الحرية للحرية

13-2-2019 | 18:21

 

الحديث عن الحرية، دائمًا ما يرتبط بوجود صورة ذهنية، متمثلة في ترسيخ مفهوم ثابت، مدلوله، بسيط، ولكن مضمونه عميق، بدرجة جعلت كثيرين لا يقدرون على الوصول لعمقه، فأنت حر، تفعل ما يحلو لك، كيفما تشاء، وقتما تشاء.

ومع الحراك المجتمعي والتقدم المطرد، تغير المفهوم، وأمست هناك مساحة للحرية، فحريتك يجب ألا تتعدى على حرية الآخرين، وباتت هناك مساحة، قد لا يمكن مشاهدتها، أو تحديدها بالضبط، ولكنها مساحة تقريبية، تفصل بين حدود الحريات بين الناس.

وبرغم ذلك، ومع وجود معايير، أُتفق على وجودها، تحولت لأعراف، تختلف باختلاف البيئة الحضارية للدول، فما هو مقبول في الغرب، ليس بالضرورة يكون مقبولًا في الشرق، بل تجاوز الأمر هذا الحد، وأصبح هناك داخل نفس الدولة، أنماط مختلفة من الحرية، باختلاف البيئات المجتمعية، فما تم الاعتياد عليه في صعيد مصر، قد يختلف شكلًا ومضمونًا أيضًا، بدرجة ما عما يبدو مقبولًا في عاصمتها.

حدود الحريات وأُطرها، أمر، قد يبدو بالغ التعقيد، فحينما تكون بمفردك في إطارك الخاص، تفعل أشياء، لا يعلمها أحد غيرك، وأنت تحرص على عدم معرفتها، حرصًا على صورتك الذهنية أمام الناس.

إذن فهناك فارق واضح بين الخاص، والمسموح بحدوثه أمام الناس، فمثلا، الملابس التي ترديها في غرفة النوم، لا تخرج بها خارج المنزل، وملابسك التي ترتديها ليشاهدك بها الناس، لا ترديها وقت النوم... إلخ

إلا أننا قد نتفاجأ باختلاط بين الخاص والعام، على سبيل الحرية، وهذا يُوجد زعزعة في المفاهيم، ويُحدث شرخا في قيم تربينا عليها، فالقيم راسخة، لا تصيبها عدوى التطور، مهما بلغ مداه.

أتحدث اليوم تحديدًا عن بعض السلوكيات الغريبة، التي تكررت كثيرًا في الآونة الأخيرة، حتى باتت معلمًا مهمًا من حياتنا اليومية، وقد يكون ما أسرده قد حدث مع بعض من حضراتكم.

تذهب بسيارتك لمكان و"تركنها" بشكل سليم، لا يعيق حركة المرور، أولًا، ولا يُزعج أحدًا آخر ثانيًا، وهذا تصرف طبيعي من شخص طبيعي، وعندما تعود لتستقل سيارتك، بات أمامك أحد احتمالين، الأول أن تجدها كما تركتها، فتتحرك بها، الثاني، أن تجد سيارة أخرى، تقف بشكل يُعيق خروج سيارتك، وهنا عليك البحث عن صاحب تلك السيارة، حتى تستطيع الحركة.

منذ يومين تقريبًا، شاهدت موقفاً مماثلا مع شخص بصحبة أسرته، واقفًا تكسو الحيرة وجهه، وقد أُغلقت على سيارته منفذ الخروج، وهو يخاطب كل ما يمر بجانبه، عسى أن يكون صاحب السيارة التي أعاقت حركة سيارته، ورويدًا رويدًا، بدأ بكاء أطفاله يصبه بالتوتر الشديد، وبعد برهة طويلة من الوقت جاء أحدهم، ببرود عجيب، دون أن تنطق شفاهه بحرف واحد، ليفتح باب السيارة المُزعجة، وعندما حاول أبو الأطفال معاتبته، عنفه المُخطئ، موجهًا له اللوم على وضع سيارته بشكل سليم، لأنه جعلها عرضة لما حدث، وسط استهجان عدد لا بأس به من المحيطين، الذين عاتبوه بقسوة، ومع ذلك لم يهتم، وغادر!

للأسف هذا السلوك المشين، آخذ في التزايد بصورة أضحت مقلقة، وانحرف مفهوم الحرية وخرج عن مساره، وأثق أن هذا النموذج قد تعرض له الكثيرون.

اليوم بتنا نشاهد من تسير ببنطال مهترئ، يظهر أكثر مما يستر، تحت مزاعم الحرية، التي باتت تئن من سلوكيات الناس، بعد أن وصموها بما ليس فيها، وألبسوها ثوبًا، غير ثوبها، وتذرعوا بحجج فارغة.

الحرية تعاني، ففرض وجهات نظر ضيقة على الناس، بمزاعم غريبة، منها أن هذا ثوب التحرر أو من طور الحداثة، أو فرض النفس بالقوة على آخر ضعيف، أمر مُحزن، يفرض على المجتمع التنبه لما يجري فيه.

نعم ننادي بالحرية المنضبطة، وبالسلوك الراقي، فهناك من يحاول جاهدًا اختطاف الحرية، وحبسها في كنفه ليوجهها كيفما يشاء، فيغير وجهها المعروف لنا.

لذلك ننادي بوضوح بإطلاق الحرية لتعود مصونة كريمة، كما عهدناها، ولأن البقعة السوداء في الجلباب الأبيض هي ما تجذب النظر، أتمنى التخلص منها، حتى يستعيد الجلباب بياضه المبهج.

آمل أن ندرك أننا أمام بعض التصرفات الخاطئة، التي انتشرت في مجتمعنا مؤخرًا، وآمل أن نتكاتف لمواجهتها قبل استفحالها.

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

الضمير!

الحديث عن الضمير شيق ومثير؛ ودائمًا ما يطرب الآذان؛ ولما لا وهو حديث ذو شجون؛ يأخذ من الأبعاد ما يجعله رنانًا؛ فدائما حينما ينجرف الحوار إلى الضمير؛ تجد ما يثير شهية النفس لتدلي بدلوها في مفهومه وأهميته.

ضريبة العمل العام

حكى لي صديقي المُقرب عن أزمة يعانيها؛ نتيجة توليه مسئولية إدارة شئون عمارته التي يقطن بها؛ بعدد سكانها الكبير للغاية؛ فمنذ تولي المسئولية هو وبعض من جيرانه؛ وهو يُواجه بسيل كبير من الانتقادات والإيحاءات غير اللطيفة؛ عن كيفية إدارته لأحوال العقار القاطن به.

ضرورة وجود آلية لضبط الأسعار

لا خلاف على أن ارتفاع الأسعار من العوامل المؤثرة على قطاع كبير من المواطنين، لاسيما بعد وصولها لمستوى يفوق قدرات الكثير من الناس، وبات حديث الأسعار قاسمًا مشتركًا للناس، ودائمًا ما ينتهي هذا الحديث بتمنياتهم بنزولها.

فن اللامبالاة

إنه فن قديم؛ ظهر منذ القدم؛ مع بدايات الإنسان؛ وكان أتباعه محصورين في قلة بسيطة؛ وكان ما يميز سلوكهم السلبي؛ هو افتقارهم المهارات الإيجابية؛ فتراهم منزوين؛

ما بين البناء والهدم

انقطع التيار الكهربائي أمس في منزلي لمدة دقائق لسبب ما، وعندما كنت على وشك مغادرة المنزل، عاد التيار الكهربائي مرة أخرى، فقال لي نجلى أفضل النزول على الدرج، خشية انقطاعه مرة أخرى.

أحق يراد به باطل؟!

أحق يُراد به باطل؟!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية