إكرام الميت دفنه في أرض الله

2-2-2019 | 10:09

 

سامح الله بعض المواقع الإلكترونية، فقد نشرت يوم الأربعاء ٢٣ يناير خبرًا منسوبًا لرئيس البرلمان، يقول فيه: إن تكلفة نقل الجثامين مرهقة، والدولة لا تستطيع تحملها، وقامت الدنيا ضد الدكتور علي عبدالعال لدرجة أن بعض روابط الجاليات المصرية بالخارج راحت تدعو لمقاطعة شركة مصر للطيران، وظل الخبر متداولًا، ولم يتم نفيه، حتى ظن البعض أن الرجل قال ذلك بالفعل.

وعندما رحت أتقصى الخبر اكتشفت أن الرجل لم يقل ذلك، ولكنه قال: (إن إكرام الميت دفنه، ولكن نحن عاداتنا تجعلنا ندفن في الموطن الأصلي، وهي عقبة تواجهنا بسبب العادات والتقاليد)، واقترح الرجل أن يتم علاج تلك الإشكالية من خلال قيام أي مصري بالخارج بدفع رسوم طابع لصندوق باسم المصريين بالخارج، مشددًا على أنه سيتم في القريب العاجل اتخاذ بعض الخطوات الملموسة على الأرض من خلال بعض التشريعات لحل تلك المشكلة.

وبغض النظر عن الاجتزاء في كلام رئيس البرلمان، فمن المعلوم بالضرورة أن التعجيل بدفن الميت من السنن التي أوصانا بها الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقوله: "ثلاثة ياعلي لا تؤخرهن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤا"، غير أن نقل الميت من بلد لآخر قبل الدفن محل خلاف بين أهل العلم، فعند المالكية يجوز نقله إذا لم يترتب على ذلك انتهاك لحرمته ولا أذية ولا تغير، ففي فتح العلي المالك للشيخ محمد عليش وهو مالكي: وفي شرحي المجموع، وجاز نقل الميت من موضع لآخر قبل الدفن أو بعده إن لم يهتكه، أي لم يخل النقل بحرمة الميت، ويؤذه، فإن هتكه وأخل بحرمته وآذاه حرم النقل قبل الدفن، ابن حبيب لا بأس أن يحمل الميت من البادية إلى الحاضرة، ومن موضع لآخر؛ مات سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص بالعقيق فحملا للمدينة، ورواه ابن وهب، وروي لا بأس به للمصر إن قرب.

وعند الحنابلة يكره نقله لغير حاجة، ففي الإنصاف للمرداوي وهو حنبلي: وقال في الكافي: (وحمل الميت إلى غير بلده دون حاجة مكروه، ولا ينقل إلا لغرض صحيح كبقعة شريفة ومجاورة صالح.

وعند الحنفية يكره نقله إلى ما زاد على مسافة ميلين، ففي شرح السير الكبير للسرخسي وهو حنفي: قال: ولو نقل ميلا أو ميلين أو نحو ذلك فلا بأس به، وفي هذا بيان أن النقل من بلد إلى بلد مكروه، لأنه قدر المسافة التي لا يكره النقل فيها بميل أو ميلين، وهذا لأنه اشتغال بما لا يفيد فالأرض كلها كفات للميت، قال الله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا {المرسلات: 25 ـ 26 } إلا أن الحي ينتقل من موضع إلى موضع لغرض له في ذلك، وذلك لا يوجد في حق الميت، ولو لم يكن في نقله إلا تأخير دفنه أياما كان كافيا في الكراهة.

وللشافعية قولان بالحرمة والكراهة، ففي نهاية المحتاج ممزوجًا بالمنهاج وهو شافعي (ويحرم) (نقل الميت) قبل دفنه من بلد موته (إلى بلد آخر) وإن أمن تغيره لما فيه من تأخير دفنه المأمور بتعجيله وتعريضه لهتك حرمته، وتعبيره بالبلد مثال فالصحراء كذلك، وحينئذ فينتظم كما قاله الإسنوي منها أربع مسائل، ولا شك في جوازه في البلدين المتصلين أو المتقاربين لا سيما والعادة جارية بالدفن خارج البلد، ولعل العبرة في كل بلدة بمسافة مقبرتها، أما بعد دفنه فسيأتي (وقيل يكره) لعدم ما يدل على تحريمه (إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس).

ويجوز دفن الميت مع أقاربه، ففي شرح الدردير ممزوجا بمختصر خليل (و) جاز (نقل) الميت قبل الدفن، وكذا بعده من مكان إلى آخر بشرط أن لا ينفجر حال نقله، وألا تنتهك حرمته، وأن يكون لمصلحة كأن يخاف عليه أن يأكله البحر، أو ترجى بركة الموضع المنقول إليه، أو ليدفن بين أهله أو لأجل قرب زيارة أهله.

فهذه أقوال أهل العلم في المسألة؛ وبناء على هذا فإن الأولى أن لا ينقل الميت من البلدة التي مات فيها خروجًا من هذا الخلاف، إضافة إلى ما يترتب على نقله من تأخير دفنه وذلك مخالف لما أمر به الشارع.

وبرغم ذلك فهناك عدة مشروعات قوانين أوشكت على الانتهاء من المناقشة في البرلمان؛ منها مشروع النائبة غادة عجمي الذي يضيف مبلغ ثلاثين جنيهًا على وثيقة السفر تخصص لتجهيز الجثامين ونقلها للوطن من الخارج، وهناك بعض الأفكار تصب في نفس الإطار؛ احترامًا لعادات وتقاليد الأمة المصرية التي شيدت في الماضي الأهرامات لتخليد الموتى، بشرط الحفاظ على حرمة الميت من التهتك.

مقالات اخري للكاتب

١١ - ٢ – ٢٠١١

أنا واحد من الذين يعتبرون الساعة السادسة مساء يوم الجمعة ١١ فبراير عام ٢٠١١ يومًا تاريخيًا في حياة مصر؛ بغض النظر عما حدث فيما عرف بثورة ٢٥ يناير، فقد كان ذلك اليوم نهاية مرحلة بأكملها بحلوها ومرها.

إكرام الميت دفنه في أرض الله

سامح الله بعض المواقع الإلكترونية، فقد نشرت يوم الأربعاء ٢٣ يناير خبرًا منسوبًا لرئيس البرلمان، يقول فيه: إن تكلفة نقل الجثامين مرهقة، والدولة لا تستطيع

لا تؤجل فالعمر قصير

كل آمانينا مؤجلة ومعظم أحلامنا مرجأة وكثير من مشروعاتنا لاتزال في غرف الانتظار والأشياء العالقة في المنتصف لوقت محتمل والآمال التي تركناها على قارعة الطريق والأشواق التي علاها الغبار علي رفوف الانتظار.

البث الرقمي الآن وليس غدًا

في العالم ثورة هائلة ومتسارعة للبث التليفزيوني الرقمي، تتيح للمشاهدين الحصول على صورة أكثر نقاء ووضوحًا، والتخلص من الخيالات المتشكلة في أماكن الاستقبال

العمر لحظات من السعادة

ودرس العمر ألا شيء مضمون في هذه الحياة غير الرضى والقناعة؛ ذلك لأنه لا الفهم ولا القوة ولا الفهلوة ولا السلطة ولا الأموال قادرة على صنع السعادة الأبدية، ولا يوجد بشر منذ الخليقة ضامن لحالته بعد لحظة واحدة، ومن هنا فإن السعيد حقًا هو من يفهم تلك الحقائق البسيطة.

الشعب وحده هو البطل

ربما كان الرئيس السيسي هو الوحيد الذي يذكر بها بعض المنبهرين بأن الشعب هو البطل، وهو من تحمل كل الفواتير.