"وثيقة الأخوة الإنسانية" (1)

7-2-2019 | 19:33

 

دائمًا وأبدًا تحمل لقاءات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين، والبابا فرانسيس الثاني بابا الفاتيكان، تجسيدًا لصور السماحة والصدق الإنساني في أسمى معانيه، وها هو ذا لقاؤهما يتجدد بمشاركتهما في أعمال المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية الذي نظمه مجلس حكماء المسلمين بأبوظبي بدولة الإمارات العربية، الذي انطلقت فعالياته من الأحد حتى الثلاثاء الماضي الخامس من فبراير، بحضور كوكبة من رجال الفكر والأدب والسياسة والإعلام، ترسيخًا لمفهوم الأخوة الإنسانية، واستثمارًا لقواسم مشتركة بين الأديان، ونشرًا لقيم التسامح والسلام العالمية.

في هذا اللقاء التاريخي الفريد، ولدت وخرجت للنور أعظم وثائق القرن الحادي والعشرين، متمثلة في توقيع الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين، والبابا فرانسيس الثاني بابا الفاتيكان "وثيقة الأخوة الإنسانية"، التي سوف يذكرها التاريخ الإنساني والبشرية جمعاء، مسجلًا إياها بأحرف من نور لعظيم الجهود الطيبة التي يدشنها أحد أهم رموز الدين والإنسانية والتسامح والسلام في العالم كله، ولتعكس بصدق سعي إسلامنا الدءوب للقيم الأخلاقية السامية، أينما كانت، وفي أي زمان، مسترشدة بأول وثيقة تتصف بالمواطنة والسماحة والإنسانية واحترام الغير بعقائده المخالفة، التي دشنها رسولنا القدوة "صلى الله عليه وسلم"، وعرفت بوثيقة المدينة المنورة؛ ولتعكس كذلك مكانة الأزهر الشريف جامعًا وجامعة، الأكثر والأصدق تعبيرًا وتمسكًا بمنهج الإسلام الحنيف، وتعاليمه الوسطية المعتدلة التي تدعو لنشر ثقافة السلام والعدالة واحترام الغير، بديلًا عن ثقافة الكراهية والظلم والعنف.

على مدار عام ونصف العام من الجهود الصادقة بين مجلس حكماء المسلمين برئاسة إمامنا الأكبر، والفاتيكان برئاسة البابا فرانسيس الثاني، تم وضع تلك الوثيقة المباركة، "وثيقة الأخوة الإنسانية"، انطلاقًا من إيمانهم الذي يرى في الآخر أخًا له، يؤازره ويحبه، مقدمًا يد العون لكل إنسان، لا سيما الضعفاء منهم والأشخاص الأكثر حاجة وعوزًا، حتى وإن اختلف معه عقائديًا، من هذه المعاني المتسامية، وفي عدة لقاءات سادها شعور الأُخوة الصادقة، تشارك فيها الرجلان حديثهما عن أفراح العالم المعاصر وأحزانه وأزماته، والآلام التي يعانيها العديد من إخوتهم في الإنسانية بمناطق العالم المختلفة، نتيجة سباق التسلح، والظلم الاجتماعي، والفساد، وعدم المساواة، والتدهور الأخلاقي، والإرهاب، والعنصرية والتطرف، وغيرِها.

جاءت "وثيقة الأخوة الإنسانية" لتكونَ إعلانًا لميثاق إنساني أخلاقي مشترك لنوايا صالحة وصادقة، ودعوة لكل المؤمنين بالله وبالأخوة الإنسانية أن يتوحدوا، عاملين معًا في جعل هذه الوثيقة دليلا للأجيال القادمة، وأخذًا بيدهم وقلوبهم إلى الإيمان بثقافة الاحترام المتبادل للآخر.

وكم كان جميلًا أن تستفتح الوثيقة باسم الله خالق البشر جميعًا، مذكرة إيانا - على اختلاف عقائدنا - أننا متساوون في الحقوق والواجبات والكرامة، وأنه سبحانه دعانا للعيش كإخوة فيما بيننا لنعمر الأرض، وننشر فيها قيم الخير والمحبة والسلام، مستفتحة أيضًا ومذكرة بالنفس البشرية الطاهرة التي حرم الله إزهاقها، وبالفقراء والبؤساء والمحرومين والمهمشين الذين أمر الله بالإحسان إليهم، ومد يد العون للتخفيف عنهم، وبالأيتام والأرامل، والمهجرين والنازحين من ديارهم وأوطانهم، وكل ضحايا الحروب والاضطهاد والظلم، والمستضعفين والخائفين والأسرى والمعذبين في الأرض، وبالشعوب التي فقدت الأمن والسلام والتعايش، وبالأخوة التي أرهقتها سياسات التعصب والتفرقة، التي تعبث بمصائر الشعوب ومقدراتهم، ليعلن الأزهر الشريف - ومن حوله المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها - والكنيسة الكاثوليكية - ومن حولها الكاثوليك من الشرق والغرب - تبني ثقافة الحوار دربًا، والتعاون المشترك سبيلاً، والتعارف المتبادل نهجًا وطريقًا.

لتكون هذه الوثيقة درعًا تحمي كل تلك الفئات سابقة الذكر من نوائبهم، وأملًا في حياةٍ أفضل وغدٍ مشرقٍ أطيب لهم، وزادًا يستعينون به ويذود عنهم مما لحق بهم ويتجرعونه من بأس وشقاء، وشاهدًا حيًا من أكبر رمزين للأديان السماوية في العالم على تجديد لغة التسامح والإنسانية والعقلانية والبر والود، لسانًا عمليًا لأخلاق متبعيهم في العالم كله.

دار الإفتاء المصرية برئاسة فضيلة مفتى الجمهورية الدكتور شوقي علام لم تكن بمنأى عن "وثيقة الأخوة الإنسانية"، هذا الحدث الدولي الرائد، إذ خرج المؤشر العالمي للفتوى الصادر عنها، معلقًا أن مخرجات المؤسسات الدينية الإفتائية ساهمت في تحقيق الوئام المجتمعي بين أتباع الأديان بخمسة وعشرين في المائة من فتاويها، ودعمت قيم الأخوة الإنسانية، فأصدرت "إنفوجرافيك" يحمل إحصاءات تتمثل في إصدار خمسمائة وألف فتوى خاصة بالتعايش والتسامح، في حين تسعة وأربعين من فتاوى التنظيمات الإرهابية الخاصة بالتسامح والتعايش مع الآخر، تكرس للكراهية والعنف ونبذ الآخر.

هكذا يثبت إمامنا الأكبر فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين - يومًا بعد يوم، وموقفًا بعد موقف- بأعماله العظيمة، المقدرة، مدى جدارته بمنصبه الجليل، وإبراز سماحة ومكارم أخلاق ديننا الإسلامي الحنيف، وأن أزهرنا الشريف سيظل منارة تضيء السبل للتائهين والحيارى، مقيمًا للدين في مشارق الأرض ومغاربها، مسترشدًا بقدوتنا وأسوتنا الحسنة نبينا "صلى الله عليه وسلم"، في رقي وسمو تعامله وعلاقته وأخلاقه مع المخالفين له في العقيدة، سواء أكان أرباب الأديان السماوية الأخرى، أم حتى الوثنيين والملحدين.. وصدق ربنا سبحانه: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ".. والحديث موصول إن شاء الله بحوله وقوته.

amnt4@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

"وثيقة الأخوة الإنسانية" (1)

​دائمًا وأبدًا تحمل لقاءات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين، والبابا فرانسيس الثاني بابا الفاتيكان، تجسيدًا

بناء الشخصية والهوية الوطنية (2)

عطفًا على ما كتبته بمقالي السابق حول بناء الشخصية والهوية الوطنية، وتبني وزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية المثمن لهذه القضية في مؤتمرهما "بناء

بناء الشخصية والهوية الوطنية (1)

على مدار يومي السبت والأحد الماضيين، وعبر سبعة محاور، تصب في بناء الشخصية والهوية الوطنية، ودور مؤسسات الأوطان في ذلك، عقد بالقاهرة المؤتمر التاسع والعشرون

هكذا يزيفون تاريخنا!

استوقفني مستفزًا خبر نشر أمس الأول الأربعاء بأحد المواقع الإخبارية مفاده أن إسرائيل تواصل تزييف التاريخ، وتمحو آثار بلدة إسلامية مكتشفة حديثا، قرب القدس

هل فهمت يا ولدي؟

عاتبني ولدي منتقدًا ما كتبته عنه وأبناء جيله من نشئنا وشبابنا عن استقائهم أخلاقهم ومبادئهم وخبراتهم التربوية والعملية والاجتماعية والحياتية من علماء الغرب،

من أين يستقون أخلاقهم (2)؟!

عطفًا على مقالي السابق، المتسائل فيه متعجبًا، من أين يستقي شبابنا ونشؤنا أخلاقهم؟ أقول إنه كان هناك الكثير من المطالبات والنداءات بإعادة بناء الهوية والشخصية