خطوات الإقلاع عن لغة المسخ

11-2-2019 | 19:56

 

إلى كل من لا يعرف أن فرنسا حين أدركت خطورة الهجمة الشرسة للغة الإنجليزية على لغتها الأم، أصدرت تشريعًا عام 1994، وأطلقوا عليه اسم "لزوم الفرنسية".

ويقر بحظر استخدام أي مواطن فرنسي كلمات أجنبية لها نظير بالفرنسية، وشملت مجالات الحظر الوثائق والمستندات والإعلانات وجميع الأشكال الدعائية والمحال التجارية، وألزمت الحكومة بقصر دعمها المادي على المؤتمرات والندوات الناطقة ب اللغة الفرنسية .

واشترطت لنشر الأبحاث الأجنبية في مؤسساتها، أن يرفق بها ملخص عنها مكتوب بالفرنسية، ويمثل هذا القانون نخوة وغيرة عشاق اللغة على لغة وطنهم، وكذلك حرص المسئولون بالدولة على حماية الحضارة والتراث الفرنسي من الاندثار، ودفاعًا عن هوية الأمة، وذلك بعد ملاحظة توغل مفردات الإنجليزية عبر غزو الميديا الأمريكية بغزارة إنتاجها الفني المبهر، وفرض البرلمان الفرنسي في هذا التشريع عقوبة على المخالف بالسجن أو بدفع غرامة لا تقل عن 2000 دولار.

وللأسف في الجانب الآخر على مستوى لغتنا الجميلة نلمس هوانها على كثير في أمتنا العربية، وإشارة إلى تردي حال اللغة العربية؛ حيث شاعت بين العديد من شبابنا لغة تحتوي مكوناتها على مزيج من ألفاظ وحروف عربية ولاتينية تتخللها أرقام حسابية، وهي أقرب إلى رموز المعادلات الكيميائية أو الرياضية، وظهرت بشكل مرض مع انتشار الإنترنت والهواتف المحمولة.

ولم يعد مستغربًا بين الجميع في وطننا العربي كتابة كلمات عربية باللغة الأجنبية، ويعتقد مؤيدو هذه اللغة أنها لغة تخاطب عصري تتناسب وثقافة العولمة، وأن الواقع فرضها لتصبح لغة مشتركة تتيح التواصل مع العالم، وهذا يدفعنا إلى حذو المبادرة الفرنسية السابق ذكرها، والتي انطلقت في أواخر القرن العشرين حفاظًا على كيان اللغة الفرنسية ، وعلى النقيض نشاهد أهلنا في وطننا العربي يتركون المشكلة تتضخم ويغضون الطرف عن الانتهاكات الممنهجة في حق لغتنا الجميلة، وحراكهم تجاه الدفاع عنها يسير كالسلحفاة، ونرى إعلامنا غائبًا عن تلك القضية التي تهدد عضد الأمة، والتي تودي بها إلى تراجع كيانها أمام الأمم الأخرى، وتدفعها إلى تقويض تراثها وحضارتها.

ويكفينا أن تأتي الشهادة من علماء الغرب عن سمو مكانة لغة الضاد ، وهؤلاء من نلهث وراء الإغراق في لغتهم، فقد قال عنها العالم والمؤرخ الفرنسي " إرنست رينان ": "هذه اللغة تبدو لنا فجأة على غاية من الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشرية، فليست لها طفولة ولا شيخوخة"، وقال عنها المستشرق الأمريكي " ريتشارد كونهيل ": "قليل منا نحن الغربيين من يقدر اللغة العربية" ونعتها العالم الألماني " فريتاج ": " أغنى لغات العالم "، ويبدو أنني استغرقت في استعراض بعض الإشادات عن اللغة العربية، حتى يدرك الجيل الحالي قيمة لغة القرآن الكريم.

وفي  الوقت ذاته، لكي يتحرك الجميع بسرعة للذود عنها، ولمواجهة كل الظواهر الداعمة لترسيخ العامية ولغة المزج، أو بشكل أدق لغة المسخ المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ونريد حملة من عدة جهات للدعوة إلى إحياء المسابقات الثقافية في مجالاتها المختلفة لتحفيز الشباب على القراءة، وذلك بالتوازي مع مسابقات المواهب المنتشرة في الفضائيات الخاصة بالأغاني بالمهارات الفردية، بجانب إصدار وزارات التعليم في الدول العربية قراراتها بإلزام المعلمين وأساتذة الجامعات بالتحاور مع الطلاب وإلقاء محاضراتهم باللغة العربية الفصحى، والتوسع في إنتاج أفلام الكارتون الناطقة بالعربية، وأن تشمل الحملة تشجيع ودعم الفضائيات على تبني الموهوبين في الغناء والتمثيل باللغة العربية، حتى يسمو في الفضاء العربي والعالمي أمثال أم كلثوم، وعبدالوهاب في الغناء، وعبدالله غيث، ويوسف وهبي في فن الإلقاء والتمثيل بالعربية الفصحى.

وأخيرًا دعوة خاصة للشباب من محبي لغتنا الجميلة أن يُنشئوا صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي يتحاورون من خلالها باللغة العربية، ويحرصون على إلقاء النكات بينهم وكل ألوان الكوميديا الساخرة بنفس الكيفية، وقد نجد في البداية صعوبة في تداولها، ولكن مع مرور وقت قصير سوف يعتاد عليها باقي الشباب ثم ستلقى قبولًا شديدًا، وعند تطبيق خطوات هذه الحملة يمكن للشباب محاولة الإقلاع عن لغة المسخ، والحد من الهجمة الشرسة على لغة الضاد .

Email: khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

نحو مستقبل أخضر

الإنسانية مهددة بالهلاك.. هكذا حذر "أنطونيو جوتيريش" الأمين العام للأمم المتحدة، ولا يقصد بتحذيره انتشار رائحة الموت والدمار في مناطق كثيرة في العالم، إنما كان يناشد القوى العالمية بتصحيح الكثير من مراحل إنتاجها من أجل مستقبل أخضر واستهلاك صحي للإنسانية.

بين متعة مشاهدة المومياوات ومقبرة الجماجم

بين متعة مشاهدة المومياوات ومقبرة الجماجم

%42 ينفقها البشر من دخلهم على الحيوانات

قرأت خبرين أحدهما يشعرك بالأسى، والثاني يثير الضحك وسخريتك، ويقول الخبر الأول أن عدد فقراء العالم ارتفع إلى ما يزيد على مليار نسمة نتيجة جائحة كورونا، والآخر يذكر إحصائية رصدها موقع "هوتيلز دوت كوم" أن الفنادق المسجلة لديه لإقامة الحيوانات الأليفة تبلغ نحو 325 ألف فندق حول العالم.

أطفال جواسيس برعاية دولية

واقع مرير يعيشه كثير من أطفال هذا العصر، والأشد مرارة استغلال أجهزة مخابرات دولية الأطفال في عمليات استخباراتية، وبداية الإحساس بوجع القلب على حياة هؤلاء الأطفال من وقت ما تخلت الآباء عن تربيتهم، وما ترتب عليه من ذوبان الأطفال في عالم الشقاء.

أنظمة دفاعية لحماية المرأة

"إللي يشوف بلوة غيره تهون عليه بلوته"، أي على الغاضبين من حوادث التحرش أن يهونوا على أنفسهم، لأن الذعر قد يصيبهم حينما يرون ما يفعله الرجل الفرنسي من مصائب في حق النساء.

السلام الداخلي طريق البقاء على القمة

انتشر الحديث عن الإحساس بالقلق والاكتئاب كانتشار النار في الهشيم، ولم تخل الأدعية المتداولة بيننا عن التوسل إلى الله لزوال الهم والغم، والكلام عن أسباب غزو الاكتئاب في النفوس يطول شرحه، والسبب الواضح هو تكرار الكوارث والحوادث القاتلة في كل منطقة عربية.

أوروبا تمحو بنين وكوماسي الإفريقية

في الأسبوع الماضي بدأنا الحديث عن الخطوات التي يجب أن نسلكها ليكون عندنا إعلام مصري حقيقي يحقق طموحاتنا ويستعيد ريادتنا الإعلامية في المنطقة في ظل التحديات

اختطاف الأطفال أكثر الجرائم ثراء

لهم الله أي أب وأم يختطف ابنهما، وتكون البشارة لهما إذا طلب مختطفوه فدية، وغير ذلك تكون الحسرة لوالديه مدى الحياة، ويصبح مصيره مجهولا، وهذا الوضع المخيف

احذري زوجك رومانسي جدا

منذ أبونا آدم راسخ في العقول أن معشر الرجال يقع عليهم الهم الأكبر والمسئولية كلها ولا يحق للرجل التعبير عن مشاعره وإذا تهاون أو قصر في أحد مهامه المكلف

حكايات عن نكرانهم الجميل

إنها الحقيقة مهما حاولوا تزييفها، وهي نكران الغرب للجميل على طول العصور، وأن كثيرًا منهم يعضون اليد الممدودة لهم بالخير، وعدد من رواد الفكر والاقتصاد

ما بعد كورونا

يشترك الإنسان مع الفيل في ارتداء الكمامة، وأرغم الحجر الصحي الهنود في وقف الاعتداء على المسلمين، ونفس الحال على مستوى العالم، هدأ صوت الرصاص في منطقة الشرق

[x]