ابن النيل يكتب: سر الحضارة (4)

6-2-2019 | 12:52

 

مدونة "مانو"

تتشابه الحضـارة الهندوسية مع حضارات النيل وما بين النهرين في عدة أمور، من بينها نظام التعامل مع الفيضانات، الإدارة المائية القوية، كثرة المنشآت المائية، وإضفاء صفة القدسية على المياه.

غير أن فهم النظام القانوني للمياه الذي وجد في ظل تلك الحضارة يتطلب إطلالة سريعة على الفكر الهندوسي؛ حيث ألقت الفلسفة الهندوسية بآثارها الواضحة على كل ما حولها، وباتت مدخلًا وتفسيرًا لكل الأمور.

إن الهندوسية Brahmanism تعتبر بالنسبة لتابعيها منهجًا للحياة، من ثم نجدهم يؤمنون تمامًا بأن مشاركتهم في سلامة البيئة تعتبر أمرًا أساسيًا لحدوث التناغم والتناسق اللازمان لنجاح المجتمع الإنساني.

تنقسم الكتب المقدسة الهندية (الفيدا) إلى قسمين: الأول يسمى الشروتي الذي يعتقدون أنه يأتي مباشرة من الوحي السماوي، والسمريتي الذي يتضمن - من بين أمور أخرى – ما يتعلق بالعلوم الأساسية والعلوم التطبيقية والتعليقات والكتب، وأيضًا القوانين التي تقدم مدونة "مانو" كتعبير عن الإرادة الإلهية في ضبط وتنظيم المجتمع. وباعتبارها أهم الوثائق المتعلقة بقانون المياه وأقدم المصادر التي تم تدوينها.

وفقًا لعقيدة الريج فيدا - Rig-Veda تعتبر الإلهة "ساراسواتي" المسئولة عن منح الميلاد والحياة للأنهار. ويعتبر "مانو" الأب الروحي للجنس البشري الذي تلقى من الإله "براهما" التشريعات والقوانين.

وتحكي الحضارة الهندوسية أن الحكماء قد التمسوا من "مانو" أن يوضح لهم القوانين المقدسة، فأخبرهم بكيفية ميلاده، وكيفية خلق العالم، وكيف تلقى القوانين من "براهما" كبير الآلهة وأوصلها للحكماء العشرة، ثم طلب من أحدهم أن ينقلها إلى الباقين.

في مدونة "مانو" تتبدى أهمية المياه وضرورة الحفاظ عليها، فنجد في الفصـل الرابع / المادة 226 "الثري لابد ألا يبخل بثروته، وأن يقوم بالأعمال الخيرية كتشييد الخزانات، وحفر الآبار أو بناء صنبور للعامة"، وجاء فى المادة 229 "هذا الذي يمنح المياه يحصل على الراحة".

وكما نجد الملوك قد اعتادوا على تجميع وتوثيق الحـقوق الخاصة بالملاحة في الأنهار (الفصل الثامن / الجزء 404)، نلاحظ في المدونة اعتناق مفهوم المياه العامة، والتركيز على الاعتبارات الاجتماعية للمياه من خلال فرض نظام عقابي صارم يضمن الاستخدام المشترك للمياه العامة. علاوة على ذلك نجد القانون يفرض التزامات خاصة على الملك شخصيًا فيما يتعلق بالمياه العامة، فنجده ملتزمًا بتنظيم حراستها وحمايتها من خلال دوريات حراسة لحماية المياه والمنازل التي توزع عليها تلك المياه (الفصل التاسع / المواد 264 ـ 266)، إلى جانب ذلك كانت عملية تنظيم استخدامات المياه وتوزيعها مناطة بسلطة إدارة مائية قوية يرأسها مراقب المياه الذي كان يتوافر له سلطات كاملة في جميع القضايا المتعلقة بالمياه.

ووضعت المدونة عقوبات مشددة لحماية المياه ومنشآتها، جنبًا إلى جنب مع فرض عقوبة معنوية تتمثل في الأبعاد عن المجتمع والعزل عن طائفة المواطنين الصالحين الملتزمين، وذلك في حالة إذا ما باع الشخص خزانًا للمياه كان مخصصًا لغرض خيري، كما قد تصل العقوبة إلى حد الموت في بعض الحالات: "ذلك الذي يكسر سدًا ويتسبب في فقد الماء يموت بإلقائه في المياه أو بقطع رأسه"، ويقوم المذنب بإصلاح ما أفسد وإلا يكون ملتزمًا بدفع أعلى الغرامات نظير جرمه (الفصل التاسع/الجزء 279)، وتكون الغرامة من الذهب مع الالتزام بإعادة الحال إلى ما كانت عليه، ويطبق ذلك على أي شخص يتسبب في تدمير صنبور عام ( الفصل الثامن/الجزء 309).

ولم تنس بنود المدونة حماية المياه الجوفية؛ حيث قررت عقوبة للاستخدام غير القانوني لمياه البئر، عبارة عن كفارة من الفضة (الفصل العاشر/الجزء 164).

في الحضارة الهندوسية نجد أن المياه كما تعتبر منحة ونعمة من السماء، ومصدرًا للطهارة من الذنوب، فهي أيضًا قد تكون وسيلة للعقاب عند ارتكاب جرائم معينة.

كاتب المقال:

استشاري شئون المياه

hosamelemam111@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

ابن النيل يكتب: سر الحضارة (6)

​تشير أشكال وأنماط منشآت الري وشبكات المياه التي لا تزال باقية في أمريكا اللاتينية إلى وجود حضارات مائية قديمة، يرجح ظهورها قبل وصول كريستوفر كولومبس إليها.

ابن النيل يكتب: سر الحضارة (5)

ارتبطت التنظيمات المائية فى الحضارة الصينية ارتباطاً وثيقاً بالنظام الفلسفى الصينى الذى نجد ركيزته الأساسية فى فكر "كونفشيوس" الفيلسوف والمعلم الصينى الذى أسس فلسفته ومذهبه على القيم الأخلاقية وأثرها على السلوك الانسانى وارتباط ذلك بنجاح المجتمع .

ابن النيل يكتب: سر الحضارة (3)

حامورابي "الحاكم الكريم" دول كثيرة وجدت بها أنهار ومياه وفيرة، وبرغم ذلك لا يمكنك أن تتلمس فيها أثرًا يذكر للحضارة، معنى ذلك أن حضارات الأنهار لم تنشأ

ابن النيل يكتب: سر الحضارة (2)

"أقسم أنني لم ألوث مياه النيل" (إن الخير الذي يجلبه النيل أجل نفعًا من الذهب والفضة، وأعظم قدرًا من الجواهر، إن الناس لن تأكل الذهب وإن كان خالصًا،

ابن النيل يكتب: سر الحضارة (1)

هل أبالغ إذا قلت إن الثقافة المائية تعتبر في الوقت الحالي ضرورة لا مفر منها، لا والله لا أبالغ، بل أزيد أنها واجب وفرض على كل مواطن سواء من خلال الاستفادة بما تقدمه حملات التوعية من معلومات مائية، أو بالاطلاع، أو السؤال المباشر، أو من خلال تطبيق القانون لمن لا يبغي إلا ذلك.