاء الراشدين تتسم بالتعاون والتفاهم بين المسلمين والمسيحيين، ثم جاءت الدولة الأموية وتولى ولاية مصر25 واليًا، وربما كان أهمهم عبد الله بن مروان 705 م إلى 709م؛ حيث أصدر أمرًا بأن تكون محررات الدواوين باللغة العربية، ثم جاءت الدولة العباسية من750 م إلى 1258م، وتولى مصر في عهدها 96 واليًا، وفى هذه المرحلة تحول المصريون جميعًا - مسلمين ومسيحيين - من اللغة القبطية إلى اللغة العربية، وبدت مصر كأغلبية إسلامية فيما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، مما يعني تعايش قرون طويلة بين الديانتين، مما يفسر الألفة المستمرة بين المسلمين والمسيحيين إلى الآن.

ويرى د. ميلاد حنا أن البداية الحقيقية لحقبة الحضارة الإسلامية في مصر ظهرت أو بدأت مع حكم الفاطميين، فهي التى شهدت التحول الأكبر من المسيحية إلى الإسلام.

ولا يجوز الحديث عن مصر الفاطمية بغير الحديث عن الأزهر.. تلك المؤسسة الدينية الكبرى التي أصبحت جامعة كبرى، وقد سميت بالأزهر نسبة إلى فاطمة الزهراء، بنت الرسول "صلى الله عليه وسلم"، وقد وضع حجر الأساس في بناء الأزهر يوم السبت الثاني من أبريل عام 970م الموافق 22 من جمادى الأولى عام 359 هجرية، وأقيمت أول صلاة عام 361 هجرية.

ويعد الأزهر أكبر وأقدم جامعة إسلامية، ثم مرت مصر بفترات مظلمة هي حقبة حكم المماليك والعثمانيين من عام 1252م إلى 1805م كان حكم مصر في يد أجانب.

هذا ملخص شهادة د. ميلاد حنا على هذه الحقبة، وكان محقًا تمامًا في أهمية دور الأزهر داخل مصر، وفي الحقيقة فإن دور الأزهر يتجاوز حدود مصر لكل العالم الإسلامي بلا مبالغة، ولايوجد له قرين أو مثيل في هذا المجال؛ بل إنه في مجال الجامعات بوجه عام يتميز بتاريخ عريق على مستوى العالم؛ لأنه من عوامل قوة أى جامعة، عمرها الزمني؛ لأنه يعكس وجود أساتذة تتلمذوا على أيدي أساتذة سابقين.

وهكذا.. كما تميزت جامعة الأزهر بالوسطية الفكرية بدون تطرف أو تقصير، كما أن قانون الأزهر في الستينيات كان إضافة لقوة الأزهر من عدة جوانب؛ حيث أتاح للمرأة دخول الأزهر، وهي نصف المجتمع، كما أضاف كليات عملية لكي يتخرج طبيب وداعية إسلامي في الوقت نفسه، أو مهندس وخلافه؛ بجانب تطوير النظام الأكاديمي في الترقيات العلمية وتوسعة في استقبال البعثات من كل أنحاء العالم للدراسة على نفقة مصر في الأزهر.

وصاحب ذلك في الخمسينيات والستينيات إنشاء مدينة البعوث الإسلامية، وإنشاء أول مجمع بحوث إسلامية، وأول إذاعة للقرآن الكريم في العالم مع قيادة مصر، ومساعدتها في تحرير أراضي وثروات العالم الثالث. هذا دور مصر وعطاؤها وتفاعلها مع العالم الإسلامي، وأصبحت مصر هي التي تعلم العالم كله الإسلام بمختلف علومه الشرعية، كما يقول الشيخ محمد متولي الشعراوى، وهذا هو دورها عبر التاريخ، والله الموفق..

مقالات اخري للكاتب

الإصلاح الاقتصادي.. والمجتمع بين دور الدولة والقطاع الخاص (8)

خلص المقال السابق عن نظرية ما بعد الحداثة والاقتصاد، إلى أن الاتجاهات الفكرية الحديثة ترفض كافة الاتجاهات والنظم التقليدية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع وكل التخصصات؛ لأنها نشأت في عصور سابقة، وثبت فشلها في تحقيق أهدافها، وأنه يستحيل تعميم نظرية أو نظام في بيئات متباينة، وأزمنة وظروف مختلفة،

الإصلاح الاقتصادي والمجتمع ونظرية ما بعد الحداثة (7)

إن دراسات التقييم البيئي الشامل تقتضي مراعاة خصوصية كل مجتمع بشقيه، سواء علي المستوى القومي أو على المستوى المحلي، لأنه قد تنجح إصلاحات معينة في مجتمع، ولا تصلح في مجتمع آخر، أو في زمن آخر في نفس المجتمع، وهذا ما تجمع عليه كافة الاتجاهات العلمية الحديثة..

الإصلاح الاقتصادي والمجتمع في تجربتي ناصر ومبارك (6)

خلص المقال السابق إلى تأكيد كثير من علماء الاقتصاد على أن المؤشرات الاقتصادية منفردة لاتكفى لضمان نجاح التنمية، وتاريخ مصر الحديث، يؤكد ذلك بالرجوع لتجربتى

وزارة لتنمية سيناء واكتتاب شعبي للتمويل

سيناء المقدسة تبلغ مساحتها نحو 60,000 كيلومتر مربع، وهي مساحة كبيرة وتبلغ نحو 6% من مساحة مصر؛ ومع ذلك يقل عدد سكانها؛ بحيث يصل إلى نحو مليون نسمة، وهي

الإصلاح الاقتصادي.. المؤشرات وحدها لا تكفي (5)

خلصت المقالات السابقة إلى أن الإصلاح الاقتصادي منفردًا يعكس رؤية قاصرة كانت سائدة في عصر الحداثة، ولكن عصر ما بعد الحداثة يستلزم رؤية بيئية شاملة من خلال

الإصلاح الاقتصادي والمجتمع وإعادة هيكلة الأجور (4)

انتهى المقال السابق إلى وجود فجوة كبيرة بين أسعارالخدمات والطاقة - حيث تسير الحكومة في رفع أسعارها للسعر العالمي - وبين الأجور والمعاشات وأسعار المحاصيل المحلية؛ مما ترتب عليه ضغوط ومشكلات اجتماعية خطيرة للطبقات الوسطى والدنيا.