مرحبا بكم للرقص والغناء في "كاشغر"

10-2-2019 | 20:04

 

في حياتي لم أشهد شعبًا يتمتع بهذا القدر الوفير من الإقبال على الحياة، والحيوية والبهجة، والهمة والنشاط، وكرم الضيافة، مثلما رأيت- بعيني- هذه الصفات المبهجة، في ولاية كاشغر، بمنطقة شينجيانغ الويغورية، الذاتية الحكم، بالقرب من الحدود الغربية الصينية، مع أفغانستان وباكستان وقرغيزستان وطاجيكستان.

كاشغر، واحة صينية متفردة، يرجع تاريخها إلى أكثر من ألفين ومائة سنة، ملتقى الحضارات الهندية واليونانية والعربية والفارسية والصينية، ذات موقع حدودي إستراتيجي مهم، كونها تقع في مفترق الدروب، الجنوبية والشمالية والوسطى، في داخل الصين، ونقطة بداية طريق الحرير القديم، في خارج الصين.

رأيت مدينة كاشغر القديمة في ثوب جديد، استمعت - بكل جوارحي- إلى تطلعات أهلها الطيبين، الذين ينتظرون – بلهفة - أن تستعيد ولايتهم الويغورية - الصينية أمجادها، وسابق عهدها الذهبي، وتتذوق من جديد ما اكتسبته عبر التاريخ من ألقاب تستحقها بجدارة، مثل: بلد الغناء والرقص، بلد الفواكه، بلد الذهب واليشم، وتصبح- كذلك - محورًا للأعمال وللثقافات المختلفة، بعد أن نجت بجلدها أخيرًا مما ابتليت به من وباء النعرات الانفصالية الشرسة، والأنشطة الإرهابية القذرة.

في شهر رمضان المعظم، الموافق لـشهر أغسطس من عام 2010، زرت مدينتي أوروموتشي وتوربان، التابعتين لمنطقة شينجيانغ الصينية الويغورية، ذات الأغلبية المسلمة (نحو 20 مليون نسمة) وتمثل سدس مساحة الصين، وتمتلك 30 في المائة من ثروة نفط الصين، و40% من الغاز، و40% من الفحم، بالإضافة إلى أن المنطقة تجاور 8 دول في وسط آسيا، بحدود 5600 كيلو متر.

زيارتي لتلك المنطقة، التي تعد أبعد نقطة من البحر في العالم - منذ 9 سنوات - كانت بهدف التعرف - عن قرب - على ظروف أمنية وحياتية بالغة الرعب والخطورة، كان السكان يعيشونها في ذلك الوقت، لازدياد أحداث عنف وإرهاب دامية، نتيجة قيام البعض بإساءة تفسير الإسلام، وإثارة عداوات ضد من سموهم بالكافرين، وقد راح ضحية لهذه الأحداث آلاف القتلى والجرحى، من أعراق تصل إلى 17 قومية، في مقدمتها، الهان، التي تمثل غالبية الصينيين، بالإضافة إلى الويغور وهوي وطاجيك، وغيرهم.

في أواخر شهر يناير الماضي، 2019، وتلبية لدعوة كريمة من المكتب الإعلامي بمجلس الدولة وسفارة الصين في القاهرة، قمت ثانية بزيارة شينجيانغ الويغورية، الذاتية الحكم، ضمن وفد إعلامي مصري، بهدف فهم حقيقة ما تشهده المنطقة، وبالذات، فرز وتمييز ما تردده الأبواق الإعلامية المناهضة للصين، بأن بكين تشن حربًا على الثقافة الويغورية، وتريد سحقها، وأن هناك حوالي مليون مسلم ويغوري اختفوا في معتقلات، فيما الملايين الآخرين، من الويغوريين، يتعرضون للقمع والزج بهم في السجون، ويفتقدون إلى أبسط حقوق الإنسان.

حسب ما فهمت، فقد كان الوفد الإعلامي والصحفي المصري، هو الأول من نوعه على الصعيدين المحلي والأجنبي، الذي أتيحت له فرصة زيارة مراكز التدريب والتعليم المهنية، تقديرًا لعلاقة الصداقة الخاصة بين القاهرة وبكين، إلى جانب السماح للوفد بتفقد الأسواق والمزارع والمصانع والمستشفيات والمساجد والمؤسسات التعليمية، في الولايات الجنوبية لمنطقة شينجيانغ، الذاتية الحكم.

ومما يؤكد الشفافية وانفتاح السلطات الحكومية الصينية، وثقتها بالنفس، وأنه ليس لديها ما تخفيه أو يعيبها، بالذات تجاه ما يتردد بخصوص مراكز التدريب والتعليم المهنية لمواطنيها من قومية الويغور، فقد نظمت الصين زيارة تفقدية مسبقة لمنطقة شينجيانغ، في أواخر شهر ديسمبر المنصرم، لمبعوثين دبلوماسيين من 12 دولة أجنبية، هي: روسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان والهند وباكستان وإندونيسيا وماليزيا وأفغانستان وتايلاند والكويت.

السيد جيانج جيان قوه نائب رئيس دائرة الدعاية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حرص، خلال الالتقاء به، على مطالبة الوفد الإعلامي والصحفي المصري بأن يتأكد بنفسه، وعلى الطبيعة، في أثناء زيارته مراكز التدريب والتعليم المهنية، من مدى صحة ما تبنته الحكومة المحلية في منطقة شينجيانغ من سياسة المكافحة والوقاية في مواجهة الأنشطة الإرهابية والتطرف الديني، مع مراعاة التوازن بين توقيع العقوبات على الجرائم وحماية حقوق الإنسان، تلك السياسة التي أثبتت فعاليتها بنجاح ساحق، بدليل أن المنطقة لم تشهد أي حادث إرهابي لـ 26 شهرًا متتاليًا منذ بدء عملها.

لا أود الإطالة في الحديث عما شهدته من إنجازات، ومعاملة حضارية راقية وتقدير وترفيه، لمواطني قومية الويغور، من الشباب الصينيين المقيدين والمقيمين، في العديد من مراكز التدريب والتعليم المهنية، التي زرتها في كاشغر؛ لأن الإطالة مضيعة للوقت.

يمكن اختصار المشاهدات الميدانية بقول واحد: إن حكومة الصين نجحت – بامتياز - في اتباع سياسة للمكافحة والوقاية، بإنشاء تلك المراكز، التي ينصب دورها على معالجة الأسباب الجذرية والأعراض السافرة للأنشطة الإرهابية والتطرف الديني، بتعليم اللغة والقانون، وكذلك المهارات الحرفية والمهنية، التي تمكن خريجي هذه المراكز من الالتحاق بوظائف جاهزة ومجزية تنتشلهم - هم وأسرهم - من مظاهر الفقر والجهل والبطالة، التي تعد مسرحًا نموذجيًا للتطرف الديني والإرهاب.

الأهم الذي يجب التركيز عليه - من وجهة نظري - هو كيف يجري الاستعداد، الحكومي والأهلي- على قدم وساق- لكي تصبح ولاية كاشغر، والمحافظات المجاورة لها، لؤلؤة غرب الصين، وواحدة من أحدث المناطق الاقتصادية المزدهرة، المرتبطة بدول آسيا الوسطى المجاورة، وليتحقق حلم شعب كاشغر الويغوري العريق، بأنه كما باتت "شنتشن" الصينية نموذجًا للتقدم والازدهار في شرق البلاد، تصبح كاشغر-كذلك- في الغرب.

يقول مثل شعبي في كاشغر: في البازار يمكنك أن تشترى كل شيء إلا الشمس والقمر!!

والبازار في كاشغر يجمع بين السكن والتصنيع والبيع، والسياحة الداخلية والخارجية الوافدة على المنطقة بلغت 150 مليون زائر في العام الماضي، وتفاصيل أخرى للنهضة والبهجة في مقال جديد الأسبوع المقبل بإذن الله.

kgaballa@ahram.org.eg

مقالات اخري للكاتب

الرئيس عبدالله.. والصراط "الأفغانى" المستقيم

بعد انتهاء مهمتي فى كابول، كمشارك في أعمال منتدى العلامة والرائد الفذ، جمال الدين الأفغاني، وقبل ساعات قليلة من مغادرة البلاد، أبلغني السفير المصري، القدير،

هنا كابول.. في حضرة "العلامة" الأفغاني

لو كان معاصرًا لزماننا، تُرى ماذا كان فى وسعه أن يفعل، العلامة العبقرى، جمال الدين الأفغانى، نحو موطنه العزيز، أفغانستان، الذى يتعرض لكل صنوف المحن والغزو الخارجى والفتنة والدمار، منذ أكثر من أربعة عقود، ولا أمل يلوح فى الأفق، أمام شعبه - الصابر المثابر- فى سلام ووئام، وحل جذرى لكل همومه؟

صفحة مضيئة في علاقتنا مع السعودية

تستهويني جدًا عادة البحث والتنقيب فى كتب التاريخ المعاصر عما كان يفعله الآباء والأجداد فى ظروف معيشية تبدو أكثر حميمية وعفوية مما نحن عليه الآن.

قالوا في المثل "إيتشي كا باتشي كا"؟!

ترجمة هذا المثل من اليابانية إلى العربية تعنى: "يا صابت يا خابت"..أو "يا طابت يا إتنين عور.. أو "يا راحت يا جت"!!

زيارة مصر حلم كل طفل في الصين

مصر هي الأفضل لوجهة السائحين الصينيين.. هذا ما رأيته بعيني في رحلتي السفر والعودة، أواخر شهر يناير الماضي، حيث امتلأت- عن آخرها - مقاعد الطائرتين، المصرية والصينية، بالركاب، ما يؤكد الطفرة، التي حققتها صناعة السياحة المصرية، ومدى إقبال الصينيين على زيارة مصر، باعتبارها الوجهة المفضلة.

كشف حساب أكاديمى لمعجزة الصين في شينجيانغ

في عالمنا العربي، جرت العادة أن نقول: لابد من صنعاء ولو طال السفر.