التنقيب عن الآثار يستبيح الحضارة.. العقل المدبر "شيخ منصر" والمتهم مهووس بالثراء.. وخبراء: المؤبد لا يكفي

6-2-2019 | 18:54

التنقيب عن الآثار

 

إيمان فكري

فتحت قضية ضبط الإدارة العامة لشرطة السياحة والآثار، لحفائر تنقيب عن الآثار أسفل منزل بالقرب من منطقة الأهرامات، بطريقة غير مشروعة، ملف التنقيب "خلسة" عن الآثار بطرق غير مشروعة. كما قادت هذه القضية إلى الكشف عن مقبرة أثرية بالقرب من منطقة أهرامات الجيزة، تحتوي على 6 تماثيل جدارية منحوتة في الصخر مهشمة الرأس وبعض الأرجل، وإناء فخاري مهشم الفوهة.

البحث عن الثراء
"فكرة التنقيب عن الآثار" وبيعها في مصر، حيث المدن المبنية على أطلال مدن فرعونية كاملة، لم تعد مجرد عمل أو بحث، بل أصبحت أقصر الطرق لتحقيق حلم الثراء السريع، فلا يمضي وقت قصير حتى يتم إعلان  القبض على مجموعة من الأفراد أثناء قيامهم بالتنقيب عن الآثار داخل عقار سكني، وفي البداية كانت هذه الحوادث قاصرة على محافظات الصعيد، ولكن الآن وصلت لقلب القاهرة، خاصة داخل الأحياء القديمة التي تشتهر بوجود قطع أثرية أسفلها.

هناك حالة من الهوس لدى البعض من الشعب المصري للحلم بالثراء السريع، مما يتطلب تحرك الدولة سريعا في اتخاذ بعض الإجراءات لوقف عمليات التنقيب والحفر خلسة عن الآثار، بتشديد أقصى العقوبات، والعمل سريعا على تسجيل الأماكن الأثرية بالكامل، وزيادة الحراسة المشددة على المواقع والمناطق الأثرية، وعمل دوريات أمنية للحد من انتشار هذه الظاهرة، حيث إنه يعد إهدارا لتاريخ وحضارة المصريين والآثار المصرية.

وتفتح "بوابة الأهرام" ملف التنقيب عن الآثار، للكشف عن أسباب زيادة التنقيب غير المشروع، وما هو دور الدولة في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، وما مدى تأثر ذلك على السياحة المصرية، ومتى يتوقف إهدار البعض للآثار المصرية، وما رأي الدين في اعتقاد البعض أن الآثار المتواجدة في أسفل منازلهم هي ملك لهم وليس للدولة.

فتاوى دينية لـ"شيوخ التنقيب"
انتشرت أعمال الحفر خلسة بشكل جنوني بعد عام 2011، نظرا لحالة الانفلات الأمني التي سادت عقب الثورة، وأصبحت هوسا يؤرق كيان الحضارة المصرية، وصاحب ذلك في البداية بعض الفتاوى الدينية الخاطئة "لشيوخ التنقيب عن الآثار" بأن الآثار تعتبر من "الركاز"، ووافق هوى أصحاب المصالح والذين يصبحون فريسة سهلة لاستغلالهم عن طريق عصابات الآثار الدولية بمساعدة شيوخ المنصر، على حد قول الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمي بوجه بحري وسيناء.

تعريف "الركاز"
ويعتبر "الركاز" في الإسلام، هو ما وجد مدفونا في الأرض من مال الجاهلية، ويقصد بها حضارات ما قبل الإسلام، وقد أوجب الشرع فيه عند استخراجه الخمس زكاة، والباقي لمن استخرجه، إن كان استخراجه من أرض يملكها أو من خربة أو من أرض مشتركة كالشارع وغيره.

ويوضح "ريحان" في تصريحات لـ "بوابة الأهرام" أن هذا التعريف لا ينصب على الآثار؛ لأن الآثار تضم مقتنيات من مواد وأشكال مختلفة ولا تقتصر على العملات فقط، كما أن تحديد فترة تاريخية للركاز لما قبل الإسلام يؤكد أن الآثار ليست ركازا؛ لأن الآثار تضم كل العصور التاريخية بما فيها العصر الإسلامي، كما أن علماء الدين قد حذروا من الطرق غير الشرعية لاستخراج هذه الكنوز، خاصة بالاستعانة بالسحرة والمشعوذين، مما يستوجب استحقاق الإثم العظيم على فاعله وبالتالي فإن التنقيب للبحث عن الكنوز حرام شرعا.

كيفية مواجهة التنقيب غير المشروع؟
لمواجهة هذا الهوس، يطالب "خبير الآثار"، بفتوى واضحة من الأزهر الشريف، للتفريق بين الركاز والآثار، وبعمل تعديلات جديدة بقانون حماية الآثار، تتضمن تأمين من يقوم بالإبلاغ عن أعمال الحفر خلسة، ومكافآت مالية كبرى، كما يطالب بتشريع لتقنين المتاحف والمجموعات الخاصة، بحيث كل من يمتلك آثارا له الحق في إنشاء متحف أو مجموعة خاصة للانتفاع بها، بعد تسجيلها في عداد الآثار، وإخضاع هذه المتاحف والمجموعات الخاصة لإشراف وزارة الآثار، ومن الناحية الأمنية، يطالب بإنشاء شرطة خاصة تحت اسم "شرطة مكافحة تهريب الآثار"، تكون مهمتها منع سرقة الآثار والحفر خلسة، وتتوافر لديها معدات وأجهزة خاصة لكشف مواقع الحفر خلسة وملاحقتها، والتعاون مع القوات المسلحة لاستخدام طائرات ودبابات لهذا الغرض.

القانون الدولي
هناك خطورة كبيرة على الآثار التي تنتج عن الحفر خلسة، وتعتبر كارثة بكل المقاييس، وبحسب دكتور ريحان، أن هذه الآثار تهرب وتباع في المزادات العلنية بالخارج، وليس لنا أي حقوق في عودتها؛ لأنها غير مسجلة ولا نملك دليلا على خروجها بطريقة غير شرعية، ومن العجيب أنه حين يتم اكتشاف آثار مصرية بالخارج مهربة ، يطلب الجانب الأجنبي إثبات أن هذه الآثار مصرية، وحين ترد مصر بأنها أثار مصرية ولكنها غير مسجلة يعتبرها الجانب الأجنبي مسوغا له لبيع هذه الآثار في المزادات العلنية معطيا لنفسه شرعية زائفة.

شرعية زائفة
ويرى أن السبب في هذه الشرعية الزائفة، هو عدم وجود حقوق ملكية فكرية للآثار في اتفاقية "الويبو" الخاصة بحماية الملكية الفكرية، لذلك فإن حقوق الآثار ضائعة دوليا؛ لأن واضعين هذه الاتفاقية حرصوا على توفير حماية للمنتجات الذي يتوافق فيها الغرب من منتجات صناعية وابتكارات وآداب وموسيقى وفنون مختلفة وتجاهل الجانب الذي يتفوق فيه الشرق وهي الحضارة، حتى يستمر نزيف تهريب آثاره وامتلاء المتاحف العالمية بها التي تتكسب المليارات نظير عرضها حيث لا يقبل أي سائح على زيارة متحف بالخارج إلا لوجود الآثار المصرية به، ومن هنا فإن السؤال الذي يجب طرحه على الجانب الأجنبي حين يطلب مستندا لملكية مصر للآثار المهربة، "هل تستطيع إثبات أن هذه الآثار المهربة لديك هي آثار غير مصرية؟ وبأي تعريف ستبيع هذه الآثار؟ وبالطبع فإن الإجابة هي ستباع على أنها مصرية حتى تربح المليارات من ورائها.

ولعلاج ذلك، يؤكد مدير عام البحوث والدراسات الأثرية، أنه يجب على وزارة الآثار ووزارة الخارجية بالتقدم رسميا عن طريق إدارة الملكية الفكرية بقطاع الشئون الاقتصادية بجامعة الدول العربية، وللمنظمة العالمية للملكية الفكرية "الويبو"، بوضع الآثار كبند رئيسي ضمن الاتفاقيات الدولية لحماية الملكية الفكرية والتي تتجاهل الآثار تماما في تعريفها، لافتا إلى أنه تم فقدان 700 قطعة أثرية من الآثار المصرية كانت بقاعة المقتنيات الفرعونية بالمتحف القومي بالبرازيل وقد دمرت بالكامل في سبتمبر 2018، في حريق المتحف، مما يعني فقدان جزء لا يتجزأ من ذاكرة مصر وتاريخها وحضارتها، ولم تملك أمام هذه الكارثة أي حق للمطالبة بتعويضات تتحملها البرازيل والمجتمع الدولي نتيجة تجاهله لحقوق الآثار والحضارة في الاتفاقية الدولية.

عقوبة حاملي أجهزة التنقيب
وحول الوضع القانوني لعقوبة التنقيب وبيع وتداول أجهزة التنقيب، فإن المادة 32 من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة1983، نصت على عقوبة السجن لمدة تتراوح ما بين 5 إلى 7 سنوات، والغرامة من5 آلاف جنيه إلى7 آلاف جنيه من قام بالتنقيب عن الآثار.

ورأى البعض أن هذه العقوبة ضعيفة وغير رادعة بالمرة، لذا وافق مجلس النواب على تعديل القانون رقم 117 لسنة 1983 للقانون رقم 91 لسنة 2018، وينص على أن السلطة المختصة بأعمال التنقيب عن الآثار فوق الأرض وتحت الأرض والمياه الداخلية والإقليمية المصرية، هي المجلس الأعلى للآثار، ويجوز للمجلس أن يرخص للهيئات العلمية المتخصصة والجامعات الوطنية منها، والأجنبية بالبحث أو التنقيب في مواقع معينة ولفترات محددة، وذلك بعد التحقق من توافر الكفاية العلمية والفنية والمالية والخبرة الأثرية ويكون لهذه الهيئة حق النشر العلمي فقط للآثار المكتشفة.

وفي ضوء ذلك تقررت عقوبات للمخالف في المادة 44 من القانون بأن يعاقب بالسجن المشدد وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه كل من قام بأعمال حفر بقصد الحصول على الآثار دون ترخيص أو اشتراك في ذلك، ويعاقب بالسجن المؤبد والغرامة التي لا تقل عن خمسين ألف جنيه، ولا تزيد على مائة ألف جنيه، إذا كان الفاعل من العاملين بالمجلس الأعلى للآثار أو من مسئولي أو موظفي أو عمال بعثات الحفائر أو من المقاولين المتعاقدين مع المجلس أو من أعمالهم.

وتنطبق على من يستخدمون أجهزة الحفر خلسة نفس العقوبات مع مصادرة الأدوات والأجهزة المستخدمة، حيث يمنع تداول مثل هذه الأجهزة نهائيا، ومن يستخدمها في التنقيب بالطرق غير المشروعة يكون قد حصل عليها بطرق التهريب.

تجارة الآثار
أصبحت تجارة الآثار أقوى من تجارة المخدرات نظرا للمردود المادي الكبير منها، مما يتسبب في إهدار جزء كبير من الآثار المصرية، ذلك بحسب ما يقول الدكتور ماجد الراهب خبير الآثار، مؤكدا أن هذه الظاهرة أصبحت منتشرة في معظم المحافظات خاصة الأماكن التي تحتوي على آثار تحت الأرض، مشيرا إلى أنه يتم بيع هذه الآثار للسماسرة، ثم يتم بيعها لخارج البلاد بأسعار متدنية؛ لأنها غير مسجلة.

الوقاية خير من العلاج
مواجهة هذه الظاهرة تكون بطريقتين، الأولى هو زيادة وعي المواطنين بأهمية الآثار المصرية، والتاريخ المصري القديم، وأن الحفر خلسة هو جريمة غير مشروعة وغير قانونية، كما يضيف خبير الآثار، لـ "بوابة الأهرام"، أنه يجب تعليم الأجيال القادمة بشكل أفضل وتوعيتهم بأهمية الحضارة المصرية، وقيمة الآثار الموجودة في مصر، حيث إن ذلك يساعد بشكل كبير على القضاء على هذه الظاهرة؛ لأن الشعب يحتاج إدراك قيمة آثار بلده.

ويتابع: إن الطريقة الثانية لمواجهة هذه الظاهرة، أن تقوم وزارة الآثار والجهات المعنية بتكثيف الجهود في تسجيل كل الآثار والأماكن التي تحتوي على آثار بالدولة، حيث إن تسجيل الآثار يحمي أكبر عدد منها، مفيدا أن هذا الأمر يحتاج إلى مجهود عظيم والكثير من الأموال، ولكن لابد منها لحماية الآثار والتراث المصري العظيم؛ ولأن الآثار المسجلة لا يمكن خروجها من البلاد.

أفكار خارج الصندوق
ويحتاج الحفاظ على الآثار المصرية، إلى بعض الأفكار "بره الصندوق"، فيقترح دكتور ماجد الراهب، أن تقوم الوزارة بتعويض كل شخص يبلغ عن وجود آثار بتعويض مادي، أو بشراء الأرض التي بها الآثار، وإعطائه امتيازات أخرى مقابل العثور على آثار، لافتا إلى أنه لابد أن يقوم كل من علماء الدين بالمساجد والكنائس بتوضح رأي الدين في هذه التجارة، وعمل حملات تسمى "احمي تراثك وثروتك"، وعمل حملات متجددة في الإعلام لرفع الوعي الثقافي.

يرى البعض أنه إذا كان يوجد آثار أسفل المنزل أو الأرض التي يملكها، تكون ملكا له وليس للدولة وأن هذا يعتبر حلال شرعا، حسب بعض الفتاوى الدينية الخاطئة التي ظهرت بعد ثورة يناير، لذلك قامت "بوابة الأهرام" بتوضيح رأي الدين في هذا الأمر وفي تجارة الآثار بشكل عام.

حرام شرعا
في النظام العام لأي دولة، الآثار ملكية للشعوب وللتاريخ، ولا يحق لإنسان سواء وجد الآثار في ممتلكاته الخاصة أو في غيرها، أن يستولى عليها؛ لأن هذه الآثار للشعوب في مختلف مراحلها الزمنية، حيث يؤكد الدكتور احمد كريمة أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، أن الاستيلاء على الآثار بطرق غير مشروعة حرام شرعا، ويعد سرقة ومخالفة لولي الأمر والمؤسسات المعنية للدولة، وبالتالي فكل من يبحث عن الآثار خلسة ارتكب جرما.

ويشدد "كريمة" على ضرورة زيادة التوعية الدينية في دور العبادة، لتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتصويب الأفكار الخاطئة، فيما يمس الاستيلاء على الآثار أو الاتجار بها أو تهريبها، كما يجب تغليظ العقوبات على المتاجرين بالآثار من بابا "فاعتبروا يا أولي الأبصار"، مؤكدا أن الله قام بحماية هذه الآثار من الضياع، فقال الله تعالى بسورة الفجر، " ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد "، موضحا أن الله جعلها للعظة وليس للاتجار "ولعلهم يعلمون".

تغليظ العقوبة
ومنذ تعديل القانون وأصبح هناك حبس مشدد وغرامة كبيرة لكل شخص يقوم بهذه العملية خلسة، وقلة هذه الظاهرة بشكل كبير، حيث يؤكد اللواء فؤاد علام وكيل جهاز أمن الدولة السابق، أن هذه الظاهرة انخفضت بشكل كبير جدا عن ما كانت عليه منذ 30 عام، وتم استرداد عدد كبير من الآثار المهربة للخارج، كما أن هناك جهودا كبيرة من قبل شرطة السياحة والآثار جعلت هناك تراجع كبير في التنقيب غير المشروع حيث إن لديها إمكانيات وأدوات ضخمة لضبط مثل هذه القضايا.

ويوضح وكيل جهاز أمن الدولة الأسبق لـ "بوابة الأهرام"، أن وعي المواطنين بأهمية الآثار زاد بشكل كبير عن الماضي، وأصبح هناك اهتمام بآثار البلد، مدركين قيمة هذه الآثار، لافتا إلى أن الدولة مليئة بالآثار في كل مكان، مطالبا بتشديد الرقابة على هذه الأماكن، مثل محافظة المنيا التي بها 40 كيلو مترا تحتوي على كميات كبيرة من الآثار، مشددا على ضرورة رجوع كلاب الشرطة والجمال والاستغناء عن الغفار؛ لأنهم ضعفاء النفوس.

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة