"بوابة الأهرام" تفتح ملف "هجرة الأطباء ".. مزاولون للمهنة يكشفون الأسباب .. والنقابة: الملف مغلق

25-12-2018 | 20:40

طبيب

 

داليا عطية

تعاني غالبية المستشفيات الحكومية من عجز كبير في الأطباء مع تخليهم عن العمل بها مفضلين السفر إلى الخارج الذي يضمن رواتب جيدة وأوضاع أفضل في بيئة العمل.  

وبحسب الأرقام الصادرة من نقابة الأطباء فإن عدد الأطباء المقيدين بالنقابة يبلغ 220 ألف طبيب من بينهم 120 ألف طبيب خارج البلاد ما ينبئ بكارثة ومخاطر جسيمة تطارد المنظومة الصحية في مصر ومن ثم المواطنين وخاصة المرضي منهم وذلك في حال استمرار هجرة الأطباء إلي الخارج.

وكشف رئيس مجلس النواب الدكتور علي عبد العال، أخيرًا، أن إحدى الدول العربية لديها وحدها 65 ألف طبيب مصري لتؤكد أزمة العجز الذي تعانيه مصر في القائمين علي المنظومة الطبية..  "بوابة الأهرام" تفتح ملف هجرة الأطباء مع نقابة أطباء مصر وأطباء يمارسون المهنة للوقوف علي أسبابها وطرق حلها.

وتبلغ النسبة العالمية لعدد الأطباء بالنسبة لعدد السكان إلي 350 مواطنا لكل طبيب واحد أما في مصر فتصل إلي 800 مواطن لكل طبيب واحد ما يبرهن حجم العجز الشديد الذي تعانيه في أعداد الأطباء.


تدني الأجور

يؤكد الدكتور ياسر فوزي، مدير مستشفي أطفال مصر (حكومي)، أن المنظومة الصحية في مصر تعاني عجزًا بعدد الأطباء ضاربًا المثل بالمستشفى الذي يديره الذي يعاني نقصًا بالأطباء والتمريض ما يمثل خطورة علي حياة الأطفال حيث يتسبب بشكل رئيسي في تأخير عمليات القلب لهم .

ويضيف أن الطبيب والتمريض بحاجة إلي جذب تجاه المنظومة الصحية في مصر يعتمد بنسبة أكبر علي الجانب المادي مؤكدًا أن كل منهما يعمل من أجل راتب مناسب يكفي سد متطلباته ومتطلبات أسرته وفي حال عدم حصوله عليه سينشق عن المنظومة أو يغادرها باحثًا عن فرصة أفضل ماديًا لتصبح المنظومة حينها تعاني خللًا بعدد القائمين علي الخدمة وهو ما يمثل خطورة علي حياة المرضي الذين تتعطل عملياتهم بسبب عدم وجود الطبيب وطاقم التمريض .

يلجأ الكثير من الأطباء إلى العيادات الخاصة كوسيلة لتحسين الدخل، ويقول الدكتور خالد سمير أستاذ جراحة القلب بكلية الطب جامعة عين شمس إن هذا ليس طمعًا من الطبيب وإنما بحثًا عن وسيلة لاستكمال الحياة ولكي نمنع الطبيب من العمل الآخر يجب أن نمنحه مرتبًا حقيقيًا .

وضعف رواتب الأطباء لا يترتب عليه هجرتهم المنظومة الصحية وتوجههم للعمل خارج مصر فقط وإنما يترتب عليه أيضًا هجرة داخلية لبعض التخصصات الصعبة مثل الجراحات العامة والرعاية المركزة والتخدير والطوارئ والحضانات والتوجه إلي التخصصات السهلة مثل الجلدية والتجميل باعتبارها أقل جهدًا وعائدها المادي أكثر مما يسبب فراغًا كبيرًا في التخصصات الصعبة وتكدسًا يتخصصات أخرى.
 
ويقول الدكتور خالد سمير إن هذه المشكلات تعانيها المنظومة الصحية في مصر منذ عشرات السنين إلا أن المسئولين لا يحركون ساكنًا فيها رغم طرحها من قِبَل الأطباء أنفسهم وأيضأ نقابة أطباء مصر قائلًا :" المسئولين ساكتين هربًا من فتح ملف أزمة عجز الأطباء في مصر".

لكي يكون لدينا طبيب متمكن من أدواته وذو كفاءة عالية فإن هذا الطبيب يحتاج بعد تخرجه استكمال دراسته من أجل الحصول علي خبرة أكثر وذلك من خلال حصوله علي دراسات عليا أو دبلومة أو ماجستير أو دكتوراة وهذه الدراسات عالية التكلفة حيث تبلغ من 5 إلي 15 ألف جنية في السنة في حين أن راتب الطبيب حديث التخرج لا يزيد عن 2000 جنيه فيصبح بذلك أمام معادلة مستحيلة .

يعد الدخل المادي أحد أقوي الأسباب ل هجرة الأطباء وانشقاقهم عن المنظومة الصحية في مصر لكنه ليس الوحيد فهناك أسباب أخري أدت إلي ذلك توضحها نقابة الأطباء لـ"بوابة الأهرام" في السطور التالية :

يعمل الطبيب المصري في بيئة عمل قاسية غير مواكبة للعصر حيث يعاني من نقص الإمكانات والتي تتمثل في بعض الأجهزة الطبية اللازمة للمريض وأيضًا المستلزمات الطبية المطلوبة لإجراء بعض العمليات الجراحية أو نقص في غرف العناية المركزة أو عدد "السراير" للمرضي أو الحضّانات وبالتالي يترتب علي هذا النقص تأجيل بعض العمليات لأمر خارج عن إرادة الطبيب .

تأجيل العمليات للمرضى يُحدث احتكاكًا مباشرًا بين الطبيب وأهل المريض الذين لا يتفهمون سببه الحقيقي فيعتقد الغالبية منهم أن الطبيب هو السبب في تأجيل عملية مريضهم وتبدأ هنا المشاحنات بين بعضهم البعض وتتصاعد حتى إنها في أحيان كثيرة تصل إلي التعدي علي الطبيب بالضرب وداخل المؤسسة التي يخدم فيها ما يُشعره بعدم الآمان أثناء تأدية واجبه المهني وخاصة مع تكرار وقائع التعدي والتي لا تتعامل معها بعض الأجهزة الأمنية بالردع المناسب.

وقال الدكتور رشوان شعبان ، أمين عام مساعد النقابة العامة للأطباء، إن بعض الأجهزة الأمنية تتعامل مع واقعة التعدي علي طبيب كأنها مشاجرة لافتًا إلي السعودية كنموذج فيقول إن القانون فيها يعاقب المتعدي علي طبيب أثناء تأدية واجبه المهني بالسجن 10 سنوات مضيفًا :" المستشفيات عندنا غير مؤمنة بشكل حقيقي ونحتاج علي الأقل نوع من السيطرة الأمنية لإنقاذ حياة الأطباء" 

ولفت إلي الحالة النفسية للطبيب حيث يقرأ تأجيل إجراءات تأمينه أثناء عمله علي أن فئة الأطباء والتمريض وكذلك المؤسسات الصحية ليست محل اهتمام .

عبء ثقيل

يقول الدكتور م . أ أستاذ جراحة عامة إنه كطبيب يتحمل عبء نقص الإمكانات وتهالك البنية التحتية للمؤسسات الصحية فكثيرًا ما ينفق من ماله الخاص لشراء مستلزمات طبية ضرورية للكشف علي المريض لافتًا إلي أنه في إحدى المرات قام بجمع تبرعات من زملائه الأطباء لتوفير جهاز طبي تحتاجه المستشفي واضعين نصب أعينهم حياة المريض والحفاظ عليها وفي الأخير يفاجئوا بتعدي الأهالي عليهم إذ يحملونهم ذنب نقص الإمكانيات .

ويقول الدكتور رشوان شعبان عضو نقابة الأطباء إنه في عام 2011 حصلت النقابة علي قرار من وزير الداخلية بإنشاء شرطة لحماية المستشفيات لكن القرار لم يُفعَّل حتى الآن متسائلًا عن سبب تأخيره .


بدل العدوى
يُعرّض الطبيب حياته للخطر مقابل إنقاذ حياة المريض فعندما يدخل غرفة العمليات لإجراء جراحة فهو مُعرض في أي وقت للإصابة بإحدى الفيروسات ولعل ما شهدته مستشفي الميري الجامعي بالإسكندرية منذ أيام دليل علي حجم الخطورة التي تطارد صحة الأطباء حيث انفجرت دماء المريض داخل غرفة العمليات في وجه الطبيب أثناء إجراء جراحة دقيقه في القلب حتى أن الدماء أخذت شكل النافورة في اندفاعها في وجه الطبيب وكان من الممكن إصابته في حال احتواء هذه الدماء علي أي من الأمراض.

شعور بالتهميش

يقول الدكتور أ . م أستاذ جراحة القلب والصدر إنه في مثل هذه الحالات لا يهتم لإمكان إصابته بالعدوى داخل غرفة العمليات قدر اهتمامه بتأدية رسالته كطبيب وتطبيق القسَم الذي نطق به أثناء تخرجه في كلية الطب وإنقاذ حياة المريض بكل ما أوتي من أدوات ومهارات وخبرة لكن في الأخير يظل مبلغ الـ 30 جنيهًا بدل العدوى يحمل إهانة للأطباء وظلمًا فكيف لطبيب في حال إصابته بالعدوى أن يعالج نفسه بهذه الجنيهات.

وأضاف أن الأمر ليس نظرة مادية لبدل العدوى وإنما نظرة منطقية لطبيب قد يُصاب بالعدوى أثناء مزاولة مهنته والمبلغ المخصص لمعالجة هذه العدوى "لا يسمن ولا يغني من جوع" ما يجعله كطبيب يشعر بالتهميش وأنه بالرغم من حرصه علي إنقاذ حياة المرضى إلا أن حياته وزملائه ليست محل اهتمام .

مطالب مشروعة

يقول الدكتور أحمد محمد عبد العزيز، مدرس مساعد جراحة القلب والصدر بكلية الطب جامعة الإسكندرية، إن مطالبة الأطباء برفع أجورهم حق مشروع لا يجب تجاهله لأن الطبيب هو مقدم الخدمة الطبية للمريض وعندما نستثمر في الطبيب فنحن نسهم بذلك في تقديم خدمة جيدة للمريض ومن ثم الارتقاء بالمنظومة الصحية في مصر .

ويضيف إلي مطالب الأطباء المصريين أنه يأمل أن تكون شهادة تخرج الطبيب المصري "إنترناشيونال" متضررًا من وضعها الحالي حيث يتخرج الطبيب وفي حال توجهه للعمل في دولة خارج مصر لا يُسمح له بمزاولة المهنة بهذه الشهادة ويطلبون منه دراسات أخرى من أجل تمكنه من مزاولة المهنة لديهم قائلًا :" أتمني أن ينافس خريج الطب في مصر خريج هارفارد ".

المساءلة القانونية
يمارس الطبيب مهنته ويؤدي واجبه في إنقاذ حياة المرضى لكن بعض العمليات الجراحية ينتج عنها مضاعفات إضافة إلي أن الخطأ الطبي وارد وهناك وقائع تبرهن علي ذلك لكن كثير من الأطباء يخشون من المسائلة القانونية بسبب عقاب الخطأ الطبي الذي يقتضي سجن الطبيب لذا نجد بعض العمليات تشهد تنافر الأطباء عنها خوفًا من المسائلة القانونية.

وتطالب نقابة الأطباء بتشكيل لجنة لبحث وضع المريض وتحديد نوع الإصابة التي حدثت له بعد العملية وهل هي ناتجة عن خطأ طبي أم مضاعفات وارد حدوثها بعد العملية التي أجريت له وفي حال إقرار اللجنة بأن ما حدث خطأ طبي فإن الطبيب يجب أن يُعاقَب لكن هناك كثير من الأطباء يُظلَمون بسبب عدم التأكد قبل الحكم عليهم فيقول عضو نقابة الأطباء :" في كل دول العالم يتم تشكيل هيئة لإقرار المسئولية الطبية للتفريق بين الخطأ الطبي ومضاعفات العملية الجراحية لعدم ظلم الطبيب"

ضغط نفسي

يؤكد الدكتور م . أ مدرس مساعد الجراحة العامة والمناظير لـ"بوابة الأهرام" أنه ينهي الآن إجراءات سفره للخارج للعمل في إحدى الدول الأوروبية معللًا هجرته بأن بيئة العمل في مصر قاسية من حيث المقابل المادي ونقص الإمكانات والمستلزمات الطبية التي تمكنه كطبيب من تقديم الخدمة للمريض بشكل جيد يليق به.

وأضاف أنه فقد الأمل في فتح ملف هجرة الأطباء والنظر إلي مطالبهم المشروعة لافتًا إلي التعدي علي الأطباء في مكان الخدمة أثناء مزاولتهم المهنة كأحد أقوى الأسباب لهجرته وذلك عد ضعف المقابل المادي وأن هذا التعدي يمثل له ضغطًا نفسيًا وشعور دائم بعدم الآمان أثناء تأدية وظيفته .

وتقدمت نقابة الأطباء بتعديل قانون رقم 14 لسنة 2014 وهو القانون المالي الخاص بالفريق الطبي للعاملين ب وزارة الصحة وذلك من أجل جدولة الأجور وتقدمت أيضًا بمشروع قانون لرفع بدل العدوى إلا أن هذه المطالب مازالت في أدراج الجهات المعنية.

[x]