نور الهدى أسيرة "المجد والدموع".. بدأت حياتها "جوهرة" وأنهتها بـ"حكم قراقوش" | صور وفيديو

27-1-2019 | 16:30

نور الهدى

 

أحمد عادل

غالبا ما يضم "المسكوت عنه" في تراثنا الموسيقى سيرا رائعة لنجوم زمن الفن الجميل، من أولئك الذين اشتهروا بأعمال فنية في فترة ما، قبل أن تنحسر عنهم أضواء الشهرة، ويذهبوا فجأة في ثنايا النسيان، ويصبحوا ما بين ليلة وضحاها وجهًا مألوفًا من " مظاليم الفن ".

فجأة كان الظهور، وفجأة كان الاختفاء، وما بينهما مسيرة فنية لم تتجاوز عشرة أعوام، اختلط فيها "المجد والدموع" كعنوان لأشهر أفلامها، لكنها نجحت في أن تفرض نفسها كإحدى أيقونات الأوبريتات والدويتوهات الغنائية ما بين منتصف الأربعينيات وحتى رحيلها المفاجئ عن مصر مع منتصف الخمسينات، إنها المطربة الكبيرة " نور الهدى ".


نور الهدى و فريد الاطرش

ولدت ألكسندرا نقولا بدران، في 24 ديسمبر عام 1924، بمدينة مرسين التركية، لوالدين من أصل لبناني، وظهرت طاقاتها الصوتية في وقت مبكر من طفولتها حين كانت تؤدى التراتيل المسيحية في الكنيسة الأرثوذكسية، وصاحب هذا تشجيع من والدها.


وحينما كانت طفلة في عمر التاسعة، وأثناء زيارته لجبل لبنان، استمع الموسيقار محمد عبدالوهاب للطفلة ألكسندرا تغنى قصيدة "يا جارة الوادي" من كلمات أمير الشعراء أحمد شوقي، وأثنى على صوتها، لكنه نصح والدها بألا يتعجل عليها العمل الفني في ذلك السن المبكر حفاظاً على صوتها، لكنه لم يكن يعتقد أن هذه الطفلة ستغنى معه فيما بعد أغنيته الشهيرة "شبكوني ونسيونى قوام" وتظهر معه في آخر أفلامه "لست ملاكاً" عام 1946.


وسنحت الفرصة لألكسندرا، حين استمع إليها عميد المسرح العربي يوسف بك وهبي، في حلب عام 1942، وعرض عليها المشاركة في فيلمين هما "جوهرة" عام 1943، و"برلنتي" عام 1944، واختار لها اسمها الفني الذي لازمها، وعرفه الجمهور " نور الهدى "، ولم يكن ظهورها مشاركة فقط، بل كانت "بطولة مطلقة"، وهكذا كان الظهور الأول ل نور الهدى في دور البطولة.


وخلال هذين الفيلمين تغنت نور الهدى ، على موسيقى الفرسان الثلاثة من ملحني أم كلثوم ، وهم: رياض السنباطي، وزكريا أحمد، ومحمد القصبجي، وقد جمعت هذه الأغنيات بين الرشاقة الموسيقية التي لم تخل من النزعات التجريبية، فغنت للسنباطي أغنية "يا أوتومبيل"، وللشيخ زكريا أحمد، "أه من عذابي"، وللقصبجي "خطوة بخطوة"، وقد أثارت هذه الخطوة حفيظة نجمات هذا العصر من أمثال أم كلثوم ، وأسمهان، وليلى مراد، في وقت كانت السينما المصرية تشهد سباقاً قوياً في مارثون "الأفلام الغنائية".


نور الهدى و محمد فوزي

في عام 1946، شهد ظهورا قويا ل نور الهدى ، حين وقفت تؤدى البطولة أمام الموسيقار في فيلم "لست ملاكا"، وخلال هذا الفيلم شاركت بالغناء في 4 دويتوهات أمام عبدالوهاب، في سابقة لم تحدث في أفلامه، التي شاركته البطولة فيه مطربات أخريات مثل ليلى مراد، ورجاء عبده، فغنت أغنيات مثل "شبكوني ونسيونى، كنت فين تايه وغايب، أضحكى وغنى، ما تقولى مالك محتار".

أما الظهور الثاني فقد كان أمام الموسيقار محمد فوزي، في فيلم "مجد ودموع"، وقد كان بداية تعاون فني أثمر عن فيلمين آخرين هما " قلبي يا أبى، ونرجس"، وخلال هذه الأفلام شاركت نور الهدى ، محمد فوزي، في غناء الأوبريتات مثل "الأوكازيون، وست الحسن"، أو الدويتوهات مثل "تعالى أقولك" والتي تمتاز بالابتكار اللحني الذى يمتاز بالخفة فشكلت باكورة أعمال فوزى الخفيفة في وقت لم تكن شادية قد ظهرت، أو تعاونه مع ليلى مراد قد بدأ بعد.


وحتى ذلك الوقت، لم تكن نور الهدى قد مرت بمحطة موسيقية فارقة في مسيرتها الغنائية، بالتعاون مع الموسيقار فريد الأطرش ، وكان في ذلك الوقت يشار إليه باعتباره فارسا آخر من فرسان الأفلام الغنائية والاستعراضية، إلى جانب محمد فوزي، وكان الأطرش في ذلك الوقت في مرحلة اكتشاف للصوت الغنائي الذى قد يعوضه عن وفاة أخته أسمهان عام 1944، وقد وجد في نور الهدى ، لمحة من الصوت الأسمهانى، فصادف غرضه، واستطاع فريد أن يكون ثلاثياً ناجحا عبر مزج صوته بصوت نور الهدى ، ووظف موسيقاه على رقصات سامية جمال في فيلمين من أفلامه عام 1951، وهما "ما تقولش لحد" و"عايز أتجوز" وخلال هذين الفيلمين قدما مجموعة من الأوبريتات مثل "قمر الزمان"، و"ما تقولش لحد"، أو عبر الدويتو الغنائي مثل أغنية "ما لكش حق"، كما قدم لها بعض الأغنيات الخفيفة الرشيقة مثل "يا ساعة بالوقت إجرى".


تميزت نور الهدى ، بغناء القصائد مثل "يا جارة الوادي"، والموشحات مثل "لما بدا يتثنى"، وفى تلك القصائد كانت تظهر خامتها الصوتية، وقدراتها على التنقل بين المقامات الموسيقية، وبالرغم من أنها مسيحية أرثوذكسية إلا أنها غنت القصائد الدينية باقتدار، وقد بلغت الغاية في ذلك بقصيدة "تباركت يارب من خالق" من كلمات شريفة فتحي، وألحان الموسيقار العملاق رياض السنباطي، وقد غنتها في آخر أفلامها "حكم قراقوش" أمام زكى رستم، وسراج منير عام 1953.


وإلى جانب تلك القصيدة غنت أيضًا "يارب سبح بحمدك كل شيء" من ألحان مداح الرسول محمد الكحلاوي، و"رتلوا أي الكتاب المنزل" لرياض السنباطي، وأغنية "هل هلال العيد على الإسلام سعيد" من كلمات بيرم التونسي، وألحان فريد الأطرش .


وحاولت نور الهدى ، إنتاج فيلم لها حمل اسم "هدى" لكنه فشل فشلاً ذريعاً، اعتبره البعض نتاج تدخل والدها الذي كان مسيطراً عليها في اختيار الأعمال الفنية فكان ينظر إليها باعتبارها "ابنة أبيها" كما أنها لم تحاول أن تخرج من جلبابه، وقد قُدرت الخسائر بأكثر من ثلاثين ألف جنيه، وهو مبلغ كبير لم تستطع أن تعوضه ببطولاتها مع فريد الأطرش أو أفلامها مع أنور وجدي، وحسين صدقي، وأحمد سالم، فباتت مطاردة من الضرائب، وازداد الأمر سوءا حين اتخذ مجلس النقابة قرارا بمنع نور الهدى من الغناء في الحفلات، والاقتصار على الأغاني في الأفلام فقط، وشكل هذا الفرمان ضربة قوية ل نور الهدى التي آثرت الرجوع إلى لبنان، وتعود من حيث أتت.


وفى لبنان، اقتصرت نور الهدى ، على غناء القصائد في المهرجانات الغنائية، والمشاركة في عدة أفلام لم تحقق شهرتها كتلك الأعمال التي قامت بها في مصر، ولم تحرز من الشهرة التي نالتها ابن خالتها الشحرورة "صباح".


أما على الصعيد العائلي، فقد نالت نور الهدى ، لقب "راهبة الفن" حيث لم تتزوج، وانزوت نور الهدى ، بعيدا عن أضواء الشهرة التي رسمت صورتها اللامعة خلال الأربعينيات والخمسينيات، حتى رحلت يوم التاسع من يوليو عام 1998.


الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]