ثقوب الخلل المجتمعي.. وأواني الشر!

24-1-2019 | 22:15

 

من المعضلات التي تواجه من يحاول التصدي لإيجاد حلول قاطعة لمشكلات بعض شرائح المجتمع استحالة تناول قضية (ما) إلا بضرورة البحث عن أسبابها وجذورها ليكتشف خلال رحلة البحث أنها تشبه في تعقيداتها وتشعباتها "نظرية الأواني المستطرقة"، ويصطدم بحقيقة لا مراء فيها بأن كل مشكلة تظهر على سطح المجتمع جاءت كنتيجة طبيعية لمشكلة أخرى في متوالية تصاعدية أو تنازلية لانهائية.


ولعل البداية كانت في محاولات إيجاد حلول قاطعة لظاهرة "أطفال الشوارع"؛ وجذورها العميقة المتمثلة في الخلافات الناتجة عن التفكك الأسري جراء الطلاق؛ أو ضيق ذات اليد لكثرة إنجاب الأطفال بلا حساب للظروف الاقتصادية المتاحة، وهنا نجد أن "يد القانون" مغلولة عن الردع الكافي لإيقاف هذا التسرب الهائل ـ ونخص بالذكر التسرب من مراحل الدراسة والتعليم ـ إلى أحضان الشوارع الجافة التي لا ترحم، لتبدأ نظرية الأواني المستطرقة في تغذية وملء روافدها في كل الاتجاهات التي تعود بالضرر البالغ على كل جنبات المجتمع، فيتجهون تلقائيًا ـ من الجنسين ـ إلى الشوارع الخلفية ـ بالتعبير المجازي للكلمة ـ لتتلقفهم الأيدي القذرة المدربة على اقتناص هؤلاء؛ لتدفع بهم إلى الانحراف بكل أشكاله وصنوفه المتعددة التي لا تخفى على الراصدين للأمراض المجتمعية، من سرقة ودعارة وإدمان وتجارة بالمخدرات وجرائم القتل والانتماء إلى جماعات التطرف والإرهاب الفكري والعقائدي، ناهيك عن الحالة النفسية العدائية الفطرية للمجتمع، والتي يتحوَّل فيها كل فرد منهم إلى قنبلة موقوتة تمشي على قدمين، تصيب شظاياها ـ لحظة انفجارها ـ كل من يقف في طريقها؛ ليتمزق ستار الأمن والأمان داخل الوطن.

ومع كل الاحترام والتقدير للحملة التي بدأت ـ بتوجيهات الرئيس السيسي ـ لإنقاذ عشرات المشردين بالشوارع تحت شعار"إحنا معاك"؛ بعد اكتشاف بعض حالات الموت جوعًا أو تجمدًا من زمهرير الشتاء، لكل من يتخذ من أرصفة الشوارع سكنًا أو إقامة مستديمة ـ وكأننا لا نتحرك إلا بعد وقوع المصائب ـ ربما لتفاقم الخلافات الأسرية بين بعضهم البعض، نتيجة الأطماع الدنيوية بين الإخوة أو الورثة، فيترك لهم الأخ "الجَمَل بما حَمَل" ـ كما شاهدنا في بعض البرامج التليفزيونية ـ لتتلقفه إحدى روافد أواني الشر التي حفل بها المجتمع في الآونة الأخيرة، أو اللجوء إلى حرفة التسول والاستجداء في صورة "عامل نظافة" يقطع الطريق على المارة والسيارات؛ أو ارتداء عباءة "البلطجة" لفرض الإتاوات على أصحاب السيارات في صورة "سايس وهمي" لم يكلفه أحد؛ والويل لمن لا يدفع ثمنًا لهذه الحراسة الوهمية، إما بسرقة محتويات السيارة أو إحداث تلفيات جسيمة بها.

أقول ـ مع كل الاحترام لهذه الحملة الإنسانية بدعوة الرئيس ـ : إننا نتلامس مع المشكلة في قمتها ونتغافل عن بحث أسبابها وجذورها العطِنة المتغلغلة في تربة المجتمع !

وأستند هنا إلى ما قالته نائبة برلمانية في حوار تليفزيوني: أن عام 2018 شهد ـ مع كل الأسى والأسف ـ مليون حالة طلاق، الأمر الذي أدى إلى وجود تفكك أسري خطير وملموس داخل المجتمع المصري، مما يستدعي إحداث تغيير فوري في القوانين الأسرية؛ بحيث تلمس الحالة النفسية والاقتصادية، بالإضافة إلى توفير حياة أفضل للأطفال الذين يتسربون إلى الشوارع من ثقوب هذا الخلل المجتمعي الموجود على أرض الواقع، ولابد من مواجهته والعمل على علاجه، الأمر الذي أرى معه ضرورة فتح النقاش بين منظمات المجتمع المدني والجهات السيادية المسئولة حول التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية؛ وتحديد مسئولية ومهام "مجالس المحليات" لإعادة الانضباط الواجب إلى الشارع المصري بكل تحدياته لتتوافق مع الواقع متسارع الإيقاع في ارتفاع المؤشرات السلبية في اتجاهات عدة.

إنني من واقع المعايشة اليومية مع الشارع المصري يؤسفني أن أرى أن كل الحراك المجتمعي نحو تبنِّي الحالات الإنسانية الضاغطة، تأتي من خلال "توجيهات الرئيس"؛ هذا القائد الذي لابد أن نترك له المساحة الكافية لوضع المخططات الإستراتيجية في إعادة بناء البنية التحتية المهترئة بالمشروعات القومية العملاقة التي يعمل جاهدًا على بنائها،وتفرغه لرسم سياسات مواجهة الإرهاب المتطرف داخليًا وخارجيًا، وأن تمتد معه سواعد كل الشرفاء من رجال ونساء هذا الوطن أصحاب الخبرات، وهذا ليس بعزيزٍ عليهم ولم تعدم مصر من النجباء العارفين بوطنية وإنسانية هذا القائد الذي منحته لنا الأقدار في هذا الوقت العصيب من تاريخ مصر المحروسة.

الحلول سهلة وميسَّرة لمن يريد تحمل المسئولية الوطنية، وعلى رجال "المحليات" الاستعانة بكل الطاقة الإيجابية للشباب بمنحهم "تراخيص عمل" للأعمال المرتبطة بأماكن الانتظار للسيارات في الشوارع والميادين، ضمانًا لانخفاض معدل "البطالة" وحرصًا على الدخل المناسب الذي يحفظ عليهم حياتهم الكريمة؛ دون التسول والاستجداء والبلطجة، وليتنا نرى العودة إلى وجود "عدادات الانتظار" لتحديد المقابل، ويكون لكل شاب نسبة معقولة في هذا الدخل، ويذهب المتبقي إلى خزينة المحليات للصرف على الصيانة ومشتملاتها، وهذه مجرد رؤية متواضعة من وجهة نظري لبعض الحلول الفورية، برغم عدم تخصصي في هذا المجال، وليتني أجد العديد من الاقتراحات لمساعدة أولي الأمر؛للأخذ بما يفيد منها.

أختتم مقالي بدعوة صريحة لنخبتنا وقوانا الناعمة بأن تستنهض همتها وتكرس نفسها وطاقاتها جنبًا إلى جنب مع وطنيي مصر الشرفاء لوضع الحلول الناجزة لسد ثقوب خبيثة تتغلغل كالسوس لتمزق ثوب مصر الناصع مجتمعيًا، وتفسح للشر مجالًا لملء أوانيه.. ترى متى نرى النتائج ملموسة على الأرض؟!

مقالات اخري للكاتب

ماراثون رمضان (٢).. هَمْ يضحَّكْ وهَمْ يبكِّي!

في مجال محاولة رصد إيقاع نبض برامج الساحة الإعلامية في رمضان، مازلنا نقف على الجانب الآخر من النهر وعيوننا مشرئبة على القطار الذي خرج عن قضبانه ليدهس معظم

خُدَّام الشر

تابعت مثلي مثل بقية رواد قناة Ten؛ القناة التي أخذ القائمون عليها على عاتقهم أن تكون الاستنارة نصب أعينهم فيما يقدمونه على شاشتها من برامج وحالفهم التوفيق على مدار العام؛ فكان من الطبيعي أن نجد خريطتهم البرامجية في رمضان مختلفة واستثنائية.

روض الفرج .. وتاريخية المكان!

قد يهُونُ العُمــر إلا "ساعةً" ** وتهونُ الأرضُ إلا "موضِعَا"!

حديث العقل والقلب مع محمد الباز

تستطيع أن تلتقيه دون تحديد موعد مسبق؛ ودون أن يستلزم ذلك ضرورة المرور على "طاقم سكرتارية" من الحسناوات؛ يطالبونك بملء "استمارة بيانات" عن غرض المقابلة؛

كيف نعالج فوضانا بلا صمت؟!

حين راودتني فكرة هذا المقال بطرح هذا السؤال طريقا لحل أتمناه لإصلاح ذات البين لما أفسدته فوضانا المجتمعية وتغير سلوكياتنا رأسا على عقب، وكلنا يستشعر هذا

لا وقت للحزن..على خط النار

"في الحرب لا وقت للحزن عند العسكريين، يرى الجندي زميله يتساقط فلا يملك حق البكاء عليه، ليس أمامه سوى أن يحمل سلاحه ويواصل القتال، في الحرب لا وقت أمام القائد للتوقف ثانية واحدة عن التفكير.. أما عن الأحزان فهي مؤجلة؛ لهذا لا يكون النصر سعادة خالصة، بل سعادة مشوبة بالحزن على الشهداء".

الأكثر قراءة