فقد أبويه واحتمى بالشارع فاحتضنه فيروس "سي".. عمر يبدأ "حياة كريمة" ويروي مأساته لـ "بوابة الأهرام"

30-1-2019 | 18:05

عمر حسام عبد اللطيف

 

داليا عطية

يبلغ من العمر 17 عامًا ويسكن الشارع منذ سنوات، فبعد أن تعرض للضرب والتعذيب من أخيه المدمن، قرر أن يهجر منزله ليصبح بذلك طفلًا بلا مأوى.. قصة مأساوية لواحد من آلاف الأطفال الذين أعطوا ظهورهم لمنازلهم رغمًا عنهم لكنهم قرروا بإرادتهم التوجه إلي الشارع والاحتضان به فرارًا من آلام جسدية ونفسية لتتكون بهم في المجتمع كتلة عُرفت باسم " أطفال الشوارع".


عمر حسام عبد اللطيف.. التقت به "بوابة الأهرام" في ليلة شديدة البرودة داخل سيارة "أطفال بلا مأوى" التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي والمخصصة لنقل الأطفال المشردين إلي دور رعاية تنفيذًا لمبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسى "حياة كريمة".

بدأ الحوار مع عُمر الذي كان يجلس متكئًا ويضع قدمه اليسري علي كرسي أمامه بسبب إصابته التي قال عنها بلغته البسيطة: "دي اتعجنت في حادثه كنت رايح أجيب أكل وعربية خبطتني".

يقول عمر إنه يسكن الشارع منذ سنوات وبالتحديد منذ ثورة 25 يناير بعد أن تعرض للضرب والتعذيب من أخيه المدمن الذي قال عنه "قتل إخواتي لأن البودرة مأثرة فيه" وعن والديه قال إنهما توفيا ليصبح يتيم الأب والأم ومع تكرار التعذيب اختار الشارع ليكون مأوى له فاحتمي بجدران مجمع التحرير واتخذ منها بديلًا لجدران منزله.

فور سؤاله: "أنت دخلت المدرسة؟" لمعت عينيه وبدت أسنانه غير المستوية بعد أن ملأت الابتسامة وجهه وقال: "لا.. ولا دخلت حضانة ولا مدرسة"، ولا أدري مدلول هذه الابتسامة هل هي خجلًا من عدم التحاقه بالتعليم أم فرحة بفكرة التعليم وطرحها خاصة أنه ذكر الحضانة في إجابته وكأن حرمانه من التعليم عالقًا في ذاكرته.

وعن كيفية حصوله علي طعامه كل يوم وأيضًا حصوله علي المال أجاب عمر في نفس اللحظة ودون تفكير بأنه يساعد الآخرين، ويؤكد أنه لم يتسول أو يطلب نقودًا من أحد رغم حاجته الشديدة لسد جوعه يوميًا وأنه يقوم بحمل الحقائب عن المواطنين غير القادرين وما شابه ذلك من مساعدات يحصل من خلالها علي ما يسمي بـ "البقشيش" مؤكدًا أنه لم يطلب شيئًا من أحد.

"مبسوط إنك رايح دار رعاية؟".. سؤال أجاب عليه عمر بنفس الابتسامة السابقة والتي لم تفارقه منذ لقائنا به فقال إنه سعيد لأن الوزارة قدمت له الإسعافات الأولية علي قدمه المصابة وستستكمل متابعتها طبيًا بعد أن فقد الأمل في علاجها قائلًا: "قلت الشافي هو الله".

مال عمر برأسه نحوي ليقول بصوت منخفض إنه أخبر فريق إنقاذ المشردين بأن والدته المتوفية كانت مريضة سرطان وأنه يعاني من فيروس "سي" ويخشي أن ترفض الوزارة إيداعه في دار رعاية بسبب الفيروس لينزل هذا الحديث كالصاعقة علي مسامعي.. هذا الطفل الذي لم يتجاوز الـ 18 عامًا فقد والديه وتعليمه ومنزله، والآن يفقد صحته والغريب أن الابتسامة لم تفارق وجهه حتى إنني ظننت سعادته بجلوسه في الشارع لكن خاب هذا الظن بعدما قال إنه يريد مكانًا آمنًا لينتقل إليه ويودع الشارع دون رجعة، مؤكدًا أنه يرغب في حياة كريمة: "تعبت كتير من الشارع وشفت بلاوى سودة".

بالرغم من تعدد الفقد والحرمان في حياة عمر إلا أنني سألته قبل نهاية الحديث عن أمنيته في الحياة فجاءت الصدمة الثانية علي مسامعي إذ أنه لم يتمني الالتحاق بالتعليم أو العودة إلي منزله أو يشتهي أكله مثلًا باعتباره مفتقدًا لأمه ومن ثَمَّ رعايتها وخدمتها ففي سرعة وبتلقائية أجاب قائلًا: "أنا عايز الفيروس يروح مني".

جدير بالذكر، أننا التقينا داخل سيارة إنقاذ المشردين محمد سيد مدير مديرية وزارة التضامن الاجتماعي ورئيس فريق أطفال بلا مأوي الذي كان يتفقد السيارة والحالات التي عثرت عليها وفور علمه بأن الطفل عمر يعاني من فيروس "سي" تواصل هاتفيًا مع وكيل وزارة الصحة الذي وجّه بسرعة تحويله إلى مستشفي المنيرة لتقديم الرعاية الطبية المناسبة له.


.

الأكثر قراءة