"النور الحرام".. أفراح تتراقص على حقوق الدولة.. جرائم المغناطيس.. وسرقة الورش والباعة "عرض مستمر"| صور

9-1-2019 | 17:38
النور الحرام أفراح تتراقص على حقوق الدولة جرائم المغناطيس وسرقة الورش والباعة عرض مستمر| صورسرقة التيار الكهربائي
ميادة عبد المنعم

وصلة الرقص الإباحية التي استعرضتها راقصة الحي الشعبي وراودت بها الحضور المغيب من مدمني الحشيش والمخدرات، للحصول على "نقطة" مرضية، لم تكن الجريمة الوحيدة التي شارك بها المعلم (س) تاجر الخضر والفاكهة، الذي قرر على طريقته، وكغيره ممن يفضلون الأفراح الشعبية على غيرها، أن يستبيح المال العام، دون التفات لمصير "أبو البنات" المهدد بالسجن بسبب المغناطيس، أو تلك المرأة المعيلة التي أخذت تصرخ وتلطم الخدود، في الوقت الذي يقرر طواعية وبالمجان "الأسطى محمود" سرقة التيار الكهربي دون مقابل؛ نكاية في "المُحصل"- أحداث متواترة نقلتها "بوابة الأهرام" عبر التحقيق التالي.

موضوعات مقترحة

الأفراح والمال السايب

بوابات عملاقة مضيئة حملت مئات اللمبات الملونة، امتدت بعرض الشارع، أعدها المعلم خصيصًا بمقدمة الشارع لاستقبال المدعوين، آمرًا صبيانه بتعليق عشرات الأمتار من الكهارب والأسلاك التي تدلت منها آلاف المصابيح في حضرة كشافات باتت تضح أنوارًا حولت الظلام الدامس لساعات ظهيرة بمشهد عبثي، يسيطر عليه البذخ، ويؤكد أن من أمن العقاب أساء الأدب، وسرق التيار الكهربي وأن ملف الكهرباء لابد وأن يدار بآلية مدروسة بعيدًا عن ظلم "أم طه" وغيرها من الفقراء المكلفين بتعويض الدولة عن سرقات "المعلم" وغيره من سارقي المال العام.

من يدفع الثمن؟

يعلو صوت الـ"دي جي" على وقع قرع طبول وصخب مهرجان "دربكة" وتعلو معه الزغاريد المنطلقة وسط دخان البانجو المتطاير بأرجاء السرادق الذي يمتد حتى الساعات الأولى من الصباح- احتفالا بابن المعلم وبسرقة التيار الكهربي- وهو ذات التوقيت الذي تقرر فيه "أم طه"، شق جلبابها ولطم الخدود في محاولة منها لاستعطاف محصل الكهرباء، الذي طالبها بغرامة 300ج نظير استهلاك القبو الذي تعيش فيه بأحد ضواحي حلوان.

"الكفر كله مش فيه عدادات وبنضطر نسرق الكهربا من الكابل العمومي، وكل شهر والتاني تجيلنا غرامة بالشيء الفلاني، والله ما عندي غير لمبتين بنورهم والتلاجة"- بتلك الكلمات دافعت المرأة المعيلة عن نفسها وهي تفترش عتبة منزلها بقليل من الحلوى التي تبتاعها وتقتات منها، يوميا مقابل جنيهات معدودة لا تسمح بدفع الغرامات.

بعض المواطنين الملتزمين يشتكون مما أسموه بالتقديرات الجزافية كما هو حال مكرم فؤاد، الذي يقول بتقديرات لا تعبر عن حجم الاستهلاك الفعلي لمسكنه ومع هذا يضطر للدفع أولا ثم التظلم الذي ينتهي غالبا وفي أحسن التوقعات لجدولة المبالغ المتراكمة عليه.

قصور تعليمي

وفي مشهد آخر للسرقات ولأنه لم يتلق بمناهجه الصف الرابع الابتدائي التعليمية، أي تعاليم تؤكد أن سرقة المال العام حرام شرعًا، وأنه لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق، أطاع الصغير مصطفى أمر جدته القعيدة، وبمهارة غير تقليدية، تسلق أحد أعمدة الإنارة العامة، لتوصيل أسلاك مخالفة والحصول على تيار كهربي، يمكنه من إنارة عربة الفول الخاصة بجدته، دون اكتراث أو خوف من صعق أو تحرير محضر رسمي.

سرقة الكهرباء من الكابلات الرئيسية بالشوارع والميادين التي تتواجد بها أسواق عامة، بات أمرًا معتادًا وحق أصيل للباعة- من وجهة نظرهم- من منطلق أن الضرورات تبيح المحظورات فضلاً عن أن المال العام ملك للجميع أو أن "ما بين الخيرين حساب"- طبقًا لما جاء على لسان المعلم "طه أبو عمر"- بائع خضر متجول لم يبخل على فرشته هو الآخر بتيار كهربائي مسروق من الكبل العام كباقي أقرانه بسوق الحي العاشر.

ربما تكون للجائلين أسبابهم في سرقة الكهرباء لعدم توافر محال تضم بضاعتهم المزجاة على الأرض أو فوق عربات كارو، ولكن ما العذر في ما فعله الثلاثيني محمد، الذي يعمل بإحدى الشركات الوطنية، حين قرر انتهاك القوانين دون اكتراث لما قد يترتب عن الجرم.

جريمة المغناطيس

لم يتردد محمد "أبو البنات"، الكائن بمنطقة الحي العاشر - مدينة نصر، في سرقة التيار الكهربائي بوضع مغناطيس يزن 250 جرام فوق العداد، لتقليل الاستهلاك وهو ما اكتشفه موظف الكهرباء المسئول عن قراءة العداد واتخذ حياله إجراء رادعا.

تفاجأ الرجل الذي لا يتعدى راتبه 2000 جنيه ولديه 3 بنات في مراحل تعليمية مختلفة، بمحضر سرقة تيار كهربي محررا ضده تحول لقضية وأن عليه أن يدفع 10000جنيه، وإلا سيقبع خلف القضبان.."لا معايا أدفع ولا حد هيسلفني، يا أستاذة الفاتورة كانت بتيجي 500 جنيه، أدفع ربع المرتب كل شهر للكهرباء وأكل بناتي طوب ولا أذبحهم ولا أحط مغناطيس يرحمني من الفواتير؟ "- قالها الرجل في محاولة لتبرير ما اتهم به.

الكهربائي.. "سارق ماسرقش حاجة"


تردد الأسطى "أبو كريم" الذي يعمل كهربائيا، في الإجابة عن السؤال.."من الذي يقوم بعمل الوصلات المخالفة داخل الوحدات السكنية والمحال وهل هناك من يطلبك خصيصا لتلك المهمة ؟".

يجيب الأسطى، بابتسامة لا تنفي ما أراد أن يخفيه.."مش بعملها لواحد مقتدر، وطبعا المواطن لوحده صعب يلعب في الكهرباء ويخرج وصلات برا العداد، وبالتالي لازم كهربائي اللي يعملها".

يضيف الستيني أيضا.."أنا أعرف ناس مش فقيرة وليها أكثر من 17 سنة عايشة بدون عداد وبتسرق الكهرباء والمحصل عارف على فكرة بس بيتراضى "رشوة" ويجي يقطع التيار على موظف غلبان مش قادر يدفع، أهو دا بقا اللي بروح أوصله وصلات برا العداد لأنه غلبان.

كما لا ينفي الرجل تطوعه بمساعدة بعض الأسر الفقيرة في سرقة التيار الكهربي بوسائل احترافية عندا في المحصل"اياه" ويقسم .."وحياة ولادي لوجه الله وبالمجان مش باخد فلوس منهم".

التكييفات والفواتير

أم مصطفى ربة منزل، توضح أن معظم من يتلاعبون بالعدادات في الأحياء الراقية والمتوسطة لديهم مكيفات مضيفة أن المكيفات أكثر الأجهزة استهلاكا للكهرباء لذا يتم عمل وصلات خارجية لها وتؤكد دون انتباه أنها اعترفت بالسرقة.."لكن باقي استهلاكنا في الشقة بندفع له فواتير، زينا زي غيرنا".

"أحيانا بنكتشف أن في تلاعب في العداد من المظهر العام للشقة، لكن أنا مش من حقي ادخل أفتش في الغرف عن وجود مكيفات من عدمه وأحيانا بتكون العدادات خارج الوحدة السكنية وهو ما يصعب فكرة اكتشاف السرقة- بحسب أحد موظفي شركات توزيع الكهرباء بشرق القاهرة.

يلجأ أسطى سليمان الذي يعمل نجارا، لاستعانة بوصلة خارجية متصلة بالكبل العام لتشغيل "المنشار الكهربائي" حيث يستهلك كما هائلا من الواط الكهربي الذي قد يجعل فاتورة المحل تشتعل بما لا يقوى عليه الرجل.

إهدار مستمر

أجهزة حكومية ودواوين وزارية ومؤسسات قومية، تشارك هي الأخرى في إهدار الكهرباء بغير قصد عن طريق ترك المصابيح والأنوار مضاءة حتى بعد انصراف الموظفين وخلو المكاتب، وهو نفس حال الأحياء التي تترك أعمدة الإنارة مضاءة على مدار الـ 24 ساعة دون ترشيد للإنفاق وإهدارا للمال العام.

"الله الغني عن الحرام ولو هناكلها بملح"..مبدأ متزن تبناه من رفضوا إطعام صغارهم من سحت، تحت أي دوافع وهو ما أقرته فردوس سليمان، مدرسة رياضيات، حيث ترى أن الفقر وقلة الدخل ليست مبررات لسرقة المال العام على الإطلاق وأن من يسرقون يضيعون على أطفالنا حياة كريمة تسعى الدولة لتحقيقها ولكن يدها مغلولة بسبب النهب.

موظف الكهرباء الذي يقوم بقراءة العداد قد يكون شريكا في جرائم السرقة بالموالاة وغض الطرف عن السارق رغم تأكده من ارتكاب الجريمة ويكون الصمت هنا لزامًا عليه في مقابل "كرمشة 50 جنيها كل شهر" من المخالف- بحسب طاهر مصطفى- مالك مطعم شهير بمدينة نصر.

العدادات والضبطية 

ووفقا للمتحدث الإعلامي لوزارة الكهرباء، أيمن حمزة، فإن الوزارة اتخذت تدابير عدة لمواجهة السرقات أهما: الضبطية القضائية لبعض قيادات شركات التوزيع لرصد المخالفات، بالإضافة لعمل عدادات كودية ببعض الأحياء الشعبية التي لم ترخص بها الكهرباء، لتقليل الفقد لحين تقنين أوضاع أصحاب العقارات المخالفة.

ويؤكد المتحدث باسم الكهرباء أيضا، أن 2 مليار جنيه هو حجم المتحصلات من الغرامات، على وجه التقريب، وأن الوزارة تعكف حاليا على الانتهاء من العدادات مسبوقة الدفع، والعدادات الذكية التي ستقلل بدورها من السرقات عن طريق برامج تحكم تقوم بتحديد مكان السرقة وفصل التيار تلقائيا.

يضيف.. بدأنا بـ250 ألف عداد في عام 2018 وحتى بداية 2019، في نطاق 6 شركات ضمن 9 من شركات توزيع الكهرباء على مستوى الجمهورية، لتقييم التجربة التي ستقضي على السرقات بشكل جذري.

كم حجم الفاقد أو الخسائر التي تتكبدها الدولة جراء سرقات الكهرباء؟ سؤال لم يجد إجابة دقيقة بين أروقة وزارة الكهرباء التي أكد بعض مسئوليها أن أموالها تفرق دمها بين القبائل، وأنه لا توجد حتى الآن إحصاءات تكشف كم الأموال والكيلوات المهدرة نظرا لتشعب الجهات التي تشترك في الملف سواء من الأحياء أو شرطة الكهرباء أو شركات التوزيع.

الحرابة وحد الغلول

تبقى كلمة أهل الدين التي تحرم قولا واحدا سرقة المال العام، وتعتبر المخالف آثم شرعا- بينهم دكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، حيث أكد أن حرمة المال العام لا تقل عن حرمة الخاص، وأن السارق معتد إن تمت السرقة في الخفاء ويقام عليه حد الحرابة ويلاحقه جرم الخيانة إن كان مؤتمنا على المال العام.

يشدد أيضا.. في كل الأحوال هي جرائم محرمة مجرمة وأسماها القرآن بـ " الغلول" وجزاء ذلك كما أخبر النبي، أن الخائن يأتي يوم القيامة حاملا على عنقه ما أخذه بغير حق، لذا يجب على سارق المال العام رد الحقوق المنهوبة للدولة بأي وسيلة وليتحرى الحلال، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.

ماذا لو

الواقع العملي يقول إنه في 29 ديسمبر الماضي، تم ضبط 66427 قضية سرقة للتيار الكهربائي، في حين بلغت قيمة المبالغ المحصلة والغرامات 40 مليون جنيه، خلال شهر واحد، ليبقى السؤال كم سيدخل خزينة الدولة لو يتم التعامل مع هذا الملف بمنظور مختلف يشعر فيه المواطن بالرضا عن ما يدفعه للدولة دون مخالفة، بعيدا عن استحلال سرقة الحكومة ومبدأ" اللي يجي منهم أحسن منهم." في ظل ردع المتهربين؟- سؤال مشروع تطرحه "بوابة الأهرام".


سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي

سرقة التيار الكهربائيسرقة التيار الكهربائي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة