السر الحائر للسعادة

5-2-2019 | 12:36

 

البحث عن السعادة أتعب جميع البشر منذ بداية التاريخ، ولأول مرة هذا العام الدراسي أقرت مدارس نيودلهي تدريس منهج السعادة، الذي وضعه الزعيم الروحي للتبت الدالاي لاما، والمنهج يركز على الممارسات الذهنية والتعليمات الأخلاقية.

وفي جامعة بيل الأمريكية بدأ تدريس مادة السعادة، وخصص لها فصل دراسي بقاعة مقر الجامعة بواقع حصتين أسبوعيًا، وشاهدت إدارة الجامعة إقبالًا كبيرًا من الطلاب على دراستها، ويعد أكبر فصل دراسي في تاريخ الجامعة منذ إنشائها عام 1701.

وتقول إحدى الباحثات إن ما يجذب الطلبة هو الأمل، لكي يتغلبوا على الاكتئاب الذي بلغ أعلى درجاته في السنوات الأخيرة، ومن أشهر خريجي الجامعة جورج بوش الأب وبوش الابن، وفي نهاية الفصل الدراسي يمنح للطلبة واجبات منزلية في تفعيل العرفان والجميل في سلوكهم، والقيام بالأعمال الخيرية وزيادة التواصل الاجتماعي.

ولم يقتصر بحث الإنسان عن السعادة في فرض مناهجها على الطلاب، وقام بعقد المؤتمرات العلمية في كيفية الشعور بالسعادة وتحقيق التوازن النفسي، وحذرت من خطورة آثار الاكتئاب والضغوط النفسية على الفرد والمجتمع، ولأهمية دور السعادة في بناء الاستقرار, طبقًا لرأى خبراء الأمم المتحدة في أن السعادة تأتي مع التقدم والقضاء على الفقر, ولهذا حددت المنظمة الأممية يومًا للسعادة في20 مارس من كل عام.

وأمامنا شاب في بداية الثلاثينيات من عمره مهنته بائع سرّيح، اكتشف أن سر سعادته ليس في قراءة كتاب يستعرض طرق تطبيق السعادة, ولكنه عثر عليها بداخله؛ حينما يساعد أحد أولاد الشوارع, الذين يصادفهم خلال تنقله بين الأوتوبيسات وسيره على الأقدام على أرصفة الشوارع، برغم فقره وضعف إمكاناته، وكان دائمًا ما يجدهم أمامه ويرثي لحالهم، فقرر أن يمد بينهم جسرًا من الود، وبدأ في إقامة صداقة وحوار بين مجموعة منهم، ولم يلبث وقتًا كبيرًا حتى توطدت ثقتهم به، لاعتيادهم على رؤيته يوميًا في الشارع، وأعطى أذنيه لهم ليستمع إلى حكاياتهم عن أسباب تشردهم في الشوارع، وكان أحيانًا يتصنع تصديق أحاديثهم حينما يستشعر المبالغة في كلامهم، ويقوم بهذا الدور معهم دون علمه أنه يتقمص دور المعالج النفسي، في إفراغ المكبوت لديهم من آلام ومعاناة نفسية، ويختلف علاجه تمامًا عن علاج الطبيب النفسي.

وبعد الانتهاء من رواياتهم، يبدأ في تنفيذ خطة علاجه حسب رؤيته المتواضعة، ويسرد لهم قصة حياته، منذ أن وجد نفسه في الشارع بعد قسوة معاملة عمه وزوجته معه, واستيلائهما على حصيلة ما كان يتقاضاه من عمل ورشة الحدادة، حيث إن والده توفي وأمه تزوجت وألقت به إلى عمه، وكاد أن يلقى القبض عليه أكثر من مرة، ولكنه كان يستطيع الإفلات، وحاول عدد من الأشقياء جذبه للانضمام إليهم في عمليات السرقة ولم يفلحوا، ففر بحثًا عن عمل وتوصل إلى لقاء تاجر خردوات، وأقرضه بضاعة من المناديل والولاعات وماكينات الحلاقة وغيرها ليبيعها في الأوتوبيسات، وسمح له بالمبيت في مخزن بضاعته، وبعد وقت قليل ساعده في استئجار شقة صغيرة بدور أرضي، ويستعد حاليًا للزواج بعد تأسيس شقته بأثاث متواضع، وبعد أن انتهى من مرحلته الأولى لعلاج مجموعته من أطفال الشوارع، انتقل إلى المرحلة التالية من العلاج.

وعرض عليهم التوسط لهم عند تاجر الخردوات ليقرضهم البضاعة، وحدد لهم خط سيرهم بين الأوتوبيسات حتى يتمكن من متابعتهم، واستجاب له ثلاثة أولاد، وجعلها خطته العلاجية لإنقاذ ما يستطيع من أطفال الشوارع من الموت أو الضياع، إيمانًا منه بأنهم ثمرة إهمال مجتمع بأسره.

ويكرر محاولاته دون يأس أو ملل، فمرات كثيرة يفشل وتارة ينجح، وحينها يشعر أنه حصل على كنوز الدنيا، ويمثل نجاحه في تعديل مسار حياة بعضهم قمة سعادته، إنما أمثاله يجدون قمة سعادتهم في تدخين سيجارة بانجو أو في تعاطي قرص مخدرات أو في سرقة مبلغ من المال.

وفي مشهد آخر كان أحد رجال الأعمال يرى قمة سعادته في مساعدته للأرامل وللأيتام، ويشعر وكأنه حصل على صفقات تجارية كبرى، وحين ينظر إلى أصدقائه من رجال الأعمال، يرى سعادتهم بعد نجاحهم في إتمام صفقة تجارية، أو بفوزهم بفرصة قضاء "كام ليلة" في إحدى الجزر السياحية بأمريكا أو بأوروبا، أما هو على النقيض عندما يهمه أمر أو يحزنه شيء يسارع لزيارة الأيتام والتنزه معهم.

وقريبًا من نهج الشاب ورجل الأعمال نلاحظ سكان الدول الإسكندنافية تطبقه في حياتها, ولذا تصدرت عام 2018 قائمة الدول الأكثر سعادة، ويرجع المراقبون سر سعادة مواطنيها إلى شغفهم وتعلقهم بالتقارب الأسري بشكل يومي في المنزل أو في تنزههم صحبة، ويثمنون العمل الجماعي في كافة المجالات، لاعتقادهم بأن العمل الجماعي والتواصل الاجتماعي، يزيد من الترابط والشعور بالانتماء، وهذا على خلاف ما أصاب العديد في مجتمعنا حاليًا من تفسخ في العلاقات، ونلاحظها في أقوالهم وأفعالهم مثل "كبّر دماغك" و"كل واحد حر في حياته"؛ مما يعني سيطرة مفهوم الأنانية عليهم، وبرغم ذلك على يقين بأن هؤلاء كالذهب علا عليه قدر من التراب، وبمجرد إزالته يعود الذهب لرونقه وأصالته، ويبقى جوهر سر السعادة في الرضا بالقضاء والقدر وفي التواصل مع الجميع.

khuissen@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

الحب لا يصنع المعجزات

حتى آلام الحب اكتشفوا لها دواء, وأطلقوا عليه "حبوب النسيان", وتوصل إليه "آلان بوني" الطبيب النفسي والباحث الكندي ليخفف من حدتها, وتعود قصة اكتشافه إلى عام 2015, بهدف نسيان أهالي ضحايا الهجمات الإرهابية على باريس أحزانهم.

خطوات الإقلاع عن لغة المسخ

إلى كل من لا يعرف أن فرنسا حين أدركت خطورة الهجمة الشرسة للغة الإنجليزية على لغتها الأم، أصدرت تشريعًا عام 1994، وأطلقوا عليه اسم "لزوم الفرنسية".

أهلا بلغة المصالح

رغبتك في أن تطير فرحًا شعور لابد أن يعتري أي مواطن عربي، خاصة بعد قراءته لأخبار تفيد انطلاق إجراء مصالحات بين أطراف النزاع في دول عربية وإسلامية، التي تشهد صراعًا داميًا لا مثيل له في منطقة الشرق الأوسط منذ عقود طويلة.

قصص صحابة تتوافق مع أدلة العلماء

الملحدون ليس لهم أي حجة بعد هذا الخبر, فقد توصل العلماء إلى أول دليل علمي ملموس, يؤكد انتقال الإنسان عقب وفاته إلى حياة جديدة, وقالوا بالحرف الواحد أن الموت لم يكن نهاية المطاف, ومعروف عن العلماء شغفهم بدراسة كل ظاهرة في الوجود.

الصين خارج الصندوق

لم يتركوا الجبال شاهقة الارتفاع للتمتع بمشاهدتك فقط لمناظرها الخلابة عن بعد، بل رفعوك إلى قممها لتلامس السحاب، ومهدوا لك الإقامة على منحدراتها الخطرة، وجعلوك تتنقل من قمة جبل إلى قمة جبل أخرى، وأنت ترى سحر وديانها من تحت قدميك، وتتأمل الجنات الخضراء على سفوحها وكأنك تعيش بداخلها.

هيئة للاستجمام.. وجوائز للفرفشة

أخذت العهد على نفسي أمام أفراد عائلتي الصغيرة العام الماضي بتلبية جميع طلباتهم، ومضى العام بألف سلامة ولم أنفذ إلا اليسير منها، ووعدتهم على تحقيقها مع