الأعمدة السبعة للشخصية المصرية والانتماء الفرعوني (3)

3-2-2019 | 00:06

 

"أقدم الأعمدة أو الرقائق الحضارية هي الانتماء الفرعوني، حيث قدمت مصر في هذا العصر أقدم حضارة مدونة عرفها العالم؛ بل إنه لا توجد حضارة أخرى لأي دولة في العالم تضاهي الحضارة المصرية القديمة، حيث تنتشر آثارها للآن في كافة أنحاء العالم من المسلة المصرية في قلب باريس، إلى آثارها المختلفة في متاحف إنجلترا ولينجراد وأسكتلندا وغيرها، وهي مصدر فخر للمصريين وللعالم؛ ولذلك يبدو غريبًا في عهود القهر والتخلف أن يطمس البعض هذا الانتماء لمصر الفرعونية؛ حيث يجري تصويره على أنه نوع من الكفر وعبادة الأصنام.

وللأسف كان غريبًا ما نشر عن رغبة الرئيس السادات قبل وفاته بأن تقوم الدولة المصرية بدفن مومياوات الفراعنة في مقابر خاصة لمسايرة بعض الجماعات المتشددة، برغم الرقي الذي وصلت إليه الحضارة الفرعونية في كافة أبعادها الروحانية والمادية معًا.

ولذلك يوجد داخل كل مصري فرعون صغير أو كبير يظهر في وقت من الأوقات، كما أن الآثار المصرية القديمة سجلت كافة أوجه النشاط الإنساني لهذه الحضارة من مأكل ومشرب وملبس وأدوات تجميل وآلات موسيقية وأدوات للإنتاج الزراعي، وأساليب الكتابة والنقش على جدران المعابد، وتشكيل التماثيل للإنسان والحيوان من كل الأحجام وفنون التحنيط والطب، وكذلك برع أجدادنا في علوم الفلك والرياضة والفلسفة والإدارة والزراعة؛ لدرجة يصعب معها أن نجد فرعًا من فروع المعرفة يخلو من إسهامات مصر الفرعونية.

كما يعتبر إخناتون أول من نادى بالتوحيد، وستظل الاكتشافات تتوالى على مر الأيام والسنوات لكنوز أجدادنا المصريين القدماء، كما كانت فكرة الحياة بعد الموت ذات أهمية كبيرة للفراعنة، وفكرة الثواب والعقاب، ويعتقد الكثيرون أن كلمة "آمين" التي تقال في ختام كافة الصلوات في كل من المسيحية والإسلام ما هي إلا تحوير بسيط للفظ الإله "آمون" في مصر الفرعونية.

ويوجد بالفعل روابط بين الممارسات الدينية والطقوس في كنيسة الأقباط الأرثوذكس، وممارسات في معابد قدماء المصريين، ويبدو ذلك في طريقة بناء الكنائس وتقسيمها إلى مذبح وقاعة للصلاة.

كما أن كثيرًا من ممارسات وتقاليد الوفاة والجنازات قد انتقلت من الفراعنة للأقباط ثم للمسلمين؛ مثل عمل السرادق، وإقامة موائد الطعام، ثم ذكرى الأربعين وغير ذلك، ولذلك فالانتماء الفرعوني داخل كل مصري بدرجة أو أخرى هو إحساس يعطي الفخر والاعتزاز، ولذلك فقد تولد لدى المصري ما يسمى بعقدة الكبرياء، وقد يمتزج بعقدة النقص؛ نتيجة ما يلمسه المصري من واقع بلاده الآن؛ برغم أن هذا التاريخ الذي يمتد لنحو خمسة آلاف عام لم يكن يخلو بالطبع من فترات انكسار، ولكنه بالطبع في مجمله تاريخ عظيم ومشرف للحضارة الإنسانية بوجه عام؛ حيث تتكون الحقبة الفرعونية من سبعة عصور أساسية؛ وهى في النهاية تركت بصمة قوية واضحة على الشخصية المصرية".

هذا ملخص شهادة دكتور ميلاد حنا عن العمود الأول للشخصية المصرية.

وأتفق تمامًا مع د ميلاد في أهمية الحقبة الفرعونية وبصماتها على الشخصية المصرية؛ بل لا أبالغ إن قلت بأن تأثيرها امتد إلى شتى أنحاء العالم، وأضيف أنه خلال دراسة لي عن جذور فكرة العدالة البيئية؛ وجدت جذورها الأولى ترجع لمصر الفرعونية، حيث كانت "ماعت" رمز العدالة في مصر الفرعونية، ويرمز لها بالميزان، ولذلك كانت صورة الميزان تتصدر قاعات المحاكم في مصر الفرعونية، ثم انتقل هذا الرمز لجميع محاكم العالم تقريبًا الآن.

وكان تعريف "العدالة" بأنها "الحق"، ومن هنا يتضح التقارب الواضح بين مفهوم العدالة عند الفراعنة؛ وهي تعني الحق، ورمزها الميزان، ومفهوم العدالة في الإسلام، حيث يقول المولى الكريم: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) الأنعام 152

ويقول تعالى: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) الرحمن9، ويقول تعالى: (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) البقرة 213، ويقول تعالى: (خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) ص 22، والآيات كثيرة مما يؤكد التشابه الواضح بين ديانة التوحيد ومفهوم العدالة عند الفراعنة وفي الإسلام.

ولذلك يرى جمال البنا أن ديانة التوحيد عند الفراعنة هي أقرب الديانات للإسلام، وهذا ليس غريبًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) غافر 78.

ولكل ما سبق فإن الحضارة الفرعونية تأثيرها قوي وواضح على مصر والعالم؛ وللآن كثير من الكلمات في اللغة العامية أصلها يرجع للعصور القديمة، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، نجد الكلمات الآتية أصلها فرعوني مثل "مم" وتعنى الأكل، ثم كلمة "امبوا" وتعني الشرب، وكلمة "تاتا" وتعني امشي، وكلمة "نونو" وتعنى وليد صغير، وكلمة فول "مدمس" وأصلها فول "متمس"، وكلمة "بصارة" وأصلها "بيصورو" أي فول مطبوخ، وغير ذلك كلمات كثيرة وعيد شم النسيم وغيره.

مقالات اخري للكاتب

الأعمدة السبعة للشخصية المصرية والعصرالقبطي (5)

هناك خلاف أكاديمي يدور حول البداية التاريخية لحقبة العصر القبطي في مصر؛ لأنها متداخلة في الحقبة اليونانية الرومانية من منطلق أن مصر تحولت إلى ولاية رومانية قبل دخول المسيحية.

الأعمدة السبعة للشخصية المصرية والعصر اليوناني الروماني (4)

كان الانتماء الفرعوني لمصر أقدم الرقائق الحضارية، وشهدت مصر فيه حضارة متقدمة ورائدة للعالم أجمع، بالرغم من وجود فترات انتكاسة - وهذا وضع طبيعي في كل الحضارات - فكان العصر المتأخر للحضارة الفرعونية في الفترة من 1200 ق.م إلى 1085 ق.م فترة ضعف وترهل أدى لتفكك الإمبراطورية،

الأعمدة السبعة للشخصية المصرية والفتنة الطائفية -2

يرى د.ميلاد حنا، أن تفجر الحرب الطائفية في لبنان بواسطة الأعداء والاستعمار؛ قد أدت إلى حرب أهلية خطيرة، استنزفت لبنان، ومن هنا كان الخوف من تكرار هذه المحاولة في مصر، ومن ثم أهمية مواجهة هذه القضايا ودراستها بعمق لتحديد أسبابها وسبل المواجهة وعدم الاكتفاء بشعار..

الأعمدة السبعة للشخصية المصرية

يعد كتاب الدكتور ميلاد حنا "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية"، أحد الكتب المهمة التي تناولت بالشرح والتحليل سمات الشخصية المصرية وتأثرها بالجغرافيا والتاريخ،

الطبيب المصري قوى ناعمة (6)

لمصر تحديدا تاريخ طويل مشرف، في مجال الطب، يمتد إلى آلاف السنوات، منذ عصر الأهرامات إلى عصر مجدي يقوب وغنيم؛ حيث تجاوز نجاحاتهم مصر والعالم العربي إلى العالم بداية من أمنحوتب، إله الشفاء في مصر القديمة، والذي يعتبر مؤسس علم الطب..

العامل المصري "قوى ناعمة" (5)

​العامل المصري المهني أو الحرفي، قوى ناعمة، مصر والعالم العربي في أشد الحاجة إليه، أيا كان تخصصه؛ كهرباء ميكانيكا سباكة نجارة نقاشة، والحرف كثيرة والمسميات كثيرة، ولمصر تاريخ يمتد لآلاف السنوات منذ بناة الأهرامات للسد العالي.