ما سر غروب شمس السعادة عن مملكة بوتان؟

9-1-2019 | 12:11

مملكة بوتان

 

الألمانية

منذ سبعينيات القرن الماضي، اعتمدت مملكة بوتان شعار "السعادة المحلية الإجمالية"، حيث أعطت أولوية قصوى لتحقيق الرفاهية والسعادة لجميع أفراد الشعب. غير أنه في السنوات الأخيرة، زادت معدلات الإقدام على الانتحار، ووردت تقارير تفيد بعدم شعور الكثيرين في المملكة بالسعادة. ويلقي البعض باللوم في ذلك على عملية التحديث التي شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة.


وشكل عام 1999 علامة فارقة بالنسبة لمملكة بوتان، فمع دخول التلفاز والإنترنت إلى البلاد ، بدأت المملكة الصغيرة، غير الساحلية، والتي تقع في الطرف الشرقي من جبال الهيمالايا، شرقي آسيا، اللحاق بركب التحديث.

وفي نفس هذا العام، بدأ طبيب الأمراض النفسية "شينشو دورجي" ممارسة مهام عمله.

وكان الأخ الأكبر للطبيب النفساني شينشو، أصيب بمرض الفصام، "سكتسوفرينيا" أو "شيزوفرينيا"، وشعرت العائلة بالعجز لعدم تمكنها من علاجه، فحبسته في غرفته أعواما طويلة. واختار شينشو، أو "الطبيب شينشو" كما هو معروف الآن، أن يصبح طبيبا نفسيا لكي يعالج الأخ الأكبر. وقد أكمل دراسته للأمراض النفسية في الهند وسريلانكا.

ويقول شينشو، وقد جلس داخل مكتبه بأحد المستشفيات العامة في العاصمة تيمفو: " لم يكن هناك سبيل آخر لعلاج آخي... لم يكن هناك شخص (يمكنه أن يعالجه) في بوتان".

ومملكة بوتان دولة فقيرة، وقد جرى وضع دستور للمملكة قبل عشر سنوات، وتغطي الغابات حوالي 60 بالمئة من مساحة المملكة.

وتشتهر المملكة بإعلانها أن تحقيق أقصى قدر من السعادة هو الهدف الأسمى الذي تسعى حكومة البلاد لتحقيقه. كما تم إنشاء وزارة للسعادة.

ويتم إجراء دراسات ومسوح كل خمس سنوات لقياس معدل "السعادة المحلية الإجمالية"، ويستطع السائحون شراء هدايا تذكارية مكتوب عليها: "بوتان: السعادة مكان".

وقد زادت معدلات الإقدام على الانتحار خلال السنوات الأخيرة، ليصبح ذلك سادس أهم سبب للوفاة في البلاد.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن الانتحار يعد السبب رقم 18 وراء حالات الوفاة في أنحاء العالم.

ووفقا للمعتقدات الدينية، الانتحار عواقب وخيمة في الحياة الأخرى (ما بعد الموت).

ويقول الطبيب شينشو إن أعداد من يقدمون على الانتحار "مروعة"، ولكن يتعين على المرء "أن يفهم أن الوتيرة السريعة للتطور من مجتمع زراعي ينتمي للقرون الوسطي، إلى عالم القرن الحادي والعشرين"، أسفرت عن تغييرات جذرية خلال عقود قليلة.

وانهارت أساليب الحياة ومنظومة القيم التي طالما أبقت المجتمع على تماسكه، وتفرقت السبل بالعائلات الكبيرة، وشد الشباب الرحال من قراهم إلى المدن للبحث عن عمل، وسيطرت النزعات المادية على الناس. إنها "ضغوط الحياة الحديثة" بحسب وصف شينشو. كما أسهمت الديمقراطية التي عرفت طريقها إلى بوتان في عام 2008 في هذه التغيرات الدرامية.

وسجل مؤشر "السعادة المحلية الإجمالية" في بوتان 756ر0 على مؤشر من صفر إلى واحد، وفقا لآخر تقرير أعد في هذا الشأن، في عام 2015، أي أن حوالي 76 بالمائة من سكان بوتان كانوا يشعرون بالسعادة، وفقا للتقرير.

وتضمن التقرير الأخير زيادة طفيفة عن التقرير السابق عليه، وقد أرجعها المُعِدون، إلى الرخاء المادي المتنامي، وإلى الزيادة في فرص الحصول على الكهرباء ومياه الشرب والخدمات العامة الأخرى.

ورغم هذا، أوضح التقرير أن النتائج الخاصة بفئة "الصحة (الرفاهية) النفسية" قد شهدت تراجعا كبيرا.

وكانت بوتان حددت تسعة مجالات لقياس "السعادة المحلية الإجمالية"، ألا وهي: الصحة النفسية والصحة البدنية والتعليم واستخدام الوقت والتنوع الثقافي والقدرة على التكيف والحكم الرشيد وحيوية المجتمع والتنوع البيئي والقدرة على التكيف ومستويات المعيشة.

ووفقا لتقرير السعادة لعام 2015، زاد عدد سكان بوتان الذين يشعرون بالسعادة "بالكاد" إلى 9ر47 بالمائة، مقابل 35 بالمئة "سعداء إلى حد كبير". وزاد عدد "غير السعداء" إلى 8ر8 بالمائة، في حين بلغت نسبة "سعداء للغاية" 4ر8 بالمائة.

ولم يعد شينشو طبيب الأمراض النفسية الوحيد في بوتان، فهناك ثلاثة غيره، وآخرون يتلقون تدريبا، بالإضافة إلى دفعات أولى من الإخصائيين النفسيين والاجتماعيين.

ويوضح شينشو أنه رغم هذا التقدم الكبير، ما زال الطريق طويلا، ووجه انتقاده إلى ضآلة حجم الأموال التي تستثمرها الحكومة، والجهود التي تبذلها في مجال الصحة النفسية، حيث يقول: "لا نقوم بالعمل بإخلاص".

ويشير أيضا إلى العديد من العوائق الثقافية، حيث يقول: "هناك الكثير من الشعور بالوصمة والتحامل فيما يتعلق بالأمراض النفسية." ويفضل العديد من المرضى النفسيين "معالجا دينيا" على طبيب متخصص مثل شينشو. بل يجهل الكثيرون ماذا يعني "طبيب نفسي" أو ماذا يفعل.

وتقول صحفية شهيرة تدعى نامجاي زام: "ليس لدينا حتى الألفاظ والمصطلحات التي يمكن من خلالها التعبير عن (مسائل) الصحة النفسية في أي من اللهجات، أو اللغة الوطنية، في بوتان... ليس هناك سبيل يستطيع المرء من خلاله أن يقول، مثلا، /أشعر بالإحباط/ أو أشعر بالقلق".

كما يعتقد كثير من أهل المملكة التعبير عن مشاعرهم الخاصة نوعا من الضعف.

وكانت زام أول من نشرت نتائج المسح الأول عن حالات الانتحار في بوتان. وبدأت زام في أكتوبر من عام 2017، تقديم برنامج حول الصحة النفسية باللغة الانجليزية.

وتناقش زام في برنامجها العديد من الأسئلة والموضوعات الخاصة بالصحة النفسية، مع المتخصصين والمستمعين. كما أنها تُعِد مشروعا جديدا يهدف إلى الوصول لمن لا يتحدثون الإنجليزية.

ودوافع زام في هذا المجال ترجع لتجربة شخصية، فهي مثلها في ذلك مثل الطبيب شينشو.

وتقول زام: "فقدت أصدقاء كُثُر خلال العامين الماضيين الماضية، انتحروا جميعا."

ويعيش في العاصمة تيمفو حوالي 25 بالمئة من سكان بوتان، الذين يبلغ عددهم إجمالا 800 ألف نسمة. وقد شهدت المدينة افتتاح عدد كبير من المقاهي الفاخرة والحانات خلال الأعوام الأخيرة، حيث يُمعِن السائحون، وأهل البلاد، النظر في أجهزة الهاتف الذكي وهم يحتسون "الكابتشينو" أو الجعة، بدلا من المشروبات التقليدية مثل "الشاي بالزبدة"، أو "آرا" (آراج)، وهو مشروب كحولي يجرى إعداده في المنزل.

ولا يزال معظم أهل بوتان يفضلون الملابس التقليدية، حيث تنورة الرجل أقصر من تنورة المرأة. ويتعين على موظفي الحكومة والمرشدين السياحين ارتداء الزي الوطني. ويرتدي كثير من سكان بوتان "الجينز" و"القمصان" نصف كم.

وتقول زام: "تغيرت أنماط حياتنا بشكل كبير... قدم في الماضي وأخرى في المستقبل... لسنا على يقين الآن إلى أيهما ننتمي".

ويقول بيما بازار، وهو مخطط برامج بوزارة السعادة:" عندما يتحدث المرء عن المجتمع في بوتان، فإن الأمر الأهم هو الاحساس بالانتماء، والثقافة والتقاليد المشتركة".

وفي ظل هذا التماسك الاجتماعي، سارت الحياة في بوتان دون حاجة إلى برامج للتأمين الصحي أو إعانات البطالة أو دور المسنين، فالعائلات والأصدقاء يُعِينون بعضهم بعضا.

ويقول بازار إنه لم يكن ممكنا لبوتان تجنُب الانفتاح على العالم الخارجي، وهو ما دمر البنية الاجتماعية للبلاد، و" من هذا المنطلق، أقول: ليتنا بقينا على ما كنا عليه من عزلة وانغلاق".

ويرى داشو بينجي الأمر من منظور مختلف.

ويقول بينجي، وهو ناشط بيئي كان في السابق دبلوماسيا ومستشارا مقربا من ملك بوتان السابق: "لست من مؤيدي مؤشر السعادة (المحلية الإجمالية)."

ويوضح بينجي أنه عندما أعلن ملك البلاد إدراك السعادة هدفا لحكومته في عام 1974، لم يكن يعني السعادة الفردية، ولكن "السعادة الجماعية للأمة"، وربما يكون هذا أمرا من الصعب قياسه.

اقرأ ايضا: