كل هذا الجمال المدهش!

21-2-2019 | 19:31

 

كلما سمعت المزيد من الكلام عن قوة مصر الناعمة ، عرفت أنني على موعد جديد مع جعجعة بلا طحين! فنحن نتحدث كثيرًا ونفعل قليلًا، فكيف - بالله عليك - أصدق كل هذا الكلام عن الرغبة في إحياء قوة مصر تلك، ونحن لا نفعل شيئًا ذا بال للاحتفاء بأصوات أبنائها الموهوبين في الرواية والقصة والشعر على سبيل المثال، يتراكم الإنتاج الأدبي تباعًا، لكنه كم منسي وملقى على الطريق وسط الزحام دون أن تنتبه إليه الدولة بمؤسساتها وأجهزتها وإعلامها حتى يستحيل "وردة ذابلة" تأوي إلى الظل، بينما الأدعياء وسماسرة العلاقات العامة هم من يرقصون تحت الأضواء.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك رواية "عرق الصبا لصاحب الأبعادية" المسجلة باسمه في عالم الدهشة خالد إسماعيل، الكاتب الذي يجعل من خصوصية الجنوب أسطورة حية يستمتع بقراءتها كل مصري في عموم القطر، استمع لكاتبنا الكبير في مقطع من هذا النص الصادر عن دار "العين" قائلا: أما حسان البعوكي وهو أيضًا من حفظة التواريخ فقد روى في جلسة جمعتني به في ليلة زفاف حفيده رواية عن أبيه عن جده عن أمه هاجر عن جدتها التي عاشت مائة وعشرين سنة حتى برزت في فمها الأسنان الخضراء!" لقد أبدع خالد في التعبير عن التراث الشفاهي لصعيد مصر؛ حيث يمكنك أن تتحدث في عشرات الكتب عن خصوصية محافظات الجنوب في بلادنا، لكن ما أصعب أن تحول ذلك لسرد شيق، حار، يتسم بالثراء والعمق على نحو ما يفعل الفتى خالد.

ويظل فكري داوود بجديته ومثابرته ونفسه الإبداعي الطويل "فلاح" الرواية المصرية العتيد، إنه الحارس الأمين على ريف الدلتا بطقوسه وموروثاته وأسراره ولغته وأغواره البعيدة، يجعل كاتبنا من قرية الدلتا مادة خامة لفن يعبق بعبق الإنسانية والأصالة.

يقول فكري في روايته "الشوك والياسمين" الصادرة ضمن "روايات الهلال": في زيارة الجمعة الفائتة، طاوع رغبته في التجوال بين الشوارع والبنايات داخل المقابر، كم من عيون واطئة تسكن جدرانها الرطوبة، بعضها يُغلق بالطين وكسر الحجارة، بينما البعض الآخر يغلق بعجينة رملية صفراء يحفر عليها بغصن رفيع اسم المتوفى وتاريخ وفاته".

وإذا انتقلت للقصة القصيرة فأنت على موعد مع قنبلة موقوتة من الشجن، مجموعة قصصية صادرة عن دار "بدائل"، لحسين عبدالرحيم تحمل عنوانًا لافتًا هو " التاريخ الأخير لعيسى الصباغ "، ومن أجواء العالم القصصي لمبدعنا نقرأ: "الساعات كثيرة تتوالى، والذكريات تترى، الأحلام والرؤى وتلك الأحداث.. وأنا الممدد فوق كرسي فوتيه، أفتش عن نفسي، فوق المقعد، بعيدًا نسبيًا عن مدخل الفندق، على صوت البحر، كنت قد بدأت أفكر في عزلتي بعمق، المقعد نبيذي محشو بالقطن ومنجد بقطيفة، يشعرني بدفء ما، أستسلم للأصوات بوعي، تنفلت ذكريات جمة، يعتليني صوت البحر، بهدر مخيف يفوق ذعر الطوفان الذي حكى لي عنه جدي البحار قديمًا في مدينة الحرق والغرق، والتي شهدت ميلاد الغلام".

أما فتحي سليمان في روايته الخاصة جدًا "شاي باللبن في الزمالك"، فيرسم بقلم كاتب كبير لوحة باذخة الجمال لمصر في زمن مدهش مضى، مصر الليبرالية الكوزمبولتانية، التي كانت تحتضن جميع الأقليات وتتنفس الجمال والهدوء، يقول فتحي واصفًا حي الزمالك، وقد تقمص روحًا أسطورية تمزج بين عظمة الفن التشكيلي وسحر الشعر: الحياة في الحي الهادئ لها طعم آخر، العمائر صممت لتستضيف البراح والخصوصية، الشمس والنور بنود مهمة، الأسقف العالية تمتص الصوت وتمنح الهواء فرصة بأن يدور ويمرح، من فوق سطح العمارة يبدأ عالميًا، مملكتي التي لا يتهمني أحد فيها بالتطفل".

وتبدو "سنوات التيه" الصادرة عن دار "المحروسة" للدكتور محمد سليم شوشة قطعة من الجمال السردي البديع بسماته التشويقية وأغواره النفسية، متعددة الأبعاد، البطل هنا شاب سوري يهرب من جحيم التنظيمات التكفيرية التي احتلت رقعة واسعة من بلاده إلى مصر؛ حيث يعيش سنوات التيه بمفهومها العصري بحثًا عن الحب والصداقة والأمان، واللافت أن شوشة معروف أيضًا كناقد وأكاديمي وله دور في الحياة الثقافية المصرية من هذه الزاوية، لكن الرجل حين يخط رواياته، يتحرر المبدع بداخله من ضوابط الناقد الصارمة.

ويستعيد عبدالنبي فرج شيئًا من "شقاوة" الطفولة وذكريات الصبا في روايته "مزرعة الجنرالات" الصادرة عن دار "الدراويش" قائلًا: أتذكر يوم فكرت في الكتابة وأنا صبي، بالضبط يوم كنا مجموعة من الصحاب، وكنا الأشد شقاوة، فلا ننام ليلًا ونهارًا، كانت الشياطين تنام الظهيرة، ونحن نسرح في الأماكن المهجورة، عند المشرحة نصطاد سحالي، ونقوم بتكسير زجاج فصول المدرسة، وتقطيع الورود من سرايا "الست"، أو نتلصص على شقق المهاجرين".

وفي القصة القصيرة أيضًا هناك مجموعة "أغار" الصادرة عن دار "العين": لشوقي عقل، والتي نقرأ منها هذا المقطع الذي يفيض رقة وعذوبة: وقف يراقب الفتاة البيضاء المتمايلة بانتشاء ويداها الشاحبتان العاريتان مرفوعتان في الهواء، وضع الفكة المعدنية المتبقية معه في العلبة الصغيرة بجانب العازف، تفرقوا بعد انتهاء الأغنية، مرت الفتاة بجواره ومعها رفيقها العازف النحيل، وهو يضع نظارة بعدسات مستديرة صغيرة، نظر إليها، قابلت نظرته بعينين فارغتين".

مقالات اخري للكاتب

الممر.. واستعلاء المثقفين!

آثرت أن أتمهل قليلا قبل الدخول على خط الجدل الذي اشتعل – ولا يزال - في المجالس وكواليس السوشيال ميديا بسبب فيلم "الممر"، والتي انقسمت نخبتنا على أثره ما

ليلة بألف ليلة!

تصيبك قصص ألف ليلة بالنشوة.. تسحرك بعوالمها الغرائبية وشخصياتها المنذورة للمغامرة والخيال الجامح.. تقرأها في كتاب.. تشاهدها في مسلسل عربي.. حيث ذكاء شهرزاد يعزف على فضول شهريار.. أو فيلم أمريكي يلعب فيه ويل سميث دور الجني خادم المصباح.. لكننا بحاجة إلى نوع آخر من "الليالي" أيها السادة!

"أصداء" رحلة داخل عقل الشباب العربي

إليك حقيقة مشوقة ولافتة للانتباه : أكثر من ستين بالمائة من سكان العالم العربي ينتمون لفئة الشباب، بإجمالي مائتي مليون فتى وفتاة.

بينالي الشارقة.. قبلة على جبين الحداثة

حللت على بينالي الشارقة الدولي للفنون، فلم أكن أعرف أني على موعد مع كل هذا الجمال وسأشرب الدهشة من بئر عميقة! أعلم أن لتلك الإمارة الهادئة المشيدة على

'آرت دبي".. فن صناعة الدهشة

أكتب إليكم من مدينة "الجميرة" القلب النابض لإمارة لا تكف عن صناعة الدهشة تدعى دبي، بدعوة كريمة؛ حططت رحالي بمدينة كوزمبالتانية، - أي عالمية - تتعايش فيها جميع الجنسيات واللغات وألوان البشرة على نحو مدهش، كأنما هي صارت منتخب العالم للسلم والتسامح.

نيبو ودرش.. شكرا على حسن تعاونكما!

أكتب إليك منتشيًا - مثلك - بـ "الأوفر" الرائع الذي صنعه مو صلاح لساديو مانيه، فانتهى آخر حلم لبايرن بالعودة في مباراته مع ليفربول بعد إحراز الهدف الثالث ضمن دوري أبطال أوروبا.

حكاية عن الفيوضات الربانية

من أين أتت زميلتنا بهذه القدرة الرهيبة على التقاط ذبذبات الروح البعيدة، وإعادة صياغتها في نصوص مدهشة تختطف من عيونك الدهشة و الدموع معًا؟ بنت الأصول الراقية

أشهر مطربي العالم.. ولا يهمنا!

مصر الكبيرة لا يليق بها إلا التعامل مع الكبار؛ فهي هوليوود الشرق وحاضرة إفريقيا وعاصمة الحضارة.

تاريخ مصر.. بين الراهب والمأذون!

أستغرب أحيانًا حين يطلقون على الهند بلد العجائب، فهذا اللقب نحن أحق به، حيث لا تنقضي عجائب مصر المحروسة ولا تنتهي غرائبها.

شعراؤك يا مصر

بعد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء، عاد الشعر ليتصدر المشهد الأدبي فيكِ يا مصر، شعراؤك الذين قاوموا تراجع معدلات القراءة وسخافات بعض الناشرين الذين يعرضون بجانبهم كلما سمعوا كلمة "ديوان" ها هم يصولون ويجولون بإبداعات مدهشة تشرح القلب الحزين.

فنانو "هرم سيتي".. ومصير تيتانك!

تجربة رائعة يخطط البعض للإجهاز عليها بهدوء؛ ليغتال كوكبة من أرقى مواهبنا ويدفن تحت تراب الفوضى رافدًا من روافد قوة مصر الناعمة.

لماذا لم تحبني السيدة نانسي؟

لم تكن السيدة نانسي سوى دليل جديد على حقيقة قديمة: لا ترتاح المرأة أبدًا لصديق زوجها حين يكون أعزب أو مطلقًا، ولو كان ملاكًا بجناحين! المختلف هذه المرة أن وقائع الحكاية جرت في العاصمة البلجيكية بروكسل؛ حين كنت مراسلًا لصحيفتي القومية الكبرى لدى الاتحاد الأوربي وحلف الناتو.

الأكثر قراءة

[x]