الطبيب المصري قوى ناعمة (6)

13-1-2019 | 00:07

 

لمصر تحديدًا تاريخ طويل مشرف، في مجال الطب، يمتد إلى آلاف السنوات، منذ عصر الأهرامات إلى عصر مجدي يقوب وغنيم؛ حيث تجاوز نجاحاتهم مصر والعالم العربي إلى العالم بداية من أمنحوتب - إله الشفاء في مصر القديمة - والذي يعتبر مؤسس علم الطب، كما كان فن تحنيط الموتى انعكاسًا لتشخيص علمي دقيق لجسم الإنسان، كما كانت الإسكندرية، وخاصة خلال عهد البطالمة مركز إشعاع عالمي للطب والعلاج والتعليم الطبي، ومن هنا يمتد التاريخ المشرف للطب والطبيب المصري إلى آلاف السنوات.

وفي العصر الحديث الطبيب المصري هو طبيب الوطن العربي و القاهرة عاصمة العرب في الطب والثقافة والفنون، وكانت مصر في الخمسينيات والستينيات ترسل الطبيب والمعلم المصري لجميع أنحاء العالم العربي، وعلى نفقة الدولة المصرية.

ولا يوجد منافس للطبيب المصري في الوطن العربي؛ لأسباب عديدة منها: مهاراته وتاريخه، ومنها اللغة والثقافة بوجه عام؛ حيث إن للعادات والتقاليد وأسلوب وثقافة المجتمع بوجه عام دورها المهم في أسباب المرض، أو أساليب الوقاية والعلاج بوجه عام، كما أنه برغم النهضة العلمية التي شملت معظم أنحاء العالم العربي، واستطاعت توفير كوادر وطنية متخصصة في معظم المجالات بوجه عام، تصل فيها نسبة الاعتماد على أبناء الوطن نحو80% في معظم التخصصات، إلا أن هذه النسبة تنخفض كثيرًا في مجالات الطب تحديدًا إلى نحو 25% فقط، مما يؤكد الحاجة المتزايدة للطبيب المصري؛ لأنه طبيب الوطن العربي، وهذه مسئولية مصر، وثروتها في الوقت نفسه، ومن هنا خطورة وتداعيات المشكلات الحالية التي يعاني منها الطبيب المصري، وهى تنعكس سلبيًا على الكم والكيف؛ بمعنى أن نسبة عدد الأطباء لعدد السكان في مصر تنخفض بشدة مع تزايد السكان وتزايد نسبة هجرة الأطباء؛ سواء للخارج، أو هجرة ممارسة الطب لأعمال أخرى أكثر ربحية.

والمؤسف أن تجد طبيبًا حديث التخرج ترك العمل في الطب لقيادة سيارة أجرة؛ من أجل دخل مادي أعلى، ومن ناحية الكيف نجد تراجعًا في مستوى التأهيل والتدريب للأطباء، كل هذا ينبئ بتزايد العجز وتفاقم المشكلة مستقبلا، مما يعني عجز الدولة عن توفير الحد الأدنى للرعاية الصحية للشعب مستقبلا؛ ومن ثم فهي قضية أمن قومي تحتاج لمؤتمر قومي كبير لمناقشة مشكلات الطب والأطباء في مصر.

وتتعدد المشكلات والمعوقات، ونبدأ بالمشكلات المادية؛ حيث نجد أن مكافأة الطبيب في مرحلة الامتياز نحو ثلاثين جنيهًا مصريًا فقط - في الشهر، ثم بعد ذلك عند العمل يكون راتبه نحو مائة دولار فقط، هذا هو أجر إنسان متفوق وحصل على نحو 98% في الثانوية العامة، وتفوق على جميع زملائه، ثم درس سنوات عديدة مقررات علمية وعملية صعبة، وبعدد أكبر من السنوات الدراسية، ثم يجد زملاءه خريجي الكليات الأخرى مثل التجارة أو الحقوق أو غيرها من الكليات التي لا تحتاج إلى هذا التفوق أو الجهد يعين في جهات حكومية بمرتب يتجاوز ثلاثة أضعاف مرتب الطبيب أو أكثر!

فهل يعقل أن يكون راتب الخريج الحديث في بنك حكومي أو شركة بترول أو الكهرباء أعلى من أجر الطبيب، والقضية مادية ومعنوية معًا؛ لأن الطبيب يشعر بالظلم وعدم التقدير معًا؛ مما ينعكس بالطبع على عمله وكفاءته.

ومن هنا أهمية إعادة النظر سريعًا في نظام الأجور في كافة أجهزة الدولة؛ للعمل على وضع قانون عام للأجور عادل، ويراعي في الوقت نفسه ظروف وبيئة كل مهنة؛ لأن الأسلوب الحالي في أن العمل الذي يزيد دخله أو إيراداته يزيد مكافآت العاملين به؛ مثل البنوك والبترول والكهرباء، في المقابل الأعمال الخدمية التي لا تدر عائدًا ماديًا؛ مثل الصحة والتعليم لا تحصل على مكافآت، هذه رؤية قاصرة وخاسرة؛ لأن بدون تعليم وصحة سقط المجتمع بأكمله، ودراسات البنك الدولي تؤكد أن الاستثمار في التعليم تحديدًا يكون العائد منه سبعة عشر ضعفًا، وأفضل استثمار يكون في التعليم والصحة تحديدًا، وويل لأمة انحدر فيها التعليم والصحة.

وتتفاقم مشكلات الأطباء المادية والنفسية والصحية؛ عندما نجد أن بدل العدوى للطبيب تسعة عشر جنيهًا مصريًا فقط، في حين يأخذ أصحاب مهنة نظرية ثلاثة آلاف جنيه شهريًا بدل عدوى، ولم ينفذ حكم محكمة بألف جنيه بدل عدوى للأطباء؛ الذين كثيرًا ما يصابون بأمراض خطيرة من العمل.

كما أن هناك مشكلات خاصة بتراجع مستوى التعليم، وصعوبة استكمال الدراسات العليا؛ حيث يقع العبء الأكبر على الباحث أو الطالب، وهي تحتاج لتكاليف ومجهود كبير، ويجب أن تكون خير استثمار للوطن.

كما أن هناك مشكلة عدم توافر التأمين الكافي لحماية الأطباء الذين كثيرًا ما يتعرضون للاعتداءات من جانب أهالي المرضى، بجانب مشكلات التدريب العملي، وخاصة مع اتجاه الحكومة إلى خصخصة كثير من الخدمات الصحية؛ ومن هنا فالقضية خطيرة ومتشعبة، وتحتاج لمؤتمر قومي كبير؛ لأن قضية صحة المصريين أمن قومي ولا تحتمل الانتظار، واستمرارها يعني استمرار نزيف وإهدار أهم ثروات هذا الوطن؛ لأن الأطباء هم نوابغ شباب هذا الوطن، ويستحقون من الوطن كثيرًا من الاهتمام والعناية، وهذا حق للوطن قبل أن يكون حق فئة متميزة من شبابه.. اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.

مقالات اخري للكاتب

حضارة مصر بين الشرق والغرب (5)

حضارة مصر بين الشرق والغرب (5)

كورونا فرصة للاستثمار (5)

قال الدكتور محمد عبدالعال، رئيس مجلس النواب الأسبوع الماضي إن مصر قادرة على تحويل أزمة كورونا إلى فرصة للاستثمار؛ من خلال توطين الصناعة وزيادة الاهتمام بالزراعة.

كورونا وهجرة العقول (4)

تصاعد أزمة كورونا كشفت ضعف المنظومة الصحية في معظم دول العالم، وأيضًا ضعف منظومة البحث العلمي والتعليم في كثير من الدول؛ ومنها دول كبرى وعظمى، وبالطبع سوف يؤدي هذا إلى تغيرات كبرى على مستوى العالم في شكل العالم بعد كورونا.

من يدفع ثمن كورونا؟ (3)

كورونا لها تكلفة باهظة وثمن غال على الصحة والاقتصاد، والله سبحانه وتعالى وزع الأعباء الصحية على جميع بلدان العالم بأسره بحكمته وعدالته بين الجميع، ولم يكن هناك فرق بين أمير أو رئيس وبين أي عامل نظافة أو غيره فهي العدالة البيئية في أجل صورها

بدائل السجون في عصر الكورونا

الهدف الأساسى من السجن إصلاح وتهذيب السلوك السلبى للأفراد الخارجين على قواعد المجتمع؛ ولكن الدراسات أثبتت أن السجون عادة ما تفشل فى تحقيق هدف الإصلاح والتهذيب

كورونا ونظرية النفايات

هناك نظرية في العلوم الإنسانية تسمى نظرية النفايات أو القمامة وباختصار تقوم على عدة عناصر تشمل بداية أن ندرس الشيء وعكسه فلكي نفهم الغنى يجب دراسة الفقر؛ لأن كلا الطرفين وجهان لعملة واحدة، ثم إن وجود القيمة واستمرارها فترة ما قد يؤدي لفقدان هذه القيمة أو جزء منها بمرور الزمن.

رسالة مصر في إفريقيا (4)

​ولدت مصر إفريقية؛ حيث كانت هناك عدة أسر قوية كثيرة في شتى أنحاء مصر، وقامت عدة حروب فيما بينهم حتى انتهت إلى أربع أسر وهي التي يرمز إليها بالنحلة والبوصة

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

مصر أم الدنيا ورسالتها (2)

يعرض دكتور حسين مؤنس في كتابه أسباب انتشار جملة "مصر أم الدنيا" بتحليل تاريخي لهذه الحقيقة ولو عرف كل مصري قيمة هذه الأرض لما كفاه أن يعمل بيديه وعقله

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

ما بعد الحداثة والمعرفة البيئية وجمال حمدان (11)

عصر ما بعد الحداثة يتميز بثورة وثروة المعرفة؛ بمعنى تزايد كم المعارف بشكل كبير وسريع بما يمثل ثروة كبيرة في المعرفة بكافة صورها بوجه عام، وهذا في حد ذاته

ما بعد الحداثة والاقتصاد والبيئة (10)

ما بعد الحداثة ترفض عصر الحداثة ومشتملاته؛ خاصة النظم الاقتصادية التي أدت للمخاطر البيئية المختلفة التي نعانيها الآن، مثل: تغيرات المناخ، الدفء الحراري،

[x]