من يحبه الله؟

16-1-2019 | 23:36

 

يظن غالبية الناس أن علامات حب الله لعبده، تتجلى في نعمه عليه، وتظهر من خلال، إغداق الرحابة وسعة الرزق والبنون، وما شابه، ويظنون أن العكس سليم.


والحقيقة قد تكون مغايرة لما يظن الناس، فأقرب الخلق لله، هم رُسله وأنبياؤه، وهم أكثر الناس ابتلاء، منهم سيدنا يوسف، الذي قضى عدة سنوات في السجن، وسيدنا يعقوب، الذي فقد بصره لعدة سنوات، وسيدنا إبراهيم، الذي رأى في المنام أنه يذبح ابنه سيدنا إسماعيل، وسعى لتنفذ رؤيته، لولا أن فداه الله بذبح عظيم، وأصبح الذبح نسكًا يفعله المسلمون جميعًا.

وسيدنا محمد عليه وعلى جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه، فقد أولاده، القاسم وعبدالله وإبراهيم، وهذا أمر جلل، يصعب احتماله، وكانت مهنته رعاية الغنم، وبرغم أنه رسول الله وخاتم النبيين، وخير خلقه، ونحن المأمورون بالصلاة والسلام عليه من الله عز وجل، لم يكن من ذوي الأملاك، وكانت تمر عليه أوقات عصيبة.

وكانت كلما مرت به ضائقة يدعو الله، أن يُفرجها، ويلح في دعائه، وكلنا نتذكر أدعية الرسل "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ (84) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ (86) وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)" سورة الأنبياء.

كل ما سبق وغيره، يؤكد أن الله، حينما يبتلي أحدًا من خلقه، لا يعني أنه يغضب عليه، "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص ‏من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين سورة البقرة الآية (155).

فحينما تُصاب بابتلاء، تلجأ إلى الله، وتدعوه وتلح في الدعاء والرجاء، أن يرفع عنك البلاء، ولابد أن تعلم أن الله يحب أن يسمع صوت عبده الذي يحبه ولا يمل من تكرار سماع صوته، أما العبد الذي لا يحبه الله، لا يحب سماع صوته، فينشغل بمغريات الحياة وزهوها، ويبتعد عن الله، ولا يناجيه.

فهل علامة حب الله لعباده هي الابتلاء فقط؟

رأيي أن هناك علامات كثيرة تبين حب الله لعباده، وأنه يختص بها من يشاء، فما هي؟

في بعض الأوقات قد تسير في أحد الطرقات، والصدفة التى اختصك بها الله، تجعلك تقابل مسنًا في حاجة للعون، أن تعبر به طريق، أو تساعده في حمل متعلقاته.. إلخ ، أو أن تقابل محتاجًا عفيف النفس، لا يطلب مساعدتك، ولكن قلبك يوجهك لأن تعطيه ما تقدر عليه، أو تجبر بخاطر مسكين، فيجبر بخاطرك الجبار سبحانه وتعالى.

علامات حب الله كثيرة ومتنوعة، فما اختصك به، كان يمكن أن يختص به غيرك، ولكنه اختارك، فهل كنت على قدر الاختيار، "مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، سورة البقرة الآية (245). فهل تظن أن الله في حاجة لقرضك؟

بالقطع لا، ولكنه يخلق السبل ليرزق بها عباده، وشبه سبحانه وتعالى من يفعل الخير وينفق من ماله، كأنما يُقرض الله، الذي خلقك ويملك أمرك كله، وهو ليس في حاجة لك، بل أنت من تحتاج إليه، يا الله الذي وسعت رحمته كل شيء.

أن الله حينما يبتليك فهو يحبك ليسمع صوتك بمناجاته، وأيضا حينما يضع في طريقك محتاج فهو يحبك، حينما تقدم له العون " لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ" الآية (92) من سورة آل عمران.

وليس معنى ذلك أن من يعيش في رغد، ليس محبوبًا من الله، فأمامه فُرص لا تُعد ولا تُحصى يتقرب بها من الله، يراها في طريقه كل يوم، ولكن هناك من يعي ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم، ويدرك أنه سبحانه وتعالى مطلع على الأفئدة وبصير، فيسعى للفوز بمرضاته، وهناك من يسهو وينسى، وما علينا إلا أن نُذكر.

وأخيرًا، إذا كان الله يحبك وأرسل إليك الدلائل المؤكدة على ذلك، فهل أنت تحبه بقدر حُبه لك؟

اجعل إجابتك مقترنة بأفعالك، واعلم أنك في حاجة دائمة للحصول على مرضاة الله، وليس العكس.

emadrohaim@yahoo.com

مقالات اخري للكاتب

الضمير!

الحديث عن الضمير شيق ومثير؛ ودائمًا ما يطرب الآذان؛ ولما لا وهو حديث ذو شجون؛ يأخذ من الأبعاد ما يجعله رنانًا؛ فدائما حينما ينجرف الحوار إلى الضمير؛ تجد ما يثير شهية النفس لتدلي بدلوها في مفهومه وأهميته.

ضريبة العمل العام

حكى لي صديقي المُقرب عن أزمة يعانيها؛ نتيجة توليه مسئولية إدارة شئون عمارته التي يقطن بها؛ بعدد سكانها الكبير للغاية؛ فمنذ تولي المسئولية هو وبعض من جيرانه؛ وهو يُواجه بسيل كبير من الانتقادات والإيحاءات غير اللطيفة؛ عن كيفية إدارته لأحوال العقار القاطن به.

ضرورة وجود آلية لضبط الأسعار

لا خلاف على أن ارتفاع الأسعار من العوامل المؤثرة على قطاع كبير من المواطنين، لاسيما بعد وصولها لمستوى يفوق قدرات الكثير من الناس، وبات حديث الأسعار قاسمًا مشتركًا للناس، ودائمًا ما ينتهي هذا الحديث بتمنياتهم بنزولها.

فن اللامبالاة

إنه فن قديم؛ ظهر منذ القدم؛ مع بدايات الإنسان؛ وكان أتباعه محصورين في قلة بسيطة؛ وكان ما يميز سلوكهم السلبي؛ هو افتقارهم المهارات الإيجابية؛ فتراهم منزوين؛

ما بين البناء والهدم

انقطع التيار الكهربائي أمس في منزلي لمدة دقائق لسبب ما، وعندما كنت على وشك مغادرة المنزل، عاد التيار الكهربائي مرة أخرى، فقال لي نجلى أفضل النزول على الدرج، خشية انقطاعه مرة أخرى.

أحق يراد به باطل؟!

أحق يُراد به باطل؟!

الأكثر قراءة

مادة إعلانية