إخوته عذبوه فترك الصعيد واحتمى بـ"الأولياء".. حكاية عم محمود من عبدالمنعم رياض إلى "حياة كريمة"

4-2-2019 | 14:02

سيارة وزارة التضامن التي تنقل المشردين إلى "حياة كريمة"

 

داليا عطية

واحد من آلاف المسنين الذين يسكنون الشارع ويفترشون أرصفة الطرقات نتيجة ظروف قاسية تعرضوا لها ومعاناة منها المادية ومنها الجسدية ومنها النفسية، ليصبحوا بلا مأوى وتتكون بهم كتلة في المجتمع تعرف باسم "المُشردين".

عم محمود الذى تخطي الخمسين من عمره، يروي لـ"بوابة الأهرام" مأساته مع الشارع فيقول أنه من محافظة أسيوط وتحديدًا من قرية النخيلة التي غادرها دون رجعة منذ سنوات طويلة حتى أنه لم يتذكرها قائلًا: "مش عارف سايب بلدي من إمتى بس من وأنا صغير".

وبلغة بسيطة عبر عم محمود عن آلام  قد لا تستطيع البلاغة وصفها فقال إنه فقد كل شيء بعد وفاة والديه فقد الحب والرحمة والإنسانية فقد الشعور بالأمان الذي لم يفارقه منذ وفاتهم وحتى بعد أن كسر سن الخمسين، فلا زال وحيدًا لم يتزوج بعد، وكل ما طرأ على حياته منذ وفاتهم هو تجوله في البلاد بحثًا عن الحب المفقود والرحمة الغائبة والعناية التي رحلت مع رحيلهم .

سيارة انقاذ المواطنين بلا مأوى التابعة لوزارة التضامن الاجتماعى

آلامًا جسدية تعرض لها عم محمود من أشقائه الذين قال عنهم: "مش عايز ارجعلهم.. كانوا بيعذبوني.. ضرب وبهدله وقلة أدب" كانت بدايتها بعد وفاة والديه بتعذيبه وإهانته بدلًا من احتوائه حتى إنه لا يريد استكمال الحديث حول سبب تعذيبهم له وكأنه يريد التخلص من الذكرى التي كانت سببا فيما تعرض له على أيديهم.

قرر هذا الرجل مغادرة النخيلة بل ولّى ظهره للصعيد كله وأطلق قدميه للسير غير قاصد وجهة معينة فاستقرت به إلى القاهرة فأخذ يتنقل بين شوارعها حتى استقر في عبدالمنعم رياض، ليصبح هذا الميدان وبالتحديد موقف السوبر جيت مقر إقامته الذي أواه بعد وفاة والديه.

بسؤاله: "عندك كام سنه" أجاب: "الله أعلم.. بس البطاقة أهي".. وفي لحظة تغيرت ملامحه وبدا عليه علامات الحزن وخفض رأسه إلي أسفل وقال: "من وأنا صغير متربي في ميدان عبدالمنعم رياض ومعرفش السن كام" وبالاطلاع على البطاقة الشخصية تبين أنه مواليد 23 سبتمبر 1963.

يستكمل عم محمود حكايته لـ"بوابة الأهرام" فيقول إنه وجد في الشارع بديلًا لأسرته فكل من يمر عليه ويتعامل معه بلطف كان يعتبره أحدًا من أقاربه فأصبح المارة في شوارع وسط القاهرة وخاصة أولئك الذين يخرجون للتنزه أو لقضاء وقت سعيد مع الأقارب ليلًا بمثابة العائلة التي فقدها وذلك لعطفهم عليه: "بنام في الشارع وبشحت وبأكل نفسي".

سألته: "إخواتك مش بيوحشوك؟" فلم ينكر العاطفة التي لازالت بداخله نحوهم برغم الآلام التي تعرض لها منهم وأجاب قائلًا: "لما بيوحشوني بنزل الموالد اقعد فيها" مضيفًا: "أنا درويش". ويقصد هنا أنه دائم التردد على آل البيت وخاصة السيدة نفسية والسيدة زينب والسلطان أبو العلا قائلًا: "بروح أقعد على البيبان افتكر إخواتي وباكل وأشرب من هناك".

يشير عم محمود إلي سيارة إنقاذ المشردين التابعة ل وزارة التضامن الاجتماعي فيقول، إنه التقى بفريق الوزارة وعرضوا عليه الذهاب معهم إلي دار رعاية ومغادرة حياة الشارع: "قالولي تعالى معانا هتستريح" فاطمأن لهم وكان متواجدًا أمام مجمع التحرير في تمام الساعة الخامسة كما أخبره الفريق واستقل السيارة معهم مؤكدًا أنه يريد مغادرة الشارع ومستعد للانتقال إلى أي من دور الرعاية التابعة للوزارة فيما عدا منطقة الهرم قائلًا بضيق شديد ونفور حاد: "الهرم لأ بلاش الهرم.. أي حته أروحها هقعد فيها بس الهرم لأ ".

لم أضغط عليه بالاستفسار نحو نفوره الشديد من الهرم إذ يبدو أنه تعرض لموقف جارح أو مؤذي لا يريد سرده ولا حتي تذكره ولكني سألته: "بعد انتقالك إلى الدار ستستقر بها أم ستعود إلى الشارع لعدم تقييد حريتك" فأكد أنه يريد مغادرة الشارع بلا عودة، وإذا ما وجد دارًا تأويه بعيدًا عن منطقة الهرم سيحتمي بها من قسوة الشارع ويقضي ما بقي من عمره فيها حتي أنه عرض العمل داخل الدار قائلًا: "أنا ممكن اشتغل كمان في النجارة أو النظافة جوه الدار" وتابع عم محمود قائلًا: "أنا عندي الفتاء والدوالي وشرايين في رجلي مسدودة بس ممكن اشتغل اللي أقدر عليه".

وقبل أن تتحرك به سيارة وزارة التضامن المخصصة لإنقاذ المواطنين بلا مأوي، سألته السؤال الأخير: "مبسوط إنك رايح معاهم؟  فأجاب دون تردد بأنهم سلموه وجبة طعام فور دخوله السيارة، لكنه رفض تناولها، إلا بعد انتهائهم من جولتهم في البحث عن باقي المواطنين "المشردين" والوصول إلي الدار ليشاركهم تناول طعامهم. وأضاف: "الرجالة دي تشكر غيرولي علي رجلي وقالولي لو عندك أي تعب قولنا".

قبل أن أغادر السيارة لتستكمل جولتها في البحث عن المواطنين بلا مأوى في شوارع القاهرة، مال عم محمود نحوي برأسه وقال لي وهو يتنقل بنظراته بين الحضور خشية أن يسمعه أحد: "خليهم ميسيبونيش خالص أنا مش عايز أرجع الشارع تاني وارتحتلهم".  فأخبرته أنه سيكون بخير، وأن هناك " حياة كريمة " تنتظره وطمأنته بأن الوزارة لن تتخلى عنه ولن تتركه.. طمأنة كان في أمس الحاجة إليها  إذ يخشى هذا الرجل فقدان الأمان الذي وجده في هذه السيارة والذي حرم منه سنوات طويلة.

تجدر الإشارة قبل إسدال الستار على قصة عم محمود إلى أن الفريق المتواجد في السيارة لديه من الإمكانات والتأهيلات ما يمكّنه من التعامل مع المواطنين بلا مأوى والقدرة علي إقناعهم بمغادرة الشارع  وهو هدف مبادرة  الرئيس عبدالفتاح السيسي  " حياة كريمة " لحماية وتوفير الرعاية،  كما تجدر الإشارة إلى أن "بوابة الأهرام" أجرت هذا الحوار بالصوت والصورة ولديها فيديو مسجل لكنها حرصت على سرد القصة كتابةً، وعدم عرض الصور أو الفيديو احترامًا لمشاعر ورغبة عم محمود .

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]