صناعة "أواني الغلابة" تواجه الاندثار.. "القلة" و"الزير" راحلان في طي النسيان و"حجر الشيشة" باق | صور

3-2-2019 | 17:02

الأواني الفخارية

 

سوهاج – محمد مطاوع :

هي تحف طالما أُعجبنا بها، مع كل زيارة تخطو بها أقدامنا إلى أرياف الوجه البحري، أو إلى أقاصي الصعيد، أمتعنا مهارة تشكيلها، واستمتعنا بتناول المياه التي تسيل على جدرانها، أو الطعام المحفوظ بين أركانها، إنها الأواني الفخارية، التي يبدو وأن القدر لن يمهلها الكثير من الوقت، قبل أن تصبح ذكريات جميلة في طي النسيان، فهي لا تستطيع مقاومة التقدم التكنولوجي الهائل في صناعة الأواني الحديثة.

"كانت تتشكل بأشكال مختلفة ويستعمل كل شكل لغرض معين"، هذا ما أوضحه صالح عبدالرحيم (85 عاما)، صانع أواني فخارية في بداية حديثه لـ"بوابة الأهرام"، لافتا إلى أن الأواني الفخارية كـ"القلة" والزير، كانا بمثابة ثلاجة مياه الغلابة، التي حل محلها الثلاجة الكهربائية حاليا، و"الحلة البرام" أو "الهمر"، كانت أواني طهي الطعام، التي حل محلها "الألومنيوم" و"الاستانليس ستيل".

الدكتور عبد الناصر ياسين عميد كلية الاثار بسوهاج



بينما كانت "الزبادي" بمثابة "أواني الضغط"، حيث كانت تحتفظ بالطعام ساخنا لأطول وقت، وقد حل محلها الأطباق الصينية التي لا تحتفظ بالطعام ساخنا كثيرا، فيما كانت تستخدم "المراديس" لطهي البطاطس أو البامية الجافة، والطماطم المحشوة بالفريك ولحم الضأن داخل الأفران البلدي، والتي حل محلهما أواني الألومنيوم وأفران البوتاجاز التي تعمل بالكهرباء والغاز.

صناعة الاوانى الفخارية



"عبدالحميد نور"، صانع فخار، قال لـ"بوابة الأهرام"، إن صناعة الفخار لا تقتصر على أواني الطهي والشراب فقط، ولكنها تمتد "أُصص الزينة" التي تزرع بها الزهور في المنازل، حيث بدأت صناعة "القلل" و"الأزيار" و"الهمر" في الاندثار، ولم يعد يقبل على شرائها سوى "المعدمين" –على حد وصفه- لرخص ثمنها مقارنة بالأواني الحديثة، لافتا إلى أن "أحجار الشيشة" التي تستخدم في المقاهي، هي الوحيدة التي ما زالت تجد من يشتريها.

صناعة الاوانى الفخارية

الدكتور عبدالناصر ياسين، عميد كلية الآثار بجامعة سوهاج، أكد لـ"بوابة الأهرام"، أن صناعة الفخار في مصر تعتبر من الصناعات التي لها ماض عريق، يمتد إلى ما قبل الأسرات، مرورا بالعصور (المصرية القديمة، اليوناني، الروماني، البيزنطي، القبطية ثم العصر الإسلامي) .   

صناعة الاوانى الفخارية



وأشار عميد كلية الآثار، إلى أن هذه الصناعة تطورت في العصر الإسلامي تطورا كبيرا، بداية من العصر الأموي، وشهدت نهضة كبيرة جدا في العصر العباسي، حيث ظهرت أنواع جديدة من الخزف أهمها الخزف ذو البريق المعدني، معللا أسباب ازدهارها للإقبال على تقليد المنتجات الخزفية التي كانت تستورد من الصين حينذاك، خاصة البورسلين والسيلادون، ليبدأ بعدها تقليد ذلك في العالم الإسلامي.

صناعة الاوانى الفخارية


ويتابع، في العصر الفاطمي كانت هناك نهضة عظيمة جدا في صناعة الخزف والفخار بصفة عامة، خاصة الخزف ذي البريق المعدني، وساد في العصر الأيوبي نوع من الخزف المعروف باسم الخزف المرسوم تحت الطلاء، واستمرت هذه الصناعة في الازدهار في العصر المملوكي، حيث ازدهرت صناعة الخزف المرسوم فوق الطلاء، والخزف الملون بلون واحد، وأشهرها الفخار المطلي، وكانت نقش عليه "الرنوك" – بمعنى الرمز أو الإشارة – الخاصة بالسلاطين والأمراء

صناعة الاوانى الفخارية


وأوضح عميد كلية الآثار بجامعة سوهاج، أن من أسباب ازدهار هذه الصناعة في العصر الإسلامي، كان لارتباط صناعته بوجود علاقات تجارية قوية، مشيرا إلى أن التخلي عن التقاليد أدى لتدهور هذه الصناعة، إضافة لقلة الحرفيين العاملين في هذه الصناعة، وهو ما يتطلب إعادة إحيائها من جديد، بإدخالها في المدارس الفنية الصناعية، مثل أقسام النجارة والسيارات والسباكة والزخرفة، وغيرها، لاستخدامها بالطبع في المأكل والمشرب، خاصة وأنها صحية مقارنة بالأواني الحالية، وكصناعة تراثية عريقة يجب الحفاظ عليها من الاندثار.

الأكثر قراءة