كيف غنت أم كلثوم "أوبرا عايدة" بلحن مشترك بين القصبجي والسنباطي؟ | فيديو

3-2-2019 | 15:01

ام كلثوم والقصبجي والسنباطي ومعهم فريد الاطرش

 

أحمد عادل

منذ أن ظهرت " أوبرا عايدة " للوجود في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أبت إلا أن تكون محطة غنائية فريدة في تاريخ الفن المصري، فحظيت بالكثير من المعالجات والرؤى الفنية في الموسيقى المصرية، وكان لسيدة الغناء العربي كوكب الشرق أم كلثوم التي نحتفل اليوم بذكراها الرابعة والأربعين معالجتها الخاصة لهذه الأوبرا بأشعار صاغها شاعر الشباب أحمد رامي، ولحن اجتمع له اثنان من فرسان النغم في موسيقانا الشرقية هما الموسيقار المجدد محمد القصبجي، والموسيقار العملاق رياض السنباطي.


أوبرا عايدة في تاريخ الفن المصري

يعود ظهور أوبرا عايدة في مسيرة الفن المصري منذ أن أسند الخديو إسماعيل إلى عالم المصريات ميريت باشا، والملحن الإيطالي الشهير فيردى ، مهمة تقديم عرض أوبرالى للاحتفال بحفر قناة السويس.

وتدور قصة "عايدة" حول أسيرة حبشية أسرها المصريون وأحبها قائدهم "راداميس" مثلما أحبتهم، لكن "أمنريس" ابنة فرعون وقفت في وجه هذا الحب، وانتهى المطاف بقتل رادميس بعد محاولته الهرب مع عايدة إلى الحبشة، وتفيض الأوبرا بالصراع بين الواجب والحب.

أم كلثوم تجسد "عايدة"

سنحت الفرصة أمام كوكب الشرق أم كلثوم لغناء " أوبرا عايدة " في الفيلم الذي يحمل ذات الاسم "عايدة" عام 1942، مستندة في ذلك إلى رصيدها من أفلامها الغنائية السابقة على فيلم "عايدة"، وهي أفلام "وداد"، و"دنانير"، و"نشيد الأمل".

ام كلثوم والقصبجي

وشهدت هذه الأفلام الغنائية النشأة الأولى لفن "الأوبريت"، وهو أحد قوالب الغناء المسرحي المستمد من "الأوبرا"، حيث يتم تقديمه عبر تابلوهات درامية غنائية راقصة، يعتمد على الحوار، وقد يتضمن بعض الرقصات الاستعراضية.

في هذا الوقت كانت الخيارات الشعرية والموسيقية محدودة ل أم كلثوم بحيث كانت قائمة الشعراء والملحنين لا تضم سوى أحمد رامي، وبيرم التونسي في الكلمات، فضلاً عن ثلاثة من فرسان التلحين اعتمدت عليهم أم كلثوم بشكل كامل في تأليف وتلحين أفلامها الموسيقة.

ولأن الأوبرا قد تكون بعيدة عن كلمات بيرم النابضة بمفردات الشعبية المصرية، فقد وقع اختيار أم كلثوم على أحمد رامي حيث كان يجيد الترجمة من عدة لغات، فضلا عن كونه قد قضى عدة سنوات متجولا بين مدن أوروبية مثل باريس، وفيينا، وزار مسارحها، وتعرف على الفن هناك، ما يجعله الاختيار الأمثل لنجاح تلك التجربة.

ام كلثوم والقصبجي واحمد رامي

ومثلما تم استبعاد بيرم، فقد استبعد شريكه في التلحين الشيخ زكريا أحمد، لأن الأداء التطريبى لشيخ الملحنين لن يتلاءم مع "الحوار الغنائي" للأوبريتات، وهنا لم يكن متاحاً ل أم كلثوم سوى القصبجي والسنباطي، وهما يمثلان مدرسة واحدة ترفع شعار "التجديد الموسيقى" في إطار الحفاظ على الموسيقى الشرقية باعتبارها الأساس، فقد كانت نظراتهما إليها نظرة من يراها قادرة على الاكتفاء بذاتها ومقاماتها الموسيقية دون الحاجة إلى استيراد روافد غربية.
 

كيمياء القصبجى والسنباطى

وهنا قررت أم كلثوم إسناد تلحين الأوبريت لهما معاً، فالقصبجي استطاع أن يؤمن لها الأساس الموسيقى القوى الذي يرتكز عليه الطاقات الصوتية ل أم كلثوم ، واستطاع أن ينتقل بها من أداء الطقاطيق والأدوار القديمة إلى الأغنية بشكلها المعاصر، أما السنباطي فقد ألبس صوت أم كلثوم ثوباً لم ترتديه من قبل سواء بألحانه للأغاني القصيرة التي حققت رواجاً خلال الثلاثينيات مثل أغنية "على بلد المحبوب وديني" وصولاً لقصائد أحمد شوقي.

وبالفعل، لحن القصبجي الفصل الأول من أوبريت "عايدة" فيما لحن السنباطي الفصل الثاني في سابقة لم تتكرر كثيراً في الغناء المصري، حيث قام ملحنان بالاشتراك في عمل فني واحد، وربما لم يكن لهذا المزج الموسيقى أن يتحقق ما لم تكن الكيمياء الموسيقية شديدة التقارب بين القصبجي والسنباطي، كما أن أداء "الأوبريت" بهذا الشكل يظهر الأخلاقيات الراقية لهذا الزمن الجميل، الذي كانت تستند إلى الود والمنافسة الشريفة.

ام كلثوم والسنباطي



ومثلما اعتمد تلحين الأوبريت على اثنين من الملحنين، فقد اعتمد توزيع الموسيقى الأوركسترالية على فارسين آخرين هما الموزع الموسيقى إبراهيم حجاج، وعزيز صادق، اللذين قد وضعا على كاهليهما عبء النهوض بالتوزيع الموسيقى، والارتقاء بالموسيقى التصويرية في مهدها.

وقد اختار القصبجي والسنباطي الأصوات التي ستؤدى الأدوار أمام أم كلثوم بعناية شديدة، مثل المطرب إبراهيم حمودة ، وعبدالغنى السيد، وهما من أقطاب الغناء في الأربعينيات، حيث تمتاز أصواتهم بالقوة، والقدرة على التنقل بحرية بين المقامات الصوتية.

كما شاركت في الغناء مطربة القطرين فتحية أحمد ، وهي من نجوم الصف الأول خلال الثلث الأول من القرن العشرين، وقد تتلمذت على يد الشيخ أبو العلا محمد، المعلم الأول الذي تنتمي أم كلثوم إلى مدرسته الموسيقية.

وبهذا فقد شكل أوبريت " أوبرا عايدة " عرضاً موسيقياً لأقوى وأجمل الأصوات خلال فترة الأربعينيات، نجح عملاقان من عمالقة الموسيقى في حشدهم جميعاً، وهم على ثقة من قدرات كل صوت على الأداء ضمن هذا الأوبريت الذى يمثل أحد المحطات الرئيسية في الوجدان الموسيقى المصري.

مادة إعلانية

[x]