وثيقة الأخوة الإنسانية في الميزان

8-2-2019 | 21:53

 

لا ينكر عاقل ما قدمه الأزهر الشريف والدولة المصرية من خطوات فاعلة في تجديد الخطاب الديني فيما يمس العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وخير دليل على ذلك جولات فضيلة الإمام الأكبر في الشرق والغرب، لإحداث التقارب الفكري والحضاري بين الأديان، ونشر ثقافة التعاون والسلام بين الشعوب بشكل حقيقي في الأعوام المنصرمة.

وفي ذات الاتجاه وفي سبيل تقوية العلاقة مع الآخر، أقام الأزهر الشريف منذ شهور قليلة مؤتمره: "الإسلام والغرب تنوع وتكامل" من أجل التأكيد على مفاهيم التعايش السلمي الإنساني بين البشر، وأن الأديان السماوية في حقيقتها وجوهرها ما جاءت إلا لتحقيق مصلحة الإنسان، والإعلاء من قيمة الإخاء الإنساني، والتسامح، من أجل إسعاد البشرية.

وقبل أيام قليلة عُقد لقاء الكبار، كما أطلق عليه البعض بين فضيلة الإمام الأكبر، والبابا فرانسيس، في دولة الإمارات العربية الشقيقة، والذي أثمر عن وثيقة الأخوة الإنسانية، التي تستحق أن تكتب بماء الذهب، وأن تدرج في المقررات الدراسية في كل دول العالم، في شتى مراحل التعليم المختلفة، وأن تقام بشأنها الندوات، والحوارات، والمؤتمرات، في شتى وسائل الإعلام المختلفة، نظرًا لما تضمنته من أمور تمثل دستورًا للإخاء الإنساني بين الشعوب، والذي أكده القرآن الكريم بقوله: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" الحجرات : (13(

ليؤكد بذلك حقيقة جلية هي أن الحضارات الإنسانية والأديان السماوية لا يمكن أن تقوم على الصراع والتصادم على النحو الذي يروج له البعض في الشرق أو الغرب، وإنما هي في الواقع تدعو إلى التعاون لا التباين، للارتقاء بمنظومة الحياة، والأخلاق لدى البشر.
وهذه الوثيقة من شأن الاهتمام بها أن تؤدي إلى كثير من الأمور المهمة على مستوى شعوب العالم، أهمها:

- ترسيخ معاني السلام بين الشعوب، وتأكيد أن العلاقة بين الشعوب قائمة على السلام والحب والتعاون، وليس الكراهة، وليس أدل على ذلك ما ذكره القرآن الكريم حكاية عما جاء في شريعة بني إسرائيل، ما يجرم المساس بالنفس الإنسانية بصفة عامة بغض النظر عن العقيدة، قال تعالى: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ" المائدة : (32)

-  نبذ الإرهاب والتعاون الإنساني بين الشعوب، من أجل مواجهة موجات التشدد، والعنف، الذي تتبناه الجماعات الإرهابية في كل الأديان، من أجل تحقيق الخير للإنسانية، والحفاظ على الأمن والأمان لدى الشعوب.

-  نبذ الحروب التي تقع بين الشعوب، والعمل على استخدام البدائل السلمية لحد النزاعات بين الدول، حفاظًا على النفوس الإنسانية من أن تراق دماؤها بسبب ما يحدث من حروب.

-  تأكيد حقوق المواطنة بين الشعوب، بحيث يكون الجميع متساوين في الحقوق والواجبات، ولا يحدث تمييز بينهم على أرض الواقع بسبب المعتقد أو غيره.

-  ترسيخ حرية العقيدة بين الشعوب، وهذا المعنى أكده القرآن الكريم في قوله تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" البقرة: (256)، وقال تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" يونس: (99(

-  تأكيد وجود المشترك الكبير بين الشعوب، وأن البناء على المشتركات الإنسانية، والتعظيم من شأنها، واحترام خصوصية الآخر، وحقه في حرية الاختلاف في العقيدة، أو غيرها مما يعظم من معاني التعايش السلمي بين البشر.

إن مصر الأزهر بدورها الريادي – من خلال فضيلة الإمام الأكبر ومؤسسة الأزهر الشريف - تقدم للإنسانية أعظم وثيقة لخدمة الإنسانية والبشرية، من شأن الاهتمام بها، وتفعيلها، ترسيخ معاني السلام، والتعاون الإنساني، ونبذ الكراهية، والقدرة على مواجهة موجات العنف الأسود التي تقض مضجع البشرية بأسرها.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله الأزهر الشريف

كاتب المقال:
أستاذ الفقه المقارن، وعميد كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر