١١ - ٢ – ٢٠١١

8-2-2019 | 22:39

 

أنا واحد من الذين يعتبرون الساعة السادسة مساء يوم الجمعة ١١ فبراير عام ٢٠١١ يومًا تاريخيًا في حياة مصر؛ بغض النظر عما حدث فيما عرف بثورة ٢٥ يناير، فقد كان ذلك اليوم نهاية مرحلة بأكملها بحلوها ومرها.

وكان تنحي مبارك عن الحكم - بعد ٣٠ سنة، و١٨ يومًا من المظاهرات المليونية وتسليم أمور البلاد للمجلس العسكري – ليس مفاجأة؛ فقد أشار لتلك الخطوة اللواء عمر سليمان أكثر من مرة، خلال الاجتماعات التي كان يعقدها مع القوي السياسية عقب اندلاع الأحداث، ولم يكن من المخطط أن يلقي عمر سليمان بيان التنحي، ولكن كان الرئيس الأسبق هو الذي سيلقيه بنفسه، وظل قطاع الإنتاج بالتليفزيون ينتظره أكثر من أربع ساعات - على حد معلومات عبداللطيف المناوي، رئيس قطاع الإنتاج أيامها - وكان قد تم إذاعة البيان عقب وصول مبارك وأسرته لمدينة شرم الشيخ في الثانية عشرة ظهر يوم إذاعة البيان.

وفيما يبدو أن الرجل كان قد وصل لقناعة باستحالة الاستمرار؛ خاصة بعد السماح للمظاهرات بالاقتراب من سمعه، ومطالبتها له بالرحيل، وفِي هذا اليوم تشاور مبارك مع وزير الدفاع حسين طنطاوي، وتم الاتفاق على أن يقوم سليمان بإذاعة البيان بدلًا منه، وبدلا من أن يقوم به أحد ضباط المجلس العسكري؛ حتى لايعطي الانطباع بأن ما جرى انقلاب عسكري.

ووصل البيان لمبنى التليفزيون، وظلوا في انتظار إذاعته ثلاث ساعات، ريثما يغادر كل من جمال وعلاء إلى شرم الشيخ، وحتى هذه اللحظة كان مبارك يشعر بخيبة الأمل؛ بل وكان يشعر بحالة التجني عليه، ولم يقدر الناس ما فعله لهم - على حد وصف بعض من كانوا حوله - خاصة بعدما استجاب لكل مطالب الشارع.

ولكن الرجل لم يكن أحد يجرؤ على إبلاغه بأن أهم مشكلاته أنه لم يكن يتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب طوال عمره؛ بل كان شديد الحذر، فكانت قراراته دومًا متأخرة؛ بمعنى أن ٢٥ يناير اندلعت في البداية للاحتجاج على ممارسات حبيب العادلي ورجاله، وكان يمكن لمبارك - مثلا - أن يقيل وزير الداخلية، ولو أن الرجل اتخذ مبكرًا بعض القرارات التي اتخذها بعد اندلاع الأحداث؛ لربما صنع المصريون له تماثيل في الشوارع، وكان يمكن تجنب مصر كل هذا الخراب لو نفذ أحكام محكمة النقض في تزوير انتخابات البرلمان، أو لو أعلن بطريقة حاسمة أنه لن يورث الحكم لابنه جمال.

وفِي ظني أن مشكلة مبارك - التي أصبحت مشكلة مصر - كانت فيمن حوله من رجال، فقد ظلوا يدعمون الجمود بزعم أنه استقرار، وفِي حقيقة الأمر فقد كانوا يحافظون على أوضاعهم؛ بعد أن توحشوا في السلطة حتى اللحظات الأخيرة، وصمت آذانهم عن سماع هدير الشوارع، وراحوا يعقدون الأمور، وكانت كل تقديرات الموقف خاطئة؛ وهي كارثة في قمة السلطة أن تكون غير قادرة على قراءة الأحداث وإصدار القرارات المناسبة لتجنب تفاقم الأوضاع، بل إن الساعات الأخيرة قبل التنحي تحتاج لعمل درامي يكشف فيه المشاجرات والاختلافات والتشنجات في الدائرة التي أحاطت بمبارك؛ بدءًا من السيدة سوزان وعلاء وجمال وزكريا عزمي وفتحي سرور وأنس الفقي، خاصة أن فكرة التنحي كانت مطروحة للتنفيذ قبل ٤٨ ساعة، وكان هناك اجتماع رباعي ضم عمر سليمان، وأحمد شفيق، والمشير طنطاوي، والفريق سامي عنان، وتم الاتفاق على التنحي، وطلبوا من عمر سليمان إبلاغ مبارك، وبالفعل حادثه تليفونيًا، ولكن الاجتماع فوجئ بسؤال مبارك لماذا التنحي، وقد نقلت لك الاختصاصات، وبعد نقاش وافق مبارك على التنحي، وطلب منه أن يستبدل كلمة التنحي بكلمة التخلي.

وبعد دقائق من إذاعة البيان أدى المتحدث باسم القوات المسلحة التحية لشهداء الوطن، وقال في بيان تقدير القوات المسلحة لموقف الرئيس مبارك على موقفه الوطني في تفضيل المصلحة العليا للوطن، وبعدها سادت شوارع مصر حالة هستيرية ممزوجة من الفرحة والقلق؛ خاصة بعد الاحتفالات الهستيرية لحركة حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والبيت الأبيض في واشنطن، واحتفالات قناة الجزيرة وقطر وتركيا؛ التي راح الإخوان يرقصون على عزفهم، وراحت مانشيتات الصحف تتبدل وتكتب باللون الأحمر، الشعب أسقط النظام وانتصر الشعب.

وظن الجميع أن ذلك اليوم كان هو النهاية، ولكنه كان بداية السقوط للجميع في قبضة الإخوان، حتى نهض الشعب من غفوته بعد عام، وحاول استرداد مصر المخطوفة.

ولكن يبقى الدرس في أن الديمقراطية أشد استقرارًا، وأقل عرضة للثورات والانقلابات؛ ذلك لأن الديمقراطية هي حكم الشعب، وبالتالي فإن الشعب لا يثور على نفسه.

مقالات اخري للكاتب

بعض ما حدث للمصريين

كانت ٢٥ يناير هي قمة الدراما لما حدث في مصر خلال ثلاثين عامًا، قبلها تغيرت تمامًا تركيبة المجتمع من ١٩٨١ حتي ٢٠١١، كما لم تتغير مصر من قبل في كل شىء حتي إن انقلب البلد رأسًا على عقب، وأصبح بلدًا غير البلد تمامًا.

إكرام الميت دفنه في أرض الله

سامح الله بعض المواقع الإلكترونية، فقد نشرت يوم الأربعاء ٢٣ يناير خبرًا منسوبًا لرئيس البرلمان، يقول فيه: إن تكلفة نقل الجثامين مرهقة، والدولة لا تستطيع

لا تؤجل فالعمر قصير

كل آمانينا مؤجلة ومعظم أحلامنا مرجأة وكثير من مشروعاتنا لاتزال في غرف الانتظار والأشياء العالقة في المنتصف لوقت محتمل والآمال التي تركناها على قارعة الطريق والأشواق التي علاها الغبار علي رفوف الانتظار.

البث الرقمي الآن وليس غدًا

في العالم ثورة هائلة ومتسارعة للبث التليفزيوني الرقمي، تتيح للمشاهدين الحصول على صورة أكثر نقاء ووضوحًا، والتخلص من الخيالات المتشكلة في أماكن الاستقبال

العمر لحظات من السعادة

ودرس العمر ألا شيء مضمون في هذه الحياة غير الرضى والقناعة؛ ذلك لأنه لا الفهم ولا القوة ولا الفهلوة ولا السلطة ولا الأموال قادرة على صنع السعادة الأبدية، ولا يوجد بشر منذ الخليقة ضامن لحالته بعد لحظة واحدة، ومن هنا فإن السعيد حقًا هو من يفهم تلك الحقائق البسيطة.

الشعب وحده هو البطل

ربما كان الرئيس السيسي هو الوحيد الذي يذكر بها بعض المنبهرين بأن الشعب هو البطل، وهو من تحمل كل الفواتير.