رئيس "كل المصريين".. وقطوف شجرة المحبة!

10-1-2019 | 22:46

 

جاء افتتاح مسجد الفتاح العليم والكاتدرائية بالعاصمة الإدارية الجديدة كرسالة من رئيس "كل المصريين" إلى العالم الحر؛ أو قل إنها "ضربة معلم" في مقتل لأعداء الداخل من دعاة التشدد العقائدي من الطرفين مسلمًا كان أو مسيحيًا أو أي كائن يعبد الله بطريقته وقناعاته، وإلى أعداء الخارج النافخين في "كير" الطائفية والتشرذم وتأجيج الصراع العِرقي والقبلي والعقائدي!

رسالة حُب.. لم تُكتب على ورقٍ يبلى مع الزمن؛ لتطمسه أو تقوم بتحريفه يد العبث في سطور كتاب التاريخ؛ ولكنها الرسالة التي تُعد شهادة وتوثيقًا ونحتًا بإزميل السماحة على ملامح الوجه المصري الحضاري الحديث؛ تأتي كأنها اللحن الأسطوري في "هارموني" رائع؛ تعزفه قلوب وخلايا النسيج الواحد بين أبناء الوطن، فنرى هذه الرسالة في عظمة تشييد المسجد والكنيسة في آنٍ معًا، وكأنهما قلاع حربية حصينة ضد كل أشكال الغزو الفكري المتطرف صنو الإرهاب الأسود ورمز ودلالة على قوة وتماسك وتلاحم أبناء مصر مذ ظهرت على وجه خريطة الأرض، وهو أمرٌ لو تعلمون عظيم!

إن رسائل الزعماء والقادة العارفين بقدر وقيمة ومكانة أوطانهم؛ تأتي دومًا بالردود العملية على كل السفهاء والمغيبين في الدهاليز المظلمة؛ ولا يريدون لشمس الله بالعقائد السمحاء أن تعلو في سماء القلوب والأفئدة؛ لتغرس في أغوار الروح أسمى معاني الحرية بكل السلوكيات والمبادئ  السامية التي وضعها الله في النفس البشرية الصادق كأن رئيس "كل المصريين" يريدنا أن ننشد مع الشاعر أحمد مطر:

أسفي أن تخرج أجيال.. لا تفهم معنى الحرية
لا تملك سيفاً أو قلماً.. لا تحمل فكراً وهويَّــة
إن الحرية أزهار.. ولها رائحة عطرية
كانت تنمو بمدينتنا.. وتفوح على الإنسانية!

إنها الرسالة التي تضع كل فرد في المجتمع أمام مسئولياته الجسام تجاه الوطن وقاطنيه؛ ليعلموا أن بيوت الله لها قدسيتها وجلالها، وإنذار شديد اللهجة لمن يتخذونها ساحة للعمليات الخسيسة التي تنثر دماء الضحايا من الأبرياء من المدنيين ورجال الشرطة والجيش؛ هؤلاء الذين يسهرون على حماية الوطن بالداخل، وعلى الحدود في الصحراء القاحلة، ونتمنى أن تكون الرسالة قد وصلت إلى الأفهام والأذهان للذين تناسوا أنها مصر التي لا يفت في عضدها باغٍ مهما علا شأنه أو استقوى بشياطين الشر والدهاء.

ويتجلى هذا الحدث العظيم في مناسبة ذات طابع خاص إنها: "عيد الميلاد المجيد" للسيد المسيح؛ حيث يتزامن مع مطلع الذكرى "المائة" لثورة الشعب في العا م 1919؛ هذه الثورة التي شهدت اعتلاء القساوسة منابر المساجد والأزهر الشريف؛ واعتلى الشيوخ منابر الكنائس في كل أنحاء البلاد، منددين بالاحتلال البغيض؛ وفي نشيدٍ وهتاف واحد: يحيا الهلال مع الصليب. ولعل التاريخ يذكر كيف دافع الأقباط عن الأزهر أيام الحملة الفرنسية بقيادة "نابليون" عندما أراد اقتحامه بخيوله وجنوده، فما كان من الأخوة الأقباط إلا قيامهم بتوجيه الجنود ـ الذين لا يعرفون اللغة العربية ـ إلى "باب زاوية العميان" حيث يتلقفهم الثوار بالرصاص دفاعًا عن أشقاء الوطن.

 

إن شعار "يحيا الهلال مع الصليب" يجب أن يبقى نصب كل عينٍ أمينة على المبادئ الرفيعة والوطنية الحقة؛ وألا يبقى شعارًا أجوف نردده للتنديد بعد كل حادث إرهابي يطيح بزهرة شباب الأمة، إن هذا المطلب الغالي لن يتأتى ويصبح حيز التنفيذ الفوري؛ إلا بمكافحة أفكار الجماعات الإرهابية المتطرفة بين جدران المسجد والكنيسة، وتحريم اعتلاء المنابر في المسجد والكنيسة إلا لمن انخرط في سلك دورات تدريبية متخصصة في الوعظ والإرشاد؛ ويكون اجتيازه لها بنجاح يشهد به كبار العلماء من كلا الطرفين
 
وتتجلى سمات العظمة والتواضع؛ عندما أشار الرئيس في كلمته بحفل الافتتاح للمسجد والكنيسة بالعاصمة الإدارية الجديدة وقال: " إن ما نراه اليوم من افتتاح للكاتدرائية هو ثمار شجرة المحبة التي زرعها المصريون سويًا"؛ ومشيرًا ومنبهًا إلى أن الفتن لن تنته، لكن اليقظة والوعي سيقفان أمامها بكل الحزم والترابط، ولم ينس الرئيس أن يردد جملة قالها "البابا تواضروس" إبان ثورة 2011؛ والتي قال فيها: "وطن ٌ بلا كنائس.. خير من كنائس بلا وطن"!.
 
حقا.. إنها روعة المحبة والسماحة وقطوفها.. لتظل أنشودة تدل على عظمة التناغم الجميل بين رفع الأذان وترتيل القرآن الكريم، ودق الأجراس، والترانيم الكنسية على طول الزمن، ولنر كيف يعيد التاريخ نفسه ويذكرنا بمن أطلق عليه الزعيم "سعد زغلول" اسم خطيب ثورة 1919 من فوق "منبر الأزهر" وهو "القمص سرجيوس" وكيل مطرانية أسيوط ؛ ويذكر عن بطولته: "أنه ذات مرة وقف في ميدان الأوبرا يخطب في الجماهير المتزاحمة، وفى أثناء خطبته تقدم نحوه جندي إنجليزي شاهرًا مسدسه في وجهه، وفى هدوء أجاب القمص سرجيوس.. ومتى كنا نحن المصريين نخاف الموت.. دعوه يُريق دمائي لتروي أرض وطني التي ارتوت بدماء آلاف الشهداء.. دعوه يقتُلني ليشهد العالم كيف يعتدي الإنجليز على رجال الدين".

 

ما أشبه الليلة بالبارحة.. فلا أبلغ من وصف المغني العجوز حسانين السيد:

المنظر.. كان بالفعل عجيب

شيخ الجامع فوق (المَدْنة) كان بيأذِّنْ
بس خيَال الضِّـلْ.. صليب!

وكل يوم تقدم مصرنا الدليل تلو الآخر على عظمة رجالها الأحرار في كل زمانٍ ومكان.. ودعونا نردد دائمًا وأبدًا: "تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر".

مقالات اخري للكاتب

شبابنا.. و"رق الوظيفة".. و"سوس البيروقراطية"

يستطيع الرسام الممسك بالفرشاة و"باليتة الألوان" رسم لوحات رائعة لكل ما تقع عليه عيناه ويهتز لها وجدانه، وأيضًا يستطيع النحَّات بالإزميل نحت تمثال في الجرانيت

قطار السياسة المصرية.. ومحطات 2018

لا يخالجني أدنى شك في أن الرحلة في "قطار" تحقق للنفس متعة ما بعدها متعة؛ وفعل الكتابة عنها يُعد رحلة أخرى أشد إمتاعًا للذهن والقلب والروح والوجدان. ولكنني

لبيك يا "إفريقيا "!

تعود أحداث التاريخ ـ على اختلاف الزمان والمكان والمناخ ـ إلى التكرار بصورةٍ أو بأخرى في زماننا المعاصر، وقد يكون القياس ـ فيما سأسرده ـ مع الفارق في التشبيه

من منصات محاكم التفتيش.. إلى جماعات الحوار

كلنا نعلم بثقافتنا المعرفية، أن الصيف في بلادنا يعتِّق السحيبات البيضاء والداكنة الحُبلى بالمطر؛ ليَهِبَهَا هدية لنهارات ومساءات الشتاء!

مصرنا المحروسة.. سلام سلاح!

اليوم يحق لنا في مصر أن نبتهج ونفرح، وأن نزداد إحساسًا وشعورًا بالأمن والأمان على أرضنا وحدودنا ومكتسباتنا القومية السامية، وعلى مستقبل أولادنا وأجيالنا الصاعدة، ونشعر بأن خلف ظهورنا قوة تحمي ولا تهدِّد، ونردد قول الشاعر الكبير عزيز أباظة:

حصاد السلام والأعمدة السبعة للشخصية المصرية

البذرة الجيدة.. إذا ما غُرست بكل الأمانة والمصداقية؛ والسقيا بماء الحُب في الأرض الطيبة؛ فإنها حتمًا ستأتي بالثمار الطيبة، وتكون البهجة والفرح هي سمات لحظة الحصاد لمنتدى شباب العالم الذي أقيم في شرم الشيخ، والذي تمحور هذا العام على ثلاثة محاور رئيسية هي: السلام والإبداع والتنمية.

الأكثر قراءة