مفاهيم التنوع الإنساني.. بين "السيسي" و"ماكرون"!

31-1-2019 | 23:49

 

هل كان الرد على ضيف مصر الرئيس الفرنسي "ماكرون"؛ فوريًا وأشد دلالة وقناعة من رئيس كل المصريين الفذ "عبدالفتاح السيسي" ؟!

تعالوا بنا.. لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال العبقري.

لقد أراد الرئيس الفرنسي استعراض العضلات أمام الصحافة العالمية؛ وإثارة ما يسمَّى بمشكلة الحقوق المدنية للمواطنين المصريين؛ وبخاصة فيما يكتُبه المدوِّنون على صفحات التواصل الاجتماعي؛ مشيرًا ـ في دهاء ـ بأن كلماته ليست دروسًا أو محاضرات يمليها على مصر، بل من منطلق الصداقة الواجبة؛ ولم ينس الاعتراف بضرورة الصبر "فالسيسي رئيس يواجه تحديات عديدة"!

وسرعان ما التقط رئيسنا "الكُرة" التي أراد "ماكرون" إحرازها كهدف استعراضي في مرمى "مصر"! وجاءت ردود السيسي عاقلة متزنة عبرت عن تماسكه، وقدرته الفائقة على كظم الغيظ ورباطة الجأش والدهاء السياسي تجاه استفزازات مغرضة - أقر بها المذيع الفرنسي نفسه - وكأنه يردد بلسان حاله الآية الرائعة في الإنجيل التي تقول: "لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟" (لو 6: 41).

وإنه يعلم تمام العلم بقضايانا ونعرف الطريق إلى حلولها، فالغرب لايسعده سعادتنا أو وجود التواؤم المجتمعي الذي حققناه على أرضنا.

وفي هذا الصدد.. تحضرني مقولة الأديب "عباس العقاد" في ذات مقال:

"لقد علمتني تجارب الحياة أن الناس تغيظهم المزايا التي ننفرد بها، ولا تغيظهم النقائص التي تعيبنا، وأنهم يكرهون منك ما يصغرهم لا ما يصغرك، وقد يرضيهم النقص الذي فيك؛ لأنه يكبرهم في رأي أنفسهم، ولكنهم يسخطون على مزاياك؛ لأنها تصغرهم أو تغطي على مزاياهم.

فبعض الذم على هذا خير من بعض الثناء، لا بل الذم من هذا القبيل أخلص من كل ثناء، لأن الثناء قد يخالطه الرياء، أما هذا الذم فهو ثناء يقتحم الرياء".

فقد استعرض الرئيس العلاقات التاريخية بالدولة الفرنسية، وأهمية تعزيز التعاون الثقافي والعلمي بينهما؛ وبخاصة أن هذا اللقاء يأتي في ظل احتفال البلدين بعام 2019 كعام للثقافة المصرية الفرنسية، وإننا بطبيعتنا لا ننكر التأثير المتبادل للتراث الحضاري وجذوره الراسخة بين البلدين على الساحة الثقافية والمجتمعية، والاعتراف بتأثير عصر النهضة الفرنسية على النخبة المثقفة المصرية؛ ومدى إسهام العلماء الفرنسيين في إزاحة الستارعن أسرارالحضارة الفرعونية وفك رموز "حجررشيد" لاستبيان دلالات الكتابة باللغة الهيروغليفية التي فتحت الباب لكشف الكثير من أسرار الحياة في المرحلة الفرعونية.

وانطلق الرئيس في استعراض مدى التحدي الذي تواجهه مصر وحدها من عناصرخلايا الإرهاب الأسود الذي يحيط بالعالم ـ في إشارة بطرف خفي إلى المعارضة من أصحاب السترات الصفراء في فرنسا ـ والتنويه بما يفيد بأن حقوق الإنسان لا تبدأ من "تذكرة الانتخاب وحرية الاقتراع بالصناديق"، ولكن حرية الإنسان تبدأ من ضمان أمانه في المأكل والمسكن والتعليم الذي يليق بالكرامة الإنسانية، دون الوضع في الاعتبار جماعات "السفسطة" الذين يُنظِّرون من خلف الشاشات الزرقاء على صفحات التواصل الاجتماعي.

لقد شدد الرئيس السيسي على أهمية الاعتراف بالتنوع الإنساني في شتى مجالات الحياة؛ فما يتم تطبيقه بنجاح في الدول الأوروبية، ليس بالضرورة أن تتم نجاحاته في دول العالم الثالث؛ لأن التنوع والتعددية سمة أساسية من مظاهر نشأة الكون واختلاف الطبيعة الإنسانية والتاريخية والجغرافية، وأن التنوع الإنساني وتعدداته ليست وليدة اللحظة، ولكن طبيعة الإنسان وفطرته التي خلقه الله عليها؛ توجب هذا الجنوح إلى ثقافة الاختلاف وليس التقليد الأعمى لتجارب الشعوب.

ويجب علينا ألا نغفل هذه الحقيقة الواضحة، فهناك التعددية الدينية والمذهبية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية والأخلاقية؛ المرهونة بالعادات والتقاليد والأعراف والأصول المرعية في الارتقاء بالحياة الإنسانية، فالتعددية الدينية العقائدية في طبيعة الدولة المصرية؛ تحتم علينا الاعتراف بوجود هذا التنوع في حرية العقيدة، وضرورة احترام كل فصيل للآخر؛ تحت ظلال الدولة وتوجهاتها دون السماح بإيجاد منافذ للصراع الذي يهدد السلامة والأمن والأمان لكل فرد على أرض الوطن.

وعلى أساس الاعتراف بهذا التنوع الفطري للإنسانية، كان لزامًا على الدولة إطلاق حرية التعبير بكل المصداقية والتوجهات الوطنية؛ تحت ظل التعددية السياسية المشروعة وكوادرها التي تعمل في العلانية تحت جناح وحماية الدولة ودستورها؛ ولا تسمح إطلاقًا للتيارات التحتية باستقطاب الشباب بالجنوح للمعارضة التي تفتت شمل المجتمع وتفكك أواصره، وفي هذا الصدد لا مكان ولا رأي لمن يجلسون على صفحات ما يسمى بـ "المدوِّنين" الذين لاهَمَّ لهم سوى إشعال الفتن وإشاعة الفوضى في جنبات المجتمع؛ هذا المجتمع الجديد الذي نسعى بكل ما لدينا من طاقة لاستعادة عافيته في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ مصرنا المحروسة.

وإن كان لي من تعليق أخيرعلى هذا اللقاء الرائع بين الحضارة المصرية والحضارة الفرنسية؛ فإنني ـ ولعل الجميع يشاركونني الرأي ـ أرى أن علينا أن نتخذ من احترام التعددية والاعتراف بالتنوع الإنساني منهاجًا وأساسًا قويًا لمعاملاتنا الحياتية اليومية في مجالات الحياة كل؛ فبغير التضافر والانسجام بين فصائل المجتمع على اختلاف توجهاتها؛ لن نستطيع أن نصنع الغد المشرق المفعم بكل طموحاتنا المشروعة في بناء المشروعات العملاقة التي ترتقي بالوطن والإنسان إلى أعلى مراتب الحياة الكريمة المبتغاة.

إن الإرادة الوطنية المصرية لاتخضع ـ ولن تخضع ـ لرأى أو رؤى من لايشعرون بحجم التحديات التي تواجهها مصر منذ فجرالتاريخ؛ وكان رد الرئيس عبد الفتاح السيسي في حديثه عن احترام التنوع الإنساني قاطعًا في تأكيد تمسكنا بهذا الاتجاه، لينتزع الاحترام ممن شاهدوا هذا التلاحم بين الحضارتين المصرية والفرنسية.

مقالات اخري للكاتب

زعيم ثورة "يونيو" ورئاسة الاتحاد الإفريقي!

إن تولى مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي في هذه المرحلة الفارقة من تاريخها يُعد نجاحًا متواصلاً لمصر على مستوى المحافل الإفريقية؛ لتقود القارة السمراء التي وضعت

القوى الناعمة.. والاستثمار الرياضي!

كانت رؤيتنا ثاقبة حين قمنا بفتح ملف "القوى الناعمة" في الفنون والثقافة؛ واستبيان مدى تأثيرهما الإيجابي على ضمان واستقرار الأمن القومي في الواقع المصري

مفاهيم التنوع الإنساني.. بين "السيسي" و"ماكرون"!

هل كان الرد على ضيف مصر الرئيس الفرنسي "ماكرون"؛ فوريًا وأشد دلالة وقناعة من رئيس كل المصريين الفذ "عبدالفتاح السيسي" ؟!

ثقوب الخلل المجتمعي.. وأواني الشر!

من المعضلات التي تواجه من يحاول التصدي لإيجاد حلول قاطعة لمشكلات بعض شرائح المجتمع استحالة تناول قضية (ما) إلا بضرورة البحث عن أسبابها وجذورها ليكتشف خلال

رئيس "كل المصريين".. وقطوف شجرة المحبة!

جاء افتتاح مسجد الفتاح العليم والكاتدرائية بالعاصمة الإدارية الجديدة كرسالة من رئيس "كل المصريين" إلى العالم الحر؛ أو قل إنها "ضربة معلم" في مقتل لأعداء

شبابنا.. و"رق الوظيفة".. و"سوس البيروقراطية"

يستطيع الرسام الممسك بالفرشاة و"باليتة الألوان" رسم لوحات رائعة لكل ما تقع عليه عيناه ويهتز لها وجدانه، وأيضًا يستطيع النحَّات بالإزميل نحت تمثال في الجرانيت